من الوجود بوصفه حضورًا للضمير إلى الوجود بوصفه صيرورةً وعبورًا
مقدمة: تنبع أهمية كتاب «الوعي والعدم: جوهر الوجود وحدود اللغة» لمنذر چلوب من أنه لا يدخل إلى الفلسفة من باب السؤال التقليدي عن ماهية الموجودات، وإنما من منطقة أكثر جذرية تتقاطع فيها أسئلة الوجود والوعي واللغة والعدم والإله والحرية والأخلاق والجمال، محاولًا أن يعيد بناء هذه الأسئلة من نقطة أولى يراها أكثر يقينًا من سواها، هي «الضمير» أو «الأنا». ومن هذه النقطة يبدأ مسار الكتاب في تفكيك عدد من الثنائيات التي حكمت التفكير الفلسفي طويلاً، ولا سيما ثنائية الوجود والعدم، والذات والموضوع، والجسد والروح، والحرية والحتمية، والمطلق والنسبي، قبل أن ينتهي إلى تصور يجعل الوجود نفسه متصلًا بالوعي اتصالًا لا يمكن فصله عنه.
غير أن القراءة من منظور فلسفة العبور تضع الكتاب أمام سؤال مختلف قليلًا: ماذا يحدث للوجود عندما لا ننظر إليه بوصفه حقيقة ينبغي القبض عليها، وإنما بوصفه صيرورة متحركة لا تستقر إلا مؤقتًا في صور بعينها؟ وماذا يحدث للوعي عندما لا يكون نقطة يقين نهائية، وإنما موقعًا عابرًا تتقاطع فيه الحركة واللغة والجسد والعالم والآخر؟ وهل يمكن تجاوز الثنائيات بالفعل إذا انتهى هذا التجاوز إلى إقامة وحدة أنطولوجية نهائية هي «الضمير»؟
هنا تحديدًا تبدأ القيمة الفلسفية الكبرى لهذه القراءة؛ إذ إن كتاب چلوب يبدو، من منظور فلسفة العبور، قريبًا من أفقها في لحظة، ومختلفًا عنها جذريًا في لحظة أخرى. فهو يعبر من الثنائيات، لكنه لا يعبر بالضرورة من الحاجة إلى المركز؛ وينقل الوجود من السكون إلى الحركة، لكنه قد يعيد تثبيت هذه الحركة داخل وحدة ميتافيزيقية؛ وينقد اللغة بوصفها منتجة للثنائيات، لكنه يجعلها في الوقت نفسه شرطًا للإمساك بالوجود. ولذلك فإن الكتاب يمكن أن يُقرأ بوصفه نصًا يقف عند عتبة فلسفة العبور: يفتح عددًا من الحدود التي ستعيد فلسفة العبور بناءها، لكنه لا يذهب بها جميعًا إلى نهاياتها.
أولًا: من وحدة الوجود إلى أنطولوجيا العبور
يقدم چلوب تصورًا للوجود يقوم على وحدة عميقة تتجاوز الانقسامات التي تفرضها اللغة والعقل، فالوجود في أساسه ليس مجموعة من الموجودات المتناثرة، وإنما حركة واحدة تتخذ صورًا متعددة، بينما الثنائيات التي نستخدمها لوصفه ليست بالضرورة موجودة في الواقع نفسه، بل قد تكون نتيجة لطريقة اشتغال اللغة والعقل.
وهذه النقطة تلتقي بصورة واضحة مع الأساس الأنطولوجي لفلسفة العبور، لأن الوجود العابر لا يُفهم بوصفه مجموع ذوات وأشياء ثابتة، وإنما بوصفه صيرورة وعلاقات وحركات وتحولات. فالشيء لا يكون هو ذاته لأنه يمتلك جوهرًا مغلقًا يستمر خلف تغيراته، وإنما لأنه يظل داخل شبكة من العلاقات والتحولات التي تمنحه صورة مؤقتة من صور الوجود ؛ لكن هنا يظهر الاختلاف الحاسم.
فإذا كان چلوب ينتهي إلى أن الوجود وحدة، فإن فلسفة العبور لا تجعل «الوحدة» هي النتيجة الأخيرة للوجود؛ لأن الوحدة نفسها ليست نهاية الصيرورة. فالوجود لا يتحول من التعدد إلى الوحدة ثم يستقر فيها، بل إن الوحدة والتعدد نفسيهما لحظتان داخل حركة أوسع. ولهذا فإن فلسفة العبور تتحفظ على كل أنطولوجيا تجعل وراء الاختلاف أصلًا واحدًا نهائيًا يمكن رد الموجودات إليه.
