عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

سهيل الزهاوي: جماليات الاحتفاء وبنية المعنى

مقاربة بنيوية، سيميائية، نفسية في قصيدة "احتفاء" ليحيى السماوي

مقدّمة منهجية: تنطلق هذه القراءة من فرضية أن قصيدة "احتفاء" ليحيى السماوي لا تُقارب بوصفها نصًا مناسباتيًا بالمعنى الضيق، بل بوصفها نظامًا دلاليًا مركّبًا تُعاد داخله صياغة القيم السياسية والأخلاقية والجمعية عبر بنية شعرية كثيفة تقوم على الاستعارة والرمزية - بما تنطوي عليه من انزياحات دلالية، وتكثيف العلامة وبناء ذات جمعية تتقدّم على الذات الفردية.

وتعتمد الدراسة مقاربة مركّبة تجمع بين المنظور البنيوي والسيميائي والنفسي:

- بنيويًا: تُقرأ القصيدة شبكةً من العلاقات الداخلية المتفاعلة، لا مجرد أبيات متجاورة.

- سيميائيًا: تُفهم الصور والرموز بوصفها علامات تحمل دلالات متراكبة تتجاوز ظاهرها المباشر.

- نفسيًا: يُنظر إلى حضور الجماعة وغياب الأنا الفردية على أنه تعبير عن بنية نفسية–جمعية في سياق تاريخي مثقل بالقمع والانكسارات.

تُحلَّل القصيدة في ضوء هذه المقاربة عبر مستويات ثلاثة متداخلة: العتبات النصية، والبنية الاستعارية–الرمزية بما تنطوي عليه من انزياحات دلالية، ثم بناء النموذج الإنساني في تفاعله مع الزمن والتاريخ والجسد.

إحتفاء

" الى الأمرين بالعدالة والناهين عن

الإستغلال في عيدهم الواحد والتسعين: أحفاد فهد، وأخوة سلام عادل وحسن سريع .."

بسطاء كثيابِ أبي ذرّ الغفاري ..

خِفافٌ كحصان عروةَ بن الورد ..

يكرهون الإستغلال كراهة الشجرة للفأس

ويحبون العدالة حبَّ العشبِ للربيع ..

سيماؤهم في أيديهم من أثر البياض ..

وحيثما ساروا :

تنهض المحبةُ من سُباتِها !

عِطرُهم عَرقُ الجباه ...

ومثل تنّورٍ

يمنحُ خبزهُ للجائع مُكتفياً برماده

يقولون من تلقاءِ أنفسِهم : خذوا

ولا ثمة في قاموسِهم كلمة " أعطِني "

لهم من المطرقةِ :  الصّلابة ..

ومن المنجلِ: حِدَّته ..

ومن الحمامةِ هديلُ الدولاب  !

منذ  إحدى وتسعين  دورة شمس

وهم يُعبِّدون بأضلاعهم طريق القافلة

نحو المدينةِ الإنسان !

مُيَمِّمين قلوبهم: نحو اللهِ ..

وعيونهم: نحو الوطن الحرِّ والشعب السعيد ..

منذ إحدى وتسعين  دورةِ شمس

وهم كالأنهار :

لا يلتفتون الى الوراء حين يسيرون !

وكالجبال:

لا  يُزحزحهم عن النورِ  ظلامُ الطواغيتِ

وسياطُ الجلادين !

***

أولًا: العتبات النصيّة وبناء أفق التلقّي

1. العنوان: "احتفاء" بوصفه نواة دلالية

يأتي العنوان بصيغة المصدر النَّكرة "احتفاء"، وهو اختيار دقيق يفتح النص على أفق تأويلي مفتوح. فالمصدر هنا لا يحيل إلى فعل منجز أو ظرف زماني محدَّد، بل إلى حالة مستمرة ومنفتحة؛ ما يجعل الاحتفاء بنيةً معنوية دائمة، لا طقسًا عابرًا.

سيميائيًا، يعمل العنوان بوصفه علامةً كلية تُكثِّف البنية العميقة للنص، وتؤجِّل في الوقت ذاته تحديد موضوع هذا الاحتفاء، بحيث لا يتبلور موضوعه (بمن يُحتفى؟ ولماذا؟ وكيف؟) إلا عبر تراكب الصور والاستعارات في المتن الشعري.

