عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عماد خالد رحمة: بين ريتا وفلسطين

جدلية العاطفة والوطن في قصيدة "رسائل إلى محمود درويش – الرسالة 13" للشاعرة ناديا نواصر

تندرج هذه القصيدة ضمن أفق شعري تفاعلي يستدعي ظلال تجربة الشاعر الفلسطيني محمود درويش، لا بوصفه مرجعاً أسلوبياً فحسب، بل بوصفه بنية رمزية مُؤسِّسة لخطاب شعري يتأرجح بين الذاتي والجمعي، بين الإيروسي والوطني، بين الجسد والأرض. ومن ثمّ، فإن مقاربة هذا النص تقتضي توظيف مقاربات متعددة: أسلوبية، سيميائية، نفسية، وتفكيكية، بما يسمح بالكشف عن بنية التوتر الدلالي التي تحكم النص.

إننا أمام نص لا يقول ذاته بقدر ما ينفتح على احتمالات لا نهائية من المعنى، حيث تتقاطع العلامات، وتتصدّع الثنائيات، ويتحوّل الخطاب إلى حقل تأويلي مفتوح، وفق مفهوم "النص الكاتِب".

أولاً: البنية الأسلوبية واللغوية – لغة الانزياح والتشظي

تتأسس البنية اللغوية في القصيدة على تراكيب انفعالية متوترة، يغلب عليها الطابع الإنشائي، خاصة الاستفهام:

"فكيف أغني صباح بلادي"

"فكيف أصلي لعينيك"

"كيف أقاوم هذا الضباب الكثيف"

هذا التكرار ليس مجرد تكرار بلاغي، بل هو تفجير دلالي للقلق الوجودي، حيث يتحول السؤال إلى بنية حجاجية داخلية تكشف عن عجز الذات عن التوفيق بين قطبين: الحب والوطن.

أما على مستوى المعجم، فنلحظ حقولًا دلالية متقابلة:

حقل الحب/الأنثى: (ريتا، عينيك، الياسمين، الربيع، الهمس…)

حقل الوطن/المأساة: (فلسطين، الجرح، الجياع، الثكالى، الخيام…)

وهذا التقابل المعجمي يُنتج انزياحاً دلالياً يُحوّل اللغة من وظيفتها الإخبارية إلى وظيفة رمزية كثيفة.

ثانياً: البنية الرمزية والسيميائية – ريتا بوصفها علامة

تُستدعى "ريتا" هنا بوصفها علامة سيميائية مركّبة، تتجاوز حضورها العاطفي إلى تمثيل "الآخر"، أو "الذات المؤجلة"، أو حتى "الحياة الممكنة".

"وأكتب شعراً جميلا لريتا"

لكن هذا الجمال يتصدّع أمام حضور فلسطين:

"ولكن فلسطين للقلب أقرب"

هنا تتفكك العلامة، وتدخل في صراع مع علامة أخرى (فلسطين)، لتُنتج ما يمكن تسميته بـالازدواج الرمزي، حيث لا يعود المعنى مستقراً، بل يتأرجح بين قطبين.

الريح، الجرح، الياسمين، الخيام… كلها علامات تُسهم في بناء شبكة دلالية مفتوحة، تتجاوز المباشر إلى الإيحائي.

ثالثاً: الإيقاع والموسيقى – بين التفعيلة والنبض الداخلي

القصيدة تنتمي إلى شعر التفعيلة، لكنها تعتمد أساساً على:

الإيقاع الداخلي (التكرار، التوازي، التضاد)

الموسيقى النفسية الناتجة عن الانفعال

نلاحظ مثلًا:

"ولكن… ولكن… ولكن…"

هذا التكرار يُحدث إيقاعًاً تقابلياً يعكس الصراع الداخلي.

كما أن التوازي التركيبي:

"لصوتك… ولكن صوت الجياع"

"لهمسك… ولكن صراخ الثكالى"

يُنتج إيقاعاً جدلياً، يُجسّد الانقسام النفسي.

رابعاً: البنية النفسية – انشطار الذات بين الإيروس والتضحية

وفق قراءة نفسية، يمكن القول إن القصيدة تُجسّد صراعاً بين الأنيما (الأنثى الداخلية) والوطن بوصفه "الأب الرمزي".

"نحن نقيضان"

هذا الاعتراف يكشف عن انشطار في البنية النفسية، حيث تعجز الذات عن تحقيق التكامل.

الحنين هنا ليس عاطفة، بل هو ألم وجودي:

"يعصر قلبي الحنين إليك، فلسطين أولى"

إنه انتقال من الحب الفردي إلى حب جمعي تضحيّ، حيث تُستبدل الأنثى بالوطن، لا اختياراً، بل قسراً.

خامساً: القراءة التفكيكية – تقويض الثنائيات

من منظور تفكيكي (دريدا)، تنهار الثنائيات التي يقوم عليها النص:

حب / وطن

ريتا / فلسطين

الجمال / الألم

إذ لا تنتصر ثنائية على أخرى، بل تتداخل وتُقوّض بعضها:

"ورائحة الأرض أطيب"

مقابل

"لجسمك رائحة الياسمين"

هنا لا يُلغى أحد القطبين، بل يُعاد تأويله داخل شبكة من الاختلافات.

سادساً: النقد الاحتمالي والنص اللانهائي

وفق مفهوم "النص المفتوح"، يمكن قراءة القصيدة بوصفها:

نصاً عن فلسطين

أو نصاً عن الخيانة العاطفية

أو نصاً عن استحالة الاختيار

أو حتى نصاً عن فشل اللغة في التعبير.

إنها بنية احتمالية لا نهائية، حيث كل قراءة تُنتج نصاً جديداً.