ومن هذه الزاوية يمكن إعادة صياغة أطروحة چلوب على النحو الآتي: إذا كان الوجود حركة، فإن السؤال الفلسفي لا يعود: ما وحدة هذه الحركة؟ وإنما: كيف تنتج الحركة صورها، وكيف تتكون الحدود داخلها، وكيف تعبر هذه الحدود، وكيف يتحول ما كان يبدو ثابتًا إلى علاقة جديدة؟ وهذا التحول ليس تفصيلًا اصطلاحيًا، وإنما يمثل انتقالًا من أنطولوجيا الوحدة إلى أنطولوجيا الصيرورة. فالعبور لا يلغي الوحدة، ولكنه يمنعها من التحول إلى مبدأ نهائي يغلق السؤال.
ثانيًا: «الضمير» بين الكوجيتو ومفهوم الإنسان العابر
يبدو مفهوم «الضمير» عند چلوب أهم نقطة يمكن أن تتحاور معها فلسفة العبور، لأنه لا يظهر بوصفه مفهومًا أخلاقيًا بالمعنى التقليدي، وإنما بوصفه حقيقة أنطولوجية أولى، أي باعتباره الموضع الذي يلتقي فيه الوجود مع وعيه بذاته. وهنا ينتقل الكتاب من ديكارت إلى ما بعد ديكارت، لكنه لا يقطع معه بصورة كاملة.
فالكوجيتو الديكارتي يقول، في جوهره، إن الشك نفسه يفترض ذاتًا تشك، ومن ثم فإن التفكير يصبح دليلًا على الوجود. أما چلوب فيذهب أبعد من ذلك حين يجعل «الضمير» ليس مجرد نتيجة معرفية للتفكير، بل حقيقة وجودية سابقة على كثير من التقسيمات التي نقيمها بين الذات والعالم.
من منظور فلسفة العبور، تكمن أهمية هذا التصور في أنه يكشف عن أن الإنسان ليس شيئًا محايدًا داخل العالم، بل هو موضع عبور تتقاطع فيه الذات والعالم واللغة والزمن والجسد. غير أن فلسفة العبور تتحفظ على نقل «الضمير» من كونه موضعًا للعبور إلى كونه واجب الوجود نفسه. فهنا يحدث نوع من إعادة بناء المركز الذي جرى تفكيكه في أماكن أخرى من الكتاب. فالقول إن الضمير هو الحقيقة التي يستحيل تصور انعدامها يؤدي إلى تأسيس مركز أنطولوجي جديد، بينما فلسفة العبور تتساءل: ماذا لو كان الضمير نفسه صيرورة؟ ماذا لو لم يكن «الأنا» جوهرًا محضًا، وإنما حدثًا يتشكل باستمرار عبر اللغة والجسد والذاكرة والآخر والعالم؟
بهذا المعنى يمكن الانتقال من: أنا أفكر → إذن أنا موجود إلى: أنا أتحول → إذن أنا في الوجود، ثم إلى صيغة أكثر جذرية: أنا أعبر → إذن أنا لا أوجد خارج التحول والعلاقة. فالإنسان، وفق فلسفة العبور، لا يحتاج إلى جوهر ثابت لكي يكون موجودًا؛ بل إن وجوده يتحدد من خلال قابليته للتحول. وهنا يصبح الضمير ليس «واجب الوجود»، وإنما أحد أكثر مواضع الوجود كثافةً في اختبار العبور.
ثالثًا: الحركة بوصفها نقطة التقاء بين الكتاب وفلسفة العبور
من أكثر الأفكار قابلية للاستثمار في فلسفة العبور قول چلوب إن الوجود في جوهره حركة فاعلة، وليس كتلة ساكنة أو مادة جامدة. هذه الأطروحة تفتح بابًا مهمًا جدًا، لأنها تنقل التفكير من سؤال «ما الموجود؟» إلى سؤال «كيف يحدث الموجود؟».