2. الإهداء: من التسمية إلى التأسيس الرمزي

"إلى الآمرين بالعدالة والناهين عن الاستغلال في عيدهم الواحد والتسعين: أحفاد فهد، وإخوة سلام عادل وحسن سريع..."

لا ينهض الإهداء هنا بوظيفة شكلية أو توثيقية فحسب، بل يتخذ موقع العتبة النصية المؤسِّسة. فهو يحدّد منذ البداية الحقل القيمي الذي تتحرّك فيه القصيدة: ثنائية العدالة/الاستغلال. كما أن استحضار أسماء مثل فهد، سلام عادل، حسن سريع، يحوِّل هذه الشخصيات من مجرد إحالات تاريخية إلى علامات سيميائية مكثّفة تختزن ذاكرة نضالية وطبقية ووطنية.

بهذا المعنى، يصبح الإهداء آلية لربط الحاضر بالماضي، وإدراج النص ضمن أفق نضالي ممتد. نفسيًا، يؤسس الإهداء لهيمنة الذات الجمعية (أحفاد، إخوة) على حساب الذات الفردية، في انسجام مع البنية النفسية العامة للقصيدة التي تنشغل ببناء نموذج جمعي للمناضل.

ثانيًا: بناء الصورة الأخلاقية–الوجودية للمناضل

1. بساطة الزاهد وحركة الفارس

"بسطاء كثياب أبي ذر الغفاري

خفاف كحصان عروة بن الورد"

يبدأ الشاعر بتشييد صورة المناضل عبر تشبيهين مرجعيَّين كثيفَي الحمولة الأخلاقية والتاريخية. فالبساطة التي تُنسب إلى "ثياب أبي ذر الغفاري" تستدعي فورًا قيم الزهد، والصدق، والانحياز للفقراء. تتحوّل الثياب من عنصر مادي إلى علامة أخلاقية، فيغدو المظهر مرآةً لجوهر قوامه النزاهة والعدل.

وفي المقابل، يضفي تشبيههم ب"حصان عروة بن الورد" صفة الخفة والحركة والجاهزية الدائمة للفعل. هنا يتكامل البُعدان: الزهد/القيم من جهة، والحركة/الفعل من جهة أخرى، ما يرسّخ نموذجًا إنسانيًا لا ينغلق في مثالية سكونية، بل يبقى في حالة استعداد دائم للممارسة والتغيير.

2. الطبيعة بوصفها حقلًا للصراع القيمي

"يكرهون الاستغلال كراهة الشجرة للفأس

ويحبون العدالة حب العشب للربيع"

تنقل القصيدة هنا القيم من حقل التجريد السياسي إلى حقل الطبيعة. فالعلاقة بين الشجرة والفأس ليست مجرد تقابل بين طرفَين، بل هي علاقة حياة/فناء. الكراهية لا تظهر موقفًا فكريًا تجاه "الاستغلال" بوصفه مفهومًا، بل غريزةَ دفاع عن الوجود نفسه، كما تدافع الشجرة عن ذاتها أمام الفأس.

وفي المقابل، يُطرَح حبّ العدالة على هيئة حبّ العشب للربيع؛ أي أن العدالة تتحول إلى شرط نموّ وازدهار. بهذا الانزياح الدلالي، يغدو الاستغلال تهديدًا للحياة ذاتها، وتتحول العدالة إلى ضرورة كينونية، فتخرج من ضيق القانون والسياسة إلى رحابة الوجود والكون.

ثالثًا: الجسد بوصفه نصًّا دلاليًا

1. اليد بدل الوجه: إعادة توزيع النقاء

"سيماهم في أيديهم من أثر البياض

وحيثما ساروا تنهض المحبة من سباتها"

يقوم الشاعر هنا بتناصٍّ واضح مع التصوير القرآني "سيماهم في وجوههم"، لكنه يعيد صياغته عبر انزياح دلالي لافت، ينقل علامة النقاء من موضع المظهر (الوجه) إلى موضع الفعل (اليد). سيميائيًا، تتحول اليد إلى موضع تُقرأ من خلاله الأخلاق؛ فالبياض هنا نتيجة عمل وكفاح، لا سمة شكلية أو مظهرية.

