من يقين الماهية إلى انكشاف الكينونة
منذ البدايات الأولى للتفكير الفلسفي، ظلّ الإنسان معلقاً بين رغبتين متعارضتين: رغبة العقل في بناء اليقين، ورغبة الروح في معانقة المجهول. ومن هذا التوتر الخلّاق وُلدت الميتافيزيقا بوصفها سعياً إلى القبض على الحقيقة النهائية للأشياء، كما وُلد الشعر بوصفه انفتاحاً دائماً على ما يستعصي على القبض والتحديد. فإذا كانت الميتافيزيقا قد انشغلت بالسؤال عمّا هو ثابت ومطلق وكلي، فإن الاستطيقا الشعرية انصرفت إلى ما هو متحوّل وعابر ومتعدد، وإلى ذلك الفيض الوجودي الذي يتجاوز حدود المفهوم والمنطق.
لقد سعت الميتافيزيقا، منذ أفلاطون، إلى إقامة عالم من الحقائق المفارقة؛ عالمٍ تحكمه الماهيات الثابتة والصور الأزلية. فالوجود الحقيقي عند أفلاطون لا يكمن في المحسوس المتغير، بل في المثال الخالد الذي تستمد منه الأشياء وجودها ومعناها. ومن هنا تأسست نزعة فلسفية طويلة الأمد جعلت الحقيقة مرادفة للثبات، واليقين قريناً للمعرفة.
ثم جاء أرسطو ليمنح هذا التصور بناءً أكثر انتظاماً حين ربط الموجود بجوهره، وجعل لكل شيء غاية وماهية تحددان حقيقته. وهكذا تحولت الميتافيزيقا إلى مشروع معرفي يسعى إلى اكتشاف النظام الكامن وراء العالم، وإلى تأسيس معرفة يقينية قادرة على تفسير الموجودات ضمن شبكة من العلل والأسباب.
غير أن هذا التصور، على امتداده التاريخي، لم يخلُ من نزعة دوغمائية تسعى إلى إغلاق أفق السؤال. فكل يقين مطلق يحمل في جوفه احتمال تحوله إلى سلطة معرفية تدّعي امتلاك الحقيقة النهائية. ولذلك جاءت الفلسفة الحديثة، وخصوصاً مع ديكارت وكانط ونيتشه، لتعيد مساءلة الأسس التي قامت عليها الميتافيزيقا التقليدية.
لقد شكّك ديكارت في كل شيء من أجل الوصول إلى يقين لا يقبل الشك، لكنه في الوقت ذاته دشّن وعياً نقدياً يجعل التساؤل أصل المعرفة. أما كانط فقد أعلن أن العقل لا يستطيع تجاوز حدود التجربة الممكنة دون الوقوع في الأوهام الميتافيزيقية، محولاً الميتافيزيقا من علم بالمطلق إلى نقد لشروط المعرفة ذاتها.
ومع نيتشه بلغ هذا النقد ذروته، حين أعلن أن الحقائق ليست سوى «استعارات نسينا أنها استعارات»، وأن كل يقين ليس إلا تأويلاً من بين تأويلات لا نهائية. لقد هدم نيتشه معابد الميتافيزيقا القديمة ليكشف أن الوجود ليس نسقاً مغلقاً، بل تدفقاً دائماً للقوة والصيرورة والاختلاف.
في هذا الأفق تحديداً تتجلى مغايرة الاستطيقا الشعرية للتصور الميتافيزيقي. فالشعر لا يبحث عن حقيقة نهائية، بل عن انكشاف دائم للحقيقة. إنه لا يقيم في اليقين، بل في الدهشة. ولا يطمح إلى امتلاك الوجود، بل إلى الإصغاء إليه.
ولذلك رأى الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر أن الشعر هو المسكن الحقيقي للكينونة. فاللغة الشعرية ليست أداة للتعبير عن العالم فحسب، بل هي المجال الذي يتجلّى فيه الوجود ذاته. ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة: «الإنسان يسكن العالم شعرياً».
إن الشعر، وفق هذا المنظور، ليس زخرفة لغوية ولا ترفاً جمالياً، بل هو حدث أنطولوجي؛ أي واقعة وجودية يكشف فيها الكائن عن حضوره الأعمق. إنه النداء الذي يدعو الإنسان إلى الوقوف أمام سرّ الوجود، لا بوصفه موضوعاً للمعرفة، بل بوصفه تجربة للانكشاف.