وهذا التحول هو أحد الشروط الأولى لتأسيس فلسفة العبور؛ لكن فلسفة العبور تضيف إلى مفهوم الحركة مفهومًا أكثر تحديدًا هو الحد. فليست كل حركة عبورًا. الحركة يمكن أن تكون استمرارًا داخل المجال نفسه، أما العبور فلا يظهر إلا عندما تصطدم الحركة بحد، أو عندما تعيد الحركة تشكيل الحد نفسه.
ومن هنا يمكن بناء السلسلة المفهومية: (الوجود، الصيرورة، الحركة، الحد، العبور، السيولة، التعدد، العلاقة). وهذه السلسلة تكشف أن الحركة التي يثبتها چلوب تحتاج، لكي تصبح «فلسفة عبور»، إلى سؤال الحدود. فما الذي يفصل الإنسان عن العالم؟ ما الذي يفصل الذات عن الآخر؟ ما الذي يفصل الوجود عن العدم؟ ما الذي يفصل الممكن عن الواقع؟
وإذا كانت هذه الحدود من إنتاج اللغة، كما يرى چلوب في عدد من المواضع، فهل يعني ذلك أن العبور لا يكون إلا عبورًا لغويًا؟ أم أن اللغة نفسها ليست سوى أحد مستويات الحدود، بينما توجد حدود جسدية وزمنية وتاريخية وسياسية وأخلاقية واجتماعية؟ هنا تتوسع فلسفة العبور عن أنطولوجيا اللغة إلى أنطولوجيا الحدود.
رابعًا: العدم بوصفه حدًا لغويًا أم أفقًا للعبور؟
يقدم الكتاب نقدًا جذريًا لمفهوم العدم، إذ يرى أن العدم ليس موجودًا قائمًا في الواقع، وإنما هو نتيجة لغوية لعملية النفي، ومن ثم فإن الحديث عن «العدم» قد يكون في جزء منه نتيجة الطريقة التي تعمل بها اللغة.
هذه الفكرة ذات أهمية كبيرة بالنسبة لفلسفة العبور، لكنها تحتاج إلى إعادة تأويل.فبدل أن تسأل فلسفة العبور: هل العدم موجود أم غير موجود؟ يمكنها أن تسأل: ما الذي يحدث للوجود عندما يبلغ حدًا لا يستطيع أن يحوله إلى موجود حاضر؟ وهنا يصبح العدم ليس «شيئًا» يقابل الوجود، بل حدًا مفهوميًا يكشف عن محدودية قدرتنا على القبض على الوجود.
بهذا المعنى، فإن الوجود والعدم لا يعودان طرفين في ثنائية ميتافيزيقية، بل يصبحان علامتين داخل حركة التفكير نفسه. وهنا يمكن لفلسفة العبور أن تستثمر نقد چلوب للعدم، ولكنها لا تنتهي إلى إلغاء العدم، بل تعيد تعريف وظيفته: العدم ليس موجودًا يقف مقابل الوجود، وإنما هو اسم للحد الذي يظهر عنده عجز اللغة أو الفكر عن تحويل الغياب إلى حضور.
وهكذا يصبح العدم نفسه جزءًا من فلسفة الحدود.
خامسًا: اللغة من أداة وصف العالم إلى فضاء عبوره
الكتاب يضع اللغة في مركز أنطولوجي مهم، ويذهب إلى أن الوجود واللغة مرتبطان من الجذور، وأن اللغة لا تكتفي بوصف العالم، وإنما تشارك في إنتاج الطريقة التي يظهر بها. وهذه الفكرة تفتح إمكانية مهمة جدًا لفلسفة العبور. لكن فلسفة العبور لا تكتفي بالقول إن اللغة تصنع العالم، لأن هذا القول يمكن أن يعيد إنتاج مركزية اللغة نفسها.
الأهم هو النظر إلى اللغة باعتبارها فضاء عبور. فاللغة تعبر من التجربة إلى المفهوم، ومن الإحساس إلى المعنى، ومن الفرد إلى الجماعة، ومن الماضي إلى الحاضر، ومن الممكن إلى المتحقق.