أما "نهضة المحبة من سباتها" حيثما ساروا، فتعطي للمناضلين طابعًا إحيائيًا: مجرد حضورهم في المجتمع يوقظ القيم المخدَّرة، ويعيد إلى العلاقات الإنسانية دفئها. نفسيًا، تكشف هذه الصورة حاجة الجماعة إلى نموذج يُنعش إيمانها بإمكان التغيير ويُرمِّم الثقة بالقيم.

2. قلب المعايير الجمالية

"عطرهم عرق الجباه"

في هذا البيت، تنقلب معايير الجمال السائدة؛ إذ يتحول العرق – الذي يُقرَن عادةً بالتعب والمشقّة – إلى عطر. الجمال هنا ليس نتاج الزينة والترف، بل ثمرة العمل المنتج، والكدح من أجل الآخرين. هذه الاستعارة تعيد تعريف الجمال بوصفه قيمةً أخلاقية مرتبطة بالعطاء، لا زينة حسّية منعزلة عن الفعل.

رابعًا: الاستعارة المركزية للعطاء والفداء

"ومثل تنورٍ

يمنح خبزه للجائع مكتفيًا برماده

يقولون من تلقاء أنفسهم: خذوا

ولا ثمة في قاموسهم كلمة أعطني"

تبلغ البنية الاستعارية في هذه الأبيات ذروتها. فالتنور هنا ليس أداة طبخ فقط، بل ذات تحترق لتمنح الآخرين خبزهم، وتكتفي بفضلة الاحتراق: الرماد. تتحول الاستعارة إلى فلسفة عميقة للعطاء: الفناء الذاتي شرط لإنقاذ الآخرين وإطعامهم.

ويوازي ذلك البعد اللغوي–الأخلاقي في "يقولون من تلقاء أنفسهم: خذوا" مقابل محو كلمة "أعطني" من قاموسهم. هذا الإلغاء ليس مجرد فعل لغوي، بل تفكيك لبنية الفردية القائمة على الطلب والامتلاك، وبناءُ معجم جمعي جديد قوامه العطاء التلقائي والمبادرة الكريمة.

هنا تتقاطع البنية البلاغية مع البنية النفسية–الأيديولوجية: الذات المناضلة لا تعرّف نفسها بما تأخذه، بل بما تعطيه، ولا ترى في العطاء تفضُّلًا، بل جوهر وجودها ومعناها.

خامسًا: الرموز الأيديولوجية وإعادة شحنها جماليًا

"لهم من المطرقة: الصلابة

ومن المنجل: حدته

ومن الحمامة: هديل الدولاب"

تستدعي القصيدة رموزًا ذات خلفية أيديولوجية واضحة (المطرقة، المنجل، الحمامة)، غير أن الشاعر يتجنّب تحويلها إلى شعارات مباشرة، ويعيد إدماجها في نسيج شعري حيّ:

- المطرقة: تتحوّل إلى علامة الصلابة والقوة في مواجهة الظلم.

- المنجل: يُستثمر بوصفه أداة إنتاج وحسم معًا، دالًّا على القدرة على القطع مع الاستغلال.

- الحمامة: رمز السلام، لكن ربطها ب"هديل الدولاب" يدمج السِّلم بالحركة والعمل اليومي؛ السلام هنا ليس سكونًا، بل نتاج حركة إنتاجية واجتماعية مستمرة.

سيميائيًا، توفّق هذه الأبيات بين الدلالة الأيديولوجية والتشكيل الجمالي، فتُنشئ نظامًا رمزيًا للعمل المنتج، والصمود، والسلام الفعّال.

سادسًا: الزمن والجسد واليوتوبيا الإنسانية

"منذ إحدى وتسعين دورة شمس

وهم يعبدون بأضلاعهم طريق القافلة

نحو المدينة الإنسان"

ينقل الشاعر الزمن من وحدته التقويمية (سنة/عام) إلى صورته الكونية "دورة شمس"، في انزياح يوسّع أفق النضال من لحظة تاريخية إلى حركة كونية مستمرة. هذا التأطير يضفي على التجربة النضالية بعدًا من الثبات والاستمرارية.