وهنا تتبدّى الاستطيقا الشعرية باعتبارها احتفاءً بالاختلاف. فالوجود لا يظهر في الشعر من خلال التطابق، بل عبر الفوارق والانزياحات والانكسارات التي تزعزع المألوف وتحرر اللغة من أسر التداول اليومي. إن المجاز الشعري لا يصف الأشياء كما هي، بل يعيد خلقها في أفق جديد من المعنى.
وقد أدرك الشاعر الفرنسي شارل بودلير أن الجمال لا يقيم في النظام وحده، بل في التوتر بين النظام والفوضى، بين النور والعتمة، بين الواقع والحلم. بينما رأى آرثر رامبو أن مهمة الشاعر هي «تشويش الحواس» من أجل بلوغ رؤى جديدة للوجود. أما ستيفان مالارميه فقد جعل من اللغة ذاتها فضاءً للغياب والحضور، حيث يتحول الشعر إلى مغامرة في المجهول.
وفي الفكر العربي، نجد أبا حيان التوحيدي يربط الجمال بالدهشة، ويرى أن المعرفة الحقيقية تبدأ حين يعجز العقل عن الإحاطة الكاملة بموضوعه. كما أن النفّري، في مواقفه ومخاطباته، يقترب من الرؤية الشعرية للوجود حين يقول: «كلما اتسعت الرؤية ضاقت العبارة». وهي عبارة تختزل المسافة الفاصلة بين الفكر المفهومي والتجربة الشعرية.
أما بعض الشعراء فقد جعلوا من الشعر فعلاً وجودياً يهدف إلى تفجير البنى المغلقة للمعنى، وإعادة تأسيس العلاقة بين الإنسان والعالم على قاعدة الخلق لا التلقي. فالشعر عنده ليس وصفاً للواقع، بل إعادة اختراع له.
ولعل أكثر ما يميز الاستطيقا الشعرية أنها تجعل الجمال حدثاً للكينونة نفسها. فالجمال لا يُنظر إليه بوصفه صفة خارجية للأشياء، بل بوصفه لحظة انكشاف لما كان مستتراً فيها. إنه ذلك الوميض الذي يظهر حين تتصدع القوالب الجاهزة وتتلاشى الحجب التي تفصل الإنسان عن عمق وجوده.
ولهذا فإن القصيدة الحقيقية ليست بناءً لغوياً مغلقاً، بل جسد جمالي حيّ، يتوالد من داخله المعنى باستمرار. إنها كائن وجودي يعود دائماً إلى أصله الأول: الدهشة. وكل قراءة جديدة لها ليست استعادة لمعنى سابق، بل خلق لمعنى جديد.
وقد عبّر الشاعر الفلسطيني محمود درويش عن هذا الأفق حين جعل الشعر بحثاً دائماً عن الوطن المستحيل، لا باعتباره مكاناً جغرافياً فحسب، بل باعتباره صورة للكينونة المنشودة. كما رأى المتنبي أن الشعر فعل تجاوز دائم للحدود، حين قال:
«وما الدهر إلا من رواة قصائدي إذا قلت شعراً أصبح الدهر منشداً»
إن الشعر هنا لا يصف العالم، بل يعيد تشكيله.
وهكذا تبدو المغايرة بين التصور الميتافيزيقي والاستطيقا الشعرية مغايرة بين منطقين للوجود: منطق يسعى إلى تثبيت الحقيقة داخل مفاهيم نهائية، ومنطق يتركها تتجلى في انفتاحها اللامحدود. الأول يبحث عن اليقين، والثاني يبحث عن الانكشاف. الأول يؤسس سلطة المعنى، والثاني يحرر المعنى من كل سلطة.
ومن ثمّ فإن الشعر لا يقف في مواجهة الفلسفة، بل يكمل ما تعجز عنه. فإذا كانت الفلسفة تسأل: ما الوجود؟ فإن الشعر يجعلنا نحيا هذا السؤال. وإذا كانت الميتافيزيقا تطلب الحقيقة بوصفها جواباً، فإن القصيدة تجعل الحقيقة طريقاً لا نهاية له.
وفي هذا المعنى يغدو الشعر أفقاً للحرية الوجودية، وتصبح القصيدة لحظة عودة الكينونة إلى ذاتها، حيث ينبثق الجمال من قلب الغياب، ويولد المعنى من رحم الاختلاف، ويتحول الإنسان من كائن يبحث عن الحقيقة إلى كائن يسكنها دهشةً وتأملاً وانفتاحاً لا ينتهي.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