وفي الوقت نفسه فإن كل لغة تضع حدودًا لما يمكن قوله، أي أنها تفتح إمكانات وتغلق أخرى. ومن هنا تصبح اللغة ذات طبيعة مزدوجة: "هي حدٌّ ووسيلة عبور في آن واحد". وهذه الثنائية أكثر إنتاجية من القول إن اللغة هي الوجود ببساطة. فاللغة لا تستنفد الوجود؛ لأن الوجود أوسع من كل صياغة لغوية، لكنها تمنح الوجود إمكانية الظهور والتداول والتأويل. ولهذا فإن فلسفة العبور تقترح الانتقال من: "اللغة بوصفها وجودًا" إلى:"اللغة بوصفها حدًا عابرًا بين الوجود ومعناه."
سادسًا: الله والضمير وإشكالية «المطلق»
من أكثر مناطق الكتاب جرأة إعادة التفكير في مفهوم الله، ولا سيما في نقد صورة الإله الشخصي المنفصل عن الوجود والضمير، وفي محاولة بناء تصور يرى الله بوصفه الوجود الكلي الواحد أو المرآة التي يلتقي فيها الضمير مع الوجود.
ومن منظور فلسفة العبور، تكمن أهمية هذا التصور في محاولته تجاوز الثنائية بين المطلق والمحدود، وبين الله والعالم، وبين الإنسان والمطلق. غير أن فلسفة العبور ستطرح هنا سؤالًا حاسمًا: هل يمكن عبور الثنائية بين المحدود والمطلق بإقامة وحدة جديدة بينهما؟
فالعبور لا يعني بالضرورة الوصول إلى وحدة نهائية، لأن الوصول النهائي قد يكون شكلًا آخر من أشكال إغلاق الحركة. لذلك فإن مفهوم «المطلق» في فلسفة العبور يحتاج إلى إعادة بناء؛ فالمطلق لا ينبغي أن يكون مجرد نقطة تنتهي إليها الحركة، بل يمكن فهمه بوصفه أفقًا لا ينغلق.
وهنا يلتقي هذا التصور مع مفهوم «الإنسان المفتوح»: الإنسان لا يمتلك المطلق، ولا يتحول إلى المطلق، وإنما يعيش علاقة مفتوحة معه. ومن ثم فإن الصيغة: الإله = الضمير = الوجود تحتاج، من منظور العبور، إلى صيغة أكثر سيولة: ( الضمير ↔ العالم ↔ الآخر ↔ الوجود ↔ المطلق)، أي أن العلاقة تصبح أهم من المطابقة. وهذا فرق فلسفي عميق بين أنطولوجيا الهوية وأنطولوجيا العلاقة.
سابعًا: الحرية بوصفها قدرة على العبور
تكتسب الحرية في الكتاب موقعًا مركزيًا، لأنها مرتبطة بالضمير والإرادة، ويبدو أن الكاتب يرفض اختزال الإنسان في شبكة حتميات سببية مغلقة. ومن منظور فلسفة العبور، يمكن تطوير هذه الفكرة باتجاه أكثر تركيبًا.فالحرية ليست مجرد أن يكون الإنسان قادرًا على الاختيار بين بدائل، وإنما هي قابلية العبور من حالة وجودية إلى أخرى. وهنا تصبح الحرية: "قابلية للتحول". فالإنسان الحر ليس فقط من يستطيع أن يقول «نعم» أو «لا»، وإنما من يستطيع أن يعيد تشكيل موقعه داخل الحدود التي تحدد وجوده.
الأسرة، المجتمع، التاريخ، اللغة، السلطة، الجسد، الذاكرة، الهوية؛ كلها حدود، لكن الحدود ليست سجونًا نهائية. إنها مجالات يمكن إعادة التفاوض معها. ومن هنا يمكن تحويل مفهوم الحرية من:" حرية الإرادة" إلى:"حرية العبور." وهذه الحرية لا تعني التحرر من كل حد، لأن ذلك مستحيل، وإنما تعني امتلاك القدرة على تحويل العلاقة مع الحد.
ثامنًا: الأخلاق بين «صفاء الضمير» و«أخلاق العبور»
يربط چلوب الأخلاق بالضمير في صفائه المطلق، ويرى أن الشر يرتبط بانحراف الإنسان عن الحق والعدل لصالح مقتضيات البقاء والمصلحة.
لكن فلسفة العبور تتحفظ على تصور الأخلاق بوصفها عودة إلى جوهر داخلي صافٍ.
ذلك أن الضمير نفسه يتشكل تاريخيًا ولغويًا واجتماعيًا، كما أن ما يعتبره الإنسان «خيرًا» أو «عدلًا» لا ينفصل عن علاقته بالآخر وبالبنى الاجتماعية التي يعيش داخلها.