في "يعبدون بأضلاعهم طريق القافلة"، يتحول الجسد إلى مادة تاريخية؛ الأضلاع – بما تحمله من هشاشة وحماية في آن – تغدو حجارة تُمهَّد بها الطريق. لا يعود الإنسان شاهدًا على التاريخ، بل عنصرًا بنيويًا في صناعته. وتغدو "القافلة" استعارة للجماعة البشرية السائرة نحو أفق "المدينة الإنسان"، هذه اليوتوبيا التي تمثّل ذروة تطلّع القصيدة إلى مجتمع عدالة وكرامة وحرية.

سابعًا: توازن البعد الروحي والوطني

"ميمّمين قلوبهم نحو الله

وعيونهم نحو الوطن الحر والشعب السعيد"

تكشف هذه الثنائية عن بنية دلالية مركّبة يمكن قراءتها ضمن إطار سيميائي–أنثروبولوجي للجسد، حيث لا يُستدعى الجسد بوصفه حضورًا فيزيائيًا محايدًا، بل بوصفه وسيطًا رمزيًا يُنظّم العلاقة بين القيمة والفعل. فالقلب، في المتخيّل الثقافي، لا يمثّل عضوًا بيولوجيًا فحسب، بل يُشفَّر بوصفه موضع النية والالتزام الأخلاقي، ومن ثمّ فإن توجّهه نحو المطلق/القدسي (الله) يحيل إلى تموضع قيمي داخلي يستبطن معيار الفعل قبل تحقّقه.

في المقابل، تؤدّي العين وظيفة سيميائية مغايرة، إذ ترتبط في الأنثروبولوجيا الرمزية بمجال الرؤية والمراقبة والتوجّه نحو العالم. وتشخيصها نحو "الوطن الحر والشعب السعيد "  يعبّر عن مجرّد رغبة أو تطلّع، بل عن إدراج الجسد في أفق الفعل التاريخي، حيث يصبح الواقع الاجتماعي مجال اختبار القيم لا نقيضها. وبهذا، يتشكّل توزيع دلالي للجسد يمنع الانقسام بين الداخل والخارج، ويؤسّس علاقة تكاملية بين البعد الروحي والبعد الوطني.

إن هذا التنظيم السيميائي لأعضاء الجسد يحوّل الإيمان من حالة وجدانية معزولة إلى بنية حركية موجِّهة للفعل، ويجعل الانحياز للوطن والشعب امتدادًا منطقيًا للتوجّه القيمي لا خروجًا عليه. فالجسد هنا لا ينقل المعنى فحسب، بل ينتجه، عبر ربط صفاء النية بمسؤولية الرؤية، والمطلق القيمي بأفق التحقّق التاريخي.

وعلى هذا الأساس، تؤسّس القصيدة نموذجًا أنثروبولوجيًا للمناضل بوصفه ذاتًا موحّدة، تتجسّد فيها القيم عبر الجسد ذاته، لا عبر خطاب مجرّد. فلا يعود الوطن حيّزًا جغرافيًا محايدًا، بل فضاءً أخلاقيًا تُعاد فيه صياغة العلاقة بين المقدّس واليومي، بحيث يغدو الفعل التاريخي شكلًا من أشكال تجسيد القيمة العليا، لا انفصالًا عنها.

ثامنًا: الاستمرارية والثبات في مواجهة القمع

"منذ إحدى وتسعين دورة شمس

وهم كالأنهار:

لا يلتفتون إلى الوراء حين يسيرون!

وكالجبال:

لا يزحزحهم عن النور ظلام الطواغيت

وسياط الجلادين!"

تُستكمل حركة الزمن (دورات الشمس) بصورتين كونيّتين:

- الأنهار: رمز الحركة المستمرة في اتجاه واحد نحو المصب، بلا التفات إلى الوراء. إنهم مناضلون لا يستغرقون في الحسرة على الماضي، بل يتجهون إلى المستقبل بإصرار.

- الجبال: رمز الثبات والرسوخ، لا تُزحزحها العواصف ولا الظلمات. "ظلام الطواغيت" و"سياط الجلادين" هنا لا تملك القدرة على اقتلاع هذا الثبات، فيتكرّس نموذج مناضل يجمع بين حركة النهر وثبات الجبل.

