قراءات نقدية

سعد الدغمان: متى نلتقي.. ساجدة الموسوي تكتب بوجع السؤال وجماليات البساطة

ربما تختلف هذه القصيدة في مضمونها عن الكثير من شعر ساجدة الموسوي؛ فهي تُعدُّ من قصائد "الشوق والحنين"، ودائماً ما يكون هذا النوع من الشعر قريباً جداً من المتلقي لما يمتاز به من عاطفة جياشة؛ لذا أرى أن ساجدة الموسوي قد ضربت على الوتر الحساس لدى المتلقي؛ فمَن اليوم لا يعيش الاغتراب بصوره المحسوسة والملموسة؟ ومَن لا يعاني غربةً عن وطنه وناسه؟ وأيُّ منا لا يحلم بجمعٍ يضم أهله وإخوته وأبناءه؟

ساجدة الموسوي غازلت مشاعر الجميع، وألقت بالحقيقة بين أحضانهم، فأحزنتهم وأفرحتهم في آنٍ واحد، بتوظيفها لغة استفهامية ذات دلالة عالية تعبر عن خلجات النفس، وقد تطفئ شيئاً من نار الشوق الذي بات حالة عامة نعيش تفاصيلها في حياتنا اليومية. وعبر أبياتها هذه، نسجت الموسوي خيوط الحنين بين تباعد المسافات والذاكرة الموجوعة.

ببساطتها المعهودة في شعرها الذي أصفه -إن جاز لي- بـ (النقي)؛ ينساب النص الذي تكتبه الموسوي كالماء في عذوبته وسلاسته، وتوظيفها لمفردات رائعة وجوهرية من ناحية الفهم والاستيعاب، لا شائبة فيها، ولا تُثقل كاهل القارئ، ولا يجد صعوبة في إدراك أو تخيل الصورة الشعرية التي توظفها ساجدة بدقة موسيقاها الرائعة المعبرة عن المضمون. وفق ذلك، تطرح ساجدة الموسوي وجع السؤال وجماليات البساطة في نصها الجديد "متى نلتقي".

كيف حالُك ِ والثّلجُ حولك طَودٌ

وبردُ الشّمال ثقيل؟

كيف حال الصّغار؟

وهل هجروا لغة الضّادِ واستعجموا؟

بدأت ساجدة الموسوي قصيدتها "متى نلتقي" بجملة تساؤلات: (كيف حالُكِ؟ كيف حال الصغار؟ هل هجروا...؟)، وهو استهلال وجداني حاولت من خلاله استحضار معنى السؤال باللاشعور؛ أسئلةٌ وظفتها الموسوي لا بقصد تحري الجواب، بل على العكس؛ أوردتها لاستنطاق القادم، وتفريغ شحنات العاطفة الجياشة المكبوتة في الصدور. وهي حركة انفعالية وظفتها ساجدة الموسوي بذكاءٍ عالٍ ناتجٍ عن خبرة عميقة في مخاطبة القارئ؛ فساجدة شاعرة مرموقة المكانة، تحافظ بدقة على فلسفة التخاطب في شعرها، وتدرك إحساس القراء كما لو أنها تشعر بأنفسهم، وهذا رصيد تراكمي يُحسب لها؛ فالقمة لا ينالها إلا المثابرون أمثالها، والمكانة التي تسجلها في عالم الشعر تستحق مثل تلك التوصيفات.

في "متى نلتقي"، كسرت ساجدة عبر البساطة التي جاءت بها في العنوان الحاجزَ بين الذات الشعرية والمتلقي؛ فقد استخدمت (المفردة اليومية المعتادة) مما جعلها حميمية قريبة من الجميع، إلا أن المزيّة في تلك "اليومية" أنها مشحونة بعاطفة صادقة تنم عن صدق الإحساس والتعبير عما يجيش في النفس من خلجات؛ لذا أقول إنها كانت موفقة تماماً في اختيار هذا العنوان.