بل يمكن القول إن "ريتا" ليست امرأة، بل استعارة لكل ما هو قابل للفقد، وأن "فلسطين" ليست جغرافيا، بل أفق أخلاقي.

سابعاً: تحليل نماذج دلالية

النموذج الأول:

"تمر الرياح على الجرح تنثر ملحاً وتمضي"

صورة تجمع بين:

١- الطبيعة (الريح)

٢- الألم (الجرح)

٣- القسوة (الملح)

إنها صورة تراجيدية مكثفة، تُجسّد عبثية الألم.

النموذج الثاني:

"ولكن صوت الجياع أهم"

تحوّل من الجمالي إلى الأخلاقي، حيث يُلغى الصوت الفردي لصالح صوت الجماعة.

خاتمة:

تكشف هذه القصيدة عن وعي شعري مأزوم، يتأرجح بين نداء القلب ونداء الأرض، بين الرغبة والتضحية، بين الجمال والواجب. وهي بذلك تُعيد إنتاج الإشكالية الدرويشية في سياق جديد، حيث لا يكون الوطن بديلاً عن الحب، بل مأزقاً وجودياً يبتلع كل إمكانات الفرح.

إنها قصيدة عن استحالة التوفيق، وعن إنسان يُجبر على أن يكون أكثر من ذاته، وأقل من حلمه.

في محصّلة هذه القراءة المتعدّدة المناهج، تتجلّى قصيدة "رسائل إلى محمود درويش – الرسالة 13" للشاعرة الجزائرية ناديا نواصر بوصفها نصّاً شعرياً مأزوماً بالمعنى الوجودي العميق، حيث لا يُختزل الصراع في ثنائية الحب والوطن، بل يتجاوزها إلى محنة الكائن في مواجهة اختيارات لا تقبل التوفيق. إن الذات الشاعرة هنا لا تعيش مجرد انقسام عاطفي، بل تعاني تشظّياً أنطولوجياً يجعل من كل اختيار خسارة مؤجَّلة.

لقد كشفت البنية الأسلوبية عن لغة مشحونة بالانزياح والتوتر، فيما أبانت المقاربة السيميائية عن رموز متنازعة تُنتج دلالات غير مستقرة، في حين عرّت القراءة النفسية عمق الانشطار الداخلي، وفضحت المقاربة التفكيكية هشاشة الثنائيات التي يتكئ عليها النص. أما على مستوى التأويل، فقد بدا النص مفتوحاً على احتمالات لا نهائية، بما يجعله نصاً متجدّداً بتجدّد قرّائه.

وعليه، فإن هذه القصيدة لا تُقرأ بوصفها خطاباً عاطفياً أو وطنياً فحسب، بل بوصفها بنية معرفية وشعورية مركّبة، تُعيد مساءلة مفاهيم الحب، والانتماء، والتضحية، ضمن أفق إنساني يتجاوز المحلي إلى الكوني. إنها قصيدة تُعلن، في عمقها، أن الإنسان قد يُجبر أحياناً على أن يُحبّ ما يُؤلمه، وأن يُضحّي بما يُنقذه، وأن يعيش في منطقة بين-بين، حيث لا خلاص كامل ولا فقدان كامل، بل توتر دائم هو جوهر الوجود ذاته.

***

بقلم: عماد خالد رحمة - برلين

......................

رسائل إلى محمود درويش

الرسالة 13

ناديا نواصر

مصابٌ بضربٍ من الخيبةِ العربية

مصابٌ بجرحي

إلى آخرِ الجرحِ

يا آخرَ الأبجدية

فكيف أُغنّي صباحَ بلادي

وأكتبُ شعرًا جميلًا لريتا

برائحةِ الصندلِ الزكيّة؟

وكيف أُخاتلُ خطوي الجريءَ

إلى النهرِ أُقصُّ

على الريحِ أحلامَنا الضائعةَ؟

تمرُّ الرياحُ على الجرحِ

تنثرُ ملحًا وتمضي...

وتفتحُ بابًا لقهرِ الزمنِ

فكيف أُصلّي لعينيكِ؟

كيف أقاومُ هذا الضبابَ الكثيفَ

وأُقنعُ ريتا بأننا حبيبانِ؟

نحن نقيضانِ،

يجمعُنا الحبُّ، ثم تُفرّقُنا الأمنياتُ

وكيف أكونُ حبيبًا لغيرِ البلادِ؟

فمهما يُحاصرني الشوقُ

يعصرُ قلبي الحنينُ إليكِ—

فلسطينُ أولى

لجسمكِ رائحةُ الياسمينِ،

ورائحةُ الأرضِ أطيبُ

لروحكِ في الروحِ قُربُ الوريدِ،

ولكن فلسطينَ للقلبِ أقربُ

لعينيكِ لونُ الربيعِ،

ولكن عيونَ البلادِ

أحلى وأحلى، وفي الحسنِ أعجبُ

لصوتكِ عزفُ المساءِ،

ولكن صوتَ الجياعِ أهمُّ

لهمسكِ بالليلِ سحرٌ غريبٌ،

ولكن صراخَ الثكالى في الجرحِ أغربُ

لليلكِ عمرُ الأغاني الجميلةِ،

وطعمُكِ فاكهةُ العمرِ،

لكنَّ طعمَ الخواءِ

وجوعَ الصغارِ،

وطعمَ العراءِ لشعبي الأبيِّ،

وطعمَ الليالي ببردِ الخيامِ

في الروحِ أقسى

ومن فرطِ حزني

فروحي إلى الموتِ أقربُ

مصابٌ بهذا النداءِ المقدّسِ

فلا تسأليني إلى أين أمضي

وكيف انتهينا

برغم العناقِ وكوبِ الشرابِ

ورائحةِ الياسمين؟!