لذلك فإن الأخلاق العابرة لا تبحث عن ضمير نقي في مقابل عالم ملوث، وإنما تبحث عن إمكانية بناء العلاقة الأخلاقية داخل عالم متغير. وهنا يظهر مفهوم مهم يمكن استثماره: "الاعتراف العابر" أي أن الأخلاق تبدأ عندما يعبر الإنسان من مركزية الذات إلى الاعتراف بالآخر، دون أن يلغي ذاته أو يذوب فيه.
فالآخر ليس عائقًا أمام الضمير، بل هو أحد الشروط التي تجعل الضمير أخلاقيًا. وبذلك تنتقل الأخلاق من: (الضمير، الواجب) إلى: (الضمير، الآخر، العلاقة، المسؤولية).
تاسعًا: الجمال والحب بوصفهما فعلَي عبور
في تصور چلوب للجمال والفن والحب تظهر واحدة من أكثر إمكانات الكتاب قربًا من فلسفة العبور.
فالجمال لا يعود مجرد صفة في الشيء الجميل، وإنما يصبح لحظة يتجاوز فيها الإنسان المعنى المباشر نحو معنى أوسع، بينما يتحول الفن إلى محاولة لفتح المعنى على ما يتجاوز التحديد النهائي.
وهذا بالضبط تقريبًا ما تسميه فلسفة العبور التجربة العابرة. فالفن لا يعبر فقط من الواقع إلى الخيال، وإنما يعبر من الواقع القائم إلى الممكن. والشعر، بصورة خاصة، لا يصف العالم فحسب، بل يغير علاقته باللغة، ويجعل اللغة نفسها تعبر حدود استعمالها المألوف.
ومن هنا يمكن بناء مفهوم: (الجمال العابر)، بوصفه تجربة جمالية يحدث فيها تجاوز مؤقت للحدود المعتادة بين الذات والموضوع، والحسي والمتخيل، والمعلوم والمجهول، والحاضر والممكن.
أما الحب، فإن القراءة العابرة ستخرجه أيضًا من الثنائية التقليدية بين الغريزة والعاطفة، لتراه بوصفه إعادة تشكيل للحد الفاصل بين الأنا والآخر. الحب، بهذا المعنى، ليس إلغاءً للحدود، وإنما إعادة تنظيم لها؛ لأن العلاقة التي تلغي الاختلاف تمامًا تتحول إلى امتلاك، بينما العلاقة التي تحفظ الاختلاف وتسمح بالتقاطع تصبح علاقة عبور.
عاشرًا: أين يتوقف الكتاب؟ وأين تبدأ فلسفة العبور؟
تظهر القيمة الحقيقية للكتاب، من هذه الزاوية، في أنه يقوم بحركة فلسفية مزدوجة: يفكك الحدود التي أقامتها الميتافيزيقا التقليدية، لكنه يبحث في الوقت نفسه عن نقطة يقين تتجاوز هذه الحدود.
وهنا تحديدًا يقع الفرق بين المشروعين، يمكن تلخيص مسار الكتاب كما تقدمه الدراسة في الصيغة: (الكوجيتو، الضمير، الوجود، الحركة، تجاوز الثنائيات، الوحدة).
أما فلسفة العبور فتقترح مسارًا آخر: (الوجود، الصيرورة، الحركة، الحد، العبور، السيولة، التعدد، العلاقة، الإنسان المفتوح). ومن ثم فان الفرق بين المسارين بالغ الأهمية. في المسار الأول، يبدو أن الحركة تقود في النهاية إلى وحدة أنطولوجية.
أما في المسار الثاني، فالحركة لا تحتاج إلى نهاية نهائية؛ لأنها هي نفسها بنية الوجود. وهذا يعني أن فلسفة العبور لا تسأل فقط: كيف نتجاوز الثنائيات؟ بل تضيف: ماذا يحدث بعد تجاوزها؟
فقد يكون تجاوز ثنائية الوجود والعدم مجرد بداية، لا خاتمة؛ لأننا إذا تخلصنا من ثنائية الوجود والعدم ثم أقَمْنا وحدة نهائية للوجود، فإننا نكون قد انتقلنا من ثنائية إلى مركز، لا من الثبات إلى السيولة.