أم أراه سؤالاً عصيَّ القيود

كطبع الزّمان اللّدود ..؟

أجوبُ الخرائط أبحثُ عن قطعٍ

من فؤادي

تبعثرنَ من يومِ (بوش)…

بساطةُ الفكرة والطرح، وتوظيف المفردات القريبة من نفس القارئ وذهنه، وعدم تضمين النص صعوباتٍ تتعلق باللفظ أو النطق أو حتى التصور؛ كلها عوامل كانت كفيلةً بخلق جوٍّ من التواصل الذهني ما بين النص والقارئ. وهذه نقطةٌ غاية في الأهمية في التناول الأدبي لأي موضوع، شعراً كان أم قصصاً؛ أن يكون النتاجُ قريباً من القارئ، بل ومحبباً لديه، وأبرز ما يحقق ذلك هو مخاطبة المتلقي وجدانياً.

ابتعدت ساجدة الموسوي عن كل ما من شأنه أن يحيط القصيدة بالغموض، فجاءت بمفرداتها من الواقع اليومي المعاش، لتطرح صورةً مألوفة يعرفها القارئ وعاش معاناتها؛ وهنا تكمن الحبكة، في أن يعيش القارئ ذروة الحدث في النص وكأنه جزءٌ منه. ثم تناولت الموسوي -بقصد التأكيد على المأساة التي يعيشها طيفٌ واسع من الشعب- دالةَ التحديد الزمني للحدث، لكي لا يتشتت المتلقي أو تأخذه التصورات لغير ما قصدت الشاعرة؛ فأتت بتحديد الوصف الزمني للحدث بدقة متناهية: "تبعثرنَ من يومِ بوش". وهنا نرى أن اختلافاً ورد في التكوين الشكلي للنص، أضفى عليه واقعية ذلك الحدث المتسبب في (التبعثر) منذ وقوعه، والذي غدا شاهداً تاريخياً على ما جرى.

أبدعت ساجدة الموسوي حين حوّلت النص الشعري إلى دراما، استنطقت من خلالها الكلمات لتخلق رؤية درامية هائلة؛ ولو سُئلت عنها لقلتُ إنها "وثيقة سياسية تاريخية" جسدت فيها الواقعَ المعاش والحدث المألوف في تلك الفترة، واصفةً ما جرى ومسجلةً حكمها للتاريخ عبر تلك المكالمة التي دارت بين الأم وابنتها (يوم بوش، الغربة).

كيف حال الأميرةِ بنتي؟

أنائمةٌ أنتِ أم صاحية؟

تقول : مساؤك نورٌ حبيبتي ماما

يحاصرني البردُ..

والثّلجُ حول النّوافذ يعلو..

استطاعت ساجدة الموسوي أن تحافظ على وحدة الموضوع، وابتعدت عن التشتيت (وهذا وصفٌ للنص وليس لنهج ساجدة الموسوي الشعري؛ فنحن مهما كتبنا لا نصدر أحكاماً على الكبار، وساجدة منهم بلا شك، وإنما نخوض في ثنايا النص لنبرز وجهة نظرنا لا الحُكم)، وفي ذلك نرى أنها ابتعدت عن التكلف فيما أوردت من مفردات -كما ذكرنا سابقاً- وساجدة كما نعرفها لا تكتب بعيداً عن جوهر المعنى الذي تقصده؛ فهي شاعرةٌ من القمة، والقمة لا تليق إلا بـ "نخلة العراق".

هل لديكِ طعام؟

أجابت : تعشّيتُ قبل قليل ٍ فلا تقلقي..

هل تخافين جوعي؟

قلت : لا .. ثمّ سالت دموعي..

هي الأمُّ أمٌّ على كلّ حال..

"استفهام ومعاناة".. مشاعرُ يطغى عليها "الخوف" من المجهول دائماً، كطابعٍ أساسي تُبنى عليه فلسفة التلقي؛ فالقارئ والشاعر كلاهما سواء في المشاعر الإنسانية التي يمتلكانها، إلا أن نسبة التفاوت في المدى تلك مسألةٌ حسابية لا علاقة لنا بها. لكن أن تنقل الشاعرةُ صورة المعاناة بتلك الصورة الناطقة المعبرة عما يجول في نفوس الجميع؛ فتلك درجةٌ عالية من الشفافية في الإحساس والتصور، ودقةِ التطبيق واحترافيةِ العمل، وهذه خصائص لا نبالغ حين نقول إن قلائل من الشعراء اليوم من يمتلكونها، تتقدمهم ساجدة الموسوي التي تمنح النص روحَها وإحساسَها ومشاعرَها الصادقة، لتعبر من خلالها عن الحدث بشعريةٍ راقيةٍ متزنةٍ، مصحوبةٍ بفنيةٍ دراميةٍ تُجسد المجريات وكأن المتلقي يراها حقيقةً ماثلةً أمامه.

