عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

حميد بن خيبش: إدريس الشرايبي.. رحالة بين ضفتين

صدرت عام2024 أول ترجمة كورية لرواية "الماضي البسيط"(1954)، في إطار انفتاح أوسع على السرديات العالمية الناطقة بالفرنسية، ولكسر نمط التبادل الأدبي الذي اقتصر لفترة طويلة على الإصدارات الغربية. ويرجع سبب الاختيار، بحسب المترجم جي يونغ تشونغ، إلى صدى النقد اللاذع الذي وجهه الكاتب المغربي إدريس الشرايبي للسلطة الأبوية التي فرضها الاحتلال الفرنسي على مدار عقود داخل المجتمع المغربي. لكنه نقد يمس أيضا منظومة العادات والقيم التي لا تتناسب مع الاحتدام المطلوب، لاسترداد الحرية والكرامة، والهوية المغربية الأصيلة.

شكلت رواية الماضي البسيط بذرة تمرد على حالة الفصام الثقافي التي يعيشها جيل المنعطف، والقلق الزائد من هيمنة الروح الكولونيالية على شعب له جذور وتاريخ. كان الشرايبي مصرا على تعرية الواقع دون هوادة، وتحميل الذات قسطا من المسؤولية التاريخية إزاء ما يُبديه المجتمع من مناورة، واختزال للثوابت في ممارسات عتيقة. يُعلّق في مقابلة أجريت معه سنة 1962 قائلا: "لو كان هناك فقط نظام للحماية والاستعمار، لكان كل شيء بسيطا حينها. لكان ماضيَ، ماضينا، بسيطا. كلا يا سيد سارتر، الجحيم ليس الآخرين، إنه أيضا داخل أنفسنا."

عبر علاقات غير متكافئة بين أفراد أسرة واحدة، يتمرد الشرايبي على قانون الأب وعنفه اليومي، في مقابل خضوع الأم وعجزها المتواطئ. في هذا الجو الخانق يعيش الصغار تمزقات داخلية، وتتغلغل صور العنف لتولّد اضطرابات نفسية، مثل فقدان الشهية وسلس البول الليلي.

يلتحق الشاب إدريس بالمدرسة الثانوية الفرنسية، لينشأ الصراع المتوقع بين ثقافتين ورؤيتين للعالم تتسمان بالنفور وصعوبة الاندماج. من هنا تتولد ردة الفعل النارية التي سيقودها إدريس متحديا جبروت "السيد" كما كان يلقب والده.

بضمير المتكلم يعرض إدريس فردي (بطل الرواية) تجليات صراع داخلي، يكشف الفجوة الهائلة بين مجتمع يدعم الممارسة الدينية الصارمة، حتى وإن كانت منافقة، وبين النقلة الفكرية التي أحدثها التحاقه بالثانوية الفرنسية، حيث دروس الأدب والفلسفة تزوده بأدوات التفكير النقدي، والتوق إلى التحرر من قيود مجتمع إسلامي تقليدي. يفضي الصراع إلى حدوث شرخ عميق داخل الأسرة المحافظة، حين يرفض إدريس عبء التقاليد، والهوية المستكينة لضعفها وترددها، لتصبح رغبته في الاستقلال مرآة لسعي مجتمع برمته نحو الاستقلال والتخلص من ربقة الاستعمار.

ينسج الشرايبي أحداث الرواية بلغة صريحة وغير مهادنة، وبأسلوب ثوري وقاس، لايلتزم بقواعد اللغة الفرنسية التي كُتب بها النص الأصلي، ولا ببُناها النحوية. كما تعمد الكاتب استخدام مفردات عنيفة، تعكس التوتر الهائل بين جيلين.

إلى جانب أحداث الرواية يستوعب النص جملة من القضايا الجدلية التي تولدت عن الاحتكاك بين ثقافتين في مغرب الحماية، من قبيل التساؤل عن الركود الاجتماعي والسياسي الذي خيم على الطبقة البرجوازية المغربية، والتنديد بالقيود الاجتماعية التي توظف الدين للحد من حرية الفرد وسعيه لتأكيد ذاته. غير أنه، وخلافا للمتوقع، لم يكن على استعداد للاحتفاء بالحرية والانفتاح الذي تبشر به ثقافة الغرب، ممثلا في المدرسة الفرنسية؛ إذ يصر الشرايبي على توجيه نقده للحداثة الغربية، وإبداء جوانبها السلبية وتناقضاتها الوجودية.

نشر الشرايبي روايته في فرنسا سنة 1954، وهو التوقيت الحرج الذي جر عليه انتقادات شديدة في المغرب، حين اعتبرتها الأوساط الأدبية والسياسية بمثابة عمل استفزازي، يسيء لحركة الاستقلال التي كان جل رموزها من رجال العلم والفكر الإسلامي؛ لذا لم يسمح بنشرها في المغرب إلا عام 1977.