ومن هنا تأتي الملاحظة النقدية الأكثر أهمية في قراءة الكتاب: إن الخطر الفلسفي لا يكمن فقط في الثنائيات، وإنما في كل مركز يدّعي امتلاك النهاية.
خاتمة:
تكشف هذه القراءة أن كتاب «الوعي والعدم» يمكن أن يمثل مادة فلسفية خصبة جدًا داخل مشروع فلسفة العبور، لا لأنه يقدم فلسفة عبور مكتملة، وإنما لأنه يقترب من عدد من شروطها الأساسية: نقد الثنائيات، نقد الجمود الأنطولوجي، إعادة الاعتبار للحركة، مساءلة العلاقة بين اللغة والوجود، إعادة التفكير في الوعي والحرية والجمال، ومحاولة تجاوز الفصل التقليدي بين الذات والعالم.
لكن أهم ما تكشفه القراءة العابرة هو أن الكتاب يقف أمام مفارقة تأسيسية: كلما نجح في تحرير الوجود من ثنائية أو انقسام، اتجه إلى البحث عن وحدة نهائية تؤسس هذا التحرير. وهنا تستأنف فلسفة العبور السؤال من حيث يتوقف الكتاب.
فالعبور لا يبحث عن جوهر يقف وراء التحول، ولا عن وحدة تلغي التعدد، ولا عن مطلق ينهي الحركة، وإنما يرى أن التحول سابق على كل صورة من صور الاستقرار، وأن السيولة ليست حالة عرضية للوجود، بل شرط إمكانه، وأن الهوية ليست شيئًا يظل مطابقًا لذاته رغم التغير، بل علاقة تتشكل من خلال التغير ذاته.
ومن ثم فإن «الضمير» يمكن أن يُعاد تأويله، لا بوصفه «واجب الوجود»، وإنما بوصفه موضعًا تتكثف فيه حركة الوجود وتصبح واعية بعبورها؛ واللغة لا تكون الوجود ذاته، وإنما تصبح الحد الذي يعبر من خلاله الوجود إلى المعنى؛ والعدم لا يكون نقيض الوجود، وإنما اسمًا لحدود القبض عليه؛ والحرية لا تكون مجرد استقلال للإرادة، وإنما قدرة على إعادة تشكيل العلاقة بالحدود؛ والأخلاق لا تكون مجرد صوت داخلي صافٍ، وإنما مسؤولية تنشأ عند لقاء الذات بالآخر؛ والجمال لا يكون مجرد انفعال، وإنما تجربة تعبر بالإنسان من الواقع إلى الممكن.
وعند هذه النقطة يمكن أن نعيد صياغة العلاقة بين الكتاب وفلسفة العبور في عبارة واحدة:
منذر چلوب يحاول تحرير الوجود من سجن الثنائيات وإعادته إلى وحدة الحركة؛ أما فلسفة العبور فتريد أن تذهب خطوة أبعد، فتحرر الحركة نفسها من ضرورة الوصول إلى وحدة نهائية، وتجعل الوجود صيرورةً، والحركة عبورًا، والحد إمكانًا، والإنسان مشروعًا مفتوحًا.
وبهذا المعنى لا يكون «الوعي والعدم» مجرد كتاب يمكن الاستفادة منه في مشروع فلسفة العبور، بل يمكن أن يتحول إلى مختبر نقدي مهم لاختبار إحدى المسائل المركزية في المشروع: هل يمكن تأسيس أنطولوجيا للحركة من دون تحويل الحركة إلى جوهر جديد، وهل يمكن تجاوز الميتافيزيقا من دون إنتاج مركز ميتافيزيقي جديد؟
وهذا السؤال تحديدًا يستحق أن يُبنى عليه مبحث مستقل في أنطولوجيا العبور، لأن الكتاب يتيح اختبار الانتقال من «الوجود بوصفه وحدة» إلى «الوجود بوصفه صيرورة»، ومن «الضمير بوصفه جوهرًا» إلى «الضمير بوصفه علاقة»، ومن «تجاوز الثنائية» إلى «إبقاء الحدود مفتوحة»؛ وهي انتقالات تمثل، في تقديري، إحدى أكثر المناطق خصوبة في الحوار بين مشروع منذر چلوب ومشروع فلسفة العبور.
***
د. عامر عبد زيد الوائلي