هذه الدقة في الأداء الشعري تأتي بها الموسوي مقرونةً بترتيبٍ يتوافق مع موسيقى النص؛ لتُخرج نصاً شعرياً جمالياً هادفاً، لا يخلو من مقاصد تؤرخ للحدث وتسجل مآلاته للتاريخ

متى نلتقي

أم أراهُ سؤالاً عصيَّ القيود

كطبع الزّمان اللّدود؟

ثمَّ دار بي الرّقمُ أبحثُ عن إخوتي

في البلاد ِ الغريبة ِ

طال الفراقُ وقلبي عليهم..

ربما يذهب بعض القراء إلى تسجيل ملحوظة "التكرار" على نص "متى نلتقي"، وهنا لا بد من التوضيح أن "التكرار الإيقاعي" لا يُعدُّ تكراراً بالمفهوم الدارج الذي يعيب النص أو يُؤخذ على الشاعر. نحن نقرأ لساجدة الموسوي، ومن المؤكد أنها تعي الحسابات التي تُدار بها خيوط اللعبة الشعرية، وبكل تأكيد لا يغيب عن نصها مثل هذه المآخذ؛ فـ "التكرار الإيقاعي" الذي جاءت به ساجدة وطرزت به نصها، أرادت منه تمثيل "اللازمة الشعرية" التي تُكمل وحدة الموضوع، حتى وإن اختلفت الصورة في النص أو تغير مجرى الحدث. وهنا لا بد من رابط يعيد الصورة الأصلية لذهن القارئ بعيداً عن التشويش أو التشتت، وهذه الرابطة هي "اللازمة الشعرية" التي لا تكتمل صورتها إلا بـ "التكرار الإيقاعي"؛ ولأنه يمثل صلب الموضوع، فلا غنى عن تكراره ليكون جسراً يرسخ المعنى في ذهن القارئ دون عناء.

أما "الحوارية" الواضحة والطاغية على النص، فقد أرادت منها ساجدة الموسوي كسر الرتابة التي قد يستشعرها القراء، وهي حركة ذكية جداً حوّلت القصيدة إلى ما يشبه "المشهد السينمائي"، وهو ما يصبُّ في تبسيط البناء النصي للقصيدة، ويعمل على تقليص الفجوة مع المتلقين بمختلف مستوياتهم.

يغالبني الشّوقُ حيناً فأبكي

وحين أفتشُ عن ريحِ أخبارهم

كيف هم.. كيف أولادهم

وهل أذبل العمرُ أجفانهم؟

*

متى نلتقي

أم أراهُ سؤالاً عصيَّ القيود

كطبع الزّمان اللّدود؟

.

.

.

متى نلتقي

لقد نجحت ساجدة الموسوي في أن تجعل من قصيدتها تجسيداً لـ "الغربة"، لا كفكرة مجردة فحسب، بل كوجع ملموس في الأطراف حين تناولت مفردة (البرد)، وفي الهوية عبر (لغة الضاد). لقد قدمت ساجدة الموسوي نصاً بسيطاً في تناوله، كبيراً في معانيه وما يتضمنه من فنية في التوظيف والأداء؛ ولا نبالغ حين نقول إنه نصٌ عفوي خلق إحساساً عالياً بالحدث، وجعل من "دموع الأم" لغة عالمية لا تحتاج إلى قاموس لشرحها.

نصٌ تتجلى فيه مشاعر الوجع الذي تخلفه الغربة على الإنسان، "نصٌ درامي وجداني" تمثّلَ في حقيقة معاشة ماثلة للعيان، ممزوجة بحنينٍ لا يخبو؛ إذ تتناثر الأسئلة من خلاله كثلجٍ باردٍ يعجز عن إذابة مشاعر الشوق. يؤكد نص ساجدة الموسوي حقيقة لا تُنكر؛ تظلُّ فيها الأم قلباً نابضاً بالحب رغم المسافات، تبحث عن أبنائها في تفاصيل الحياة والذكريات، وفيها يغدو اللقاء حلماً مؤجلاً يثقل كاهل الزمن ويأبى القيود. إنها قصيدة تصور "الفقد المؤقت"، قصيدة الأمل رغم عتمة ما يحيط بالأجواء.

***

سعد الدغمان

في المثقف اليوم