في هذا المقطع الختامي، يتجسد البعد السياسي–النفسي في أصفى صوره: التاريخ المثقل بالقمع لا يُفضي إلى الانكسار، بل إلى مزيد من الترسّخ في خيار العدالة والنضال.

تاسعًا: البعد البنيوي–السيميائي–النفسي العام

على المستوى البنيوي، تنتظم القصيدة في مسار تصاعدي يبدأ ببناء الصورة الأخلاقية للمناضل (البساطة، الزهد، الحركة)، ثم ينتقل إلى تجسيد قيمه عبر الطبيعة والجسد (الشجرة/الفأس، العشب/الربيع، اليد/البياض، عرق الجباه)، ثم يتوسّع إلى فضاء الرموز الأيديولوجية المعاد تشكيلها (المطرقة، المنجل، الحمامة)، لينتهي إلى تأطير تاريخي–كوني (دورات الشمس، الأنهار، الجبال) يمنح هذا النضال معنى الاستمرارية والثبات.

سيميائيًا، تتحوّل الطبيعة والجسد والأدوات إلى شبكة علامات متفاعلة:

- الطبيعة (الشجرة، العشب، الربيع، الأنهار، الجبال) حقل صراع بين الحياة والفناء، العدالة والاستغلال.

- الجسد (الأيدي، الجباه، الأضلاع، القلوب، العيون) نصّ دلالي تُكتب عليه تجربة النضال وتُقرأ.

- الأدوات والرموز (التنور، المطرقة، المنجل، الحمامة، الدولاب) تعيد تعريف العمل والعطاء والسلام في أفق إنساني جمعي.

«نفسيًا، يلفت غياب "الأنا" الفردية لصالح "هم" و"أحفاد" و"إخوة"؛ ما يشي بتشكّل ذاتٍ جمعية تُقدَّم بوصفها حاملًا للتجربة التاريخية والقيمية. هذا البناء النفسي–اللغوي يمكن قراءته بوصفه استجابة رمزية لسياق من القمع والانكسارات، حيث تسعى القصيدة إلى ترميم المعنى عبر إعادة تشكيل صورة المناضل في أفق مثالي–تحفيزي، لا هروبي، يستشرف إمكانية استمرار الفعل وجدواه. ولا يتأسّس هذا النموذج الجمعي على خطاب أيديولوجي أو ديني مباشر، بل على منظومة قيمية تتجسّد في الزهد، والعطاء، والتضحية، والعمل المنتج؛ فالنقاء يُقاس بالفعل لا بالانتماء، والجمال يُعاد تعريفه عبر الجهد والمعاناة، بما يمنع الانقسام بين الأخلاق والسياسة، ويجعل الفعل النضالي امتدادًا طبيعيًا لمنظومة قيمية جمعية راسخة.

خاتمة

تكشف هذه المقاربة أن قصيدة "احتفاء" ليحيى السماوي تنهض بوصفها نصًّا شعريًا مركّبًا يعيد إنتاج القيم السياسية والأخلاقية ضمن بنية جمالية–دلالية راسخة. فالاحتفاء في القصيدة ليس ثناءً مناسباتيًا، بل فعل تأويلي يعيد تعريف الإنسان المناضل بوصفه مركز القيمة، حيث:

- تتحوّل العدالة من شعار سياسي إلى ضرورة كونية وشرط للحياة.

- يُعاد تعريف الجمال من خلال عرق الجباه واحتراق التنور وعطاء الجسد.

- تُفكَّك لغة الفردية لصالح معجم جماعي قوامه "خذوا" ونفي "أعطني".

- يتداخل البعد الروحي بالبعد الوطني، فلا انفصال بين التوجّه إلى الله والانحياز للوطن والشعب.

- يُدمَج التاريخ الشخصي والجمعي في حركة كونية (دورات الشمس، الأنهار، الجبال) تمنح النضال بعدًا من الاستمرار والثبات.

وبذلك، تُغدو قصيدة "احتفاء" فضاءً لتجسيد يوتوبيا إنسانية تتقاطع فيها الاستعارة مع السياسة، والجسد مع التاريخ، والرمز مع الوعي الجمعي، في أفق مفتوح على إمكان دائم لتجدّد الحلم وإعادة كتابة المعنى الإنساني بلغة الشعر.

***

سهيل الزهاوي