بعد أن تبدد سوء الفهم الذي اكتنفه ظرف سياسي حرج، تواطأت القراءات المتعددة للنص على كون الشرايبي لم يهاجم الدين ولا عقائده، بل تعلق الأمر في الحقيقة بحنين موجع لإسلام القيم الذي توارى تطبيقه العملي أمام هجمة التقاليد البالية، ولإله المحبة الذي لم يعرفه بطل الرواية، في غمرة القسوة والعنف المتلفع بقدسية الدين. يلخص البطل هذا الحنين بكلمات بليغة قائلا:

" انظر يا إلهي: لقد علمني الحاج فردي أن أحبك، في خوف الروح ووحشتها. لقد طبق شريعتك على امرأة عذبها، عذبها عذابا شديدا، وقورة، دقيقة، شامخة، حتى أنها لولا هذا التعذيب لتحولت إلى غبار، خيوط يربطها، ويقطعها، ويسحقها الواجب والشرف كما يقول.. ومع ذلك، مازلت أحبك. لا بد أنك شيء آخر غير إله المساجد والأغلال."(1)

وطد الشرايبي علاقته باللغة والثقافة الفرنسيتين منذ أن اختار العيش في الضفة الأخرى. غير أنه ظل وفيا للحقائق المرة، والتهكم اللاذع الذي لا يفلت منه حتى شخص الكاتب. ومكنته المواضيع التي يطرقها في أعماله من تحقيق مكانة فريدة في الأدب المغاربي المكتوب بالفرنسية.

من الهجرة إلى العنصرية، مرورا بأوضاع العمال المهاجرين في فرنسا، استكشف الشرايبي جل أبعاد الكتابة، من خلال مضامين متحررة من مقص الرقيب، وبارعة في الخلخلة والجرأة التي لا تنقصها الرقة ورهافة الحس.

واصل الشرايبي جرد أصداء الماضي في روايته "الحضارة أمي"(1972) باعتماد نمط سردي يؤكد على أوجه التشابه. تدور الأحداث حول أم يقودها حب ولديها إلى اكتشاف العالم، لتتحرر من وضع الأم حامية التقاليد، والعالقة داخل قوقعة الجهل والخضوع، في مغرب ثلاثينيات القرن الماضي، إلى امرأة ناضجة، تنضم إلى حركة تحرير المرأة، وترتدي ملابس على الطراز الأوربي دون أن تفقد شيئا من بساطتها ونقائها وحنانها.

من خلال سرد بسيط وعميق كعادته، كشف الشرايبي عن أثر التعليم والوعي في إحداث تحولات، تفكك العزلة المعرفية والاجتماعية للمرأة، وتعيد ترتيب العلاقات الأسرية بما يتوافق مع معطيات العلم والحضارة. وفي ثنايا الأحداث يُجرد الشرايبي تهكمه اللاذع لخلخلة بنى التفكير في مجتمع يعيش صدام التقاليد والحداثة.

بعد إتمام دراسته الثانوية في المغرب، انتقل إدريس الشرايبي إلى فرنسا سنة 1945 ليدرس الكيمياء، ثم ليعمل مدرسا ومنتجا للبرامج الإذاعية. وفي الثامنة والعشرين من عمره نشر روايته" الماضي البسيط" التي حققت قطيعة مع الرواية الكولونيالية، وأظهرت ازدراءا للأدب الذي يحصر قضايا الوطن في بعده الفولكلوري المثير لفضول السياح!

من أعماله خلال هذه الفترة رواية "الماعز" وهي بمثابة نقد شديد لأوضاع المهاجرين في فرنسا، واستحضار مؤلم لمصير شمال إفريقيا في بلد التنوير. ورواية "الحشد" التي يوجه من خلالها نقدا مبطنا للجنرال الفرنسي شارل ديغول.

تُظهر الأعمال اللاحقة لإدريس الشرايبي انعطافات متعددة، يُرسي من خلالها حوارا متجددا بين الضفتين. ففي روايته" الحضارة أمي" يقدم إجابة للتحرر من ضغوط المجتمع الأبوي، حين يُمهد للمرأة طريقا خاصا تتحد فيه الحرية مع الوعي بالذات والطموح للتغيير.

أما في روايتيه" أم الربيع" و"ولادة الفجر" فيستند إلى اليوتوبيا لحل إشكال التعايش، حيث يستدعي من صحف التاريخ قصة وصول الفرسان العرب إلى الغرب، وبناء مدينة فاضلة في الأندلس، يتحقق فيها مثل أعلى للتعايش بين العرب والأمازيغ واليهود.

رغم منفاه الطويل، إلا أن مسار الكتابة الروائية لإدريس الشرايبي ظل موسوما بالتوتر، والرفض، والوفاء لقلم ينكأ الجرح بفنية عالية. يقول الروائي والناقد عبد الكبير الخطيبي، في معرض رد الاعتبار للشرايبي بعد ضجة "الماضي البسيط":

" استفز الشرايبي، بطريقته، حمَلة الضمائر المرتاحة المتشبثة بالتقاليد والدفاع عن البنيات الاجتماعية المحافظة. وهذا فضل يُحسب له.. هكذا، وبشكل تراجيدي، فالغائبون، حتى لما يكونوا على حق، يُجبرون على مكابدة نيران مآل النسيان والإنكار"(2).

***

حميد بن خيبش

...................

1- إدريس الشرايبي: الماضي البسيط. سيويل. باريس.1954. ص96

2- مجلة الصقيلة في النقد والإبداع: عدد 14- نونبر 2020