عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

هبة قاسم: حين يدفع الإنسان صخرته من جديد

قراءة في مجموعة "جرعة واحدة لا تكفي" القصصية لحميد الزاملي

تفتح مجموعة حميد الزاملي القصصية جرعة واحدة لا تكفي على مفارقة تسكن عنوانها قبل أن تسكن نصوصها فما من محاولة واحدة تكفي، لا في الحب ولا في الشفاء ولا في العبور ولا في القول. وكأنّ ثلاثة عشر نصاً اجتمعت لتكتب كلها بلغته الخاصة، والحاشية نفسها على متن واحد مضمونها أن الإنسان كائن يعيد الكرّة، مدفوعاً بيقين هش لا يلبث أن يتصدع فيستدعي جرعة تالية.

صدرت المجموعة عن دار السرد ببغداد عام 2025، وتوزعت نصوصها بين الحب والمرض والسياسة والفقد والانتظار، تجمعها خيوط خفية أشبه بما أسماه نيتشه "العود الأبدي": فكرة أن الفعل الواحد لا يكتمل إلا حين يتكرر إلى ما لا نهاية، وأن كل لحظة تطلب أختها. ويبدو الزاملي عبر هذا التكرار المتنوع الأقنعة أقرب إلى مَن يكتب سيرة الإنسان وهو يعيد الكرّة، لا سيرة الإنسان وهو يصل.Screenshot

تنبثق هذه الفكرة أول ما تنبثق من نص "جرعة واحدة لا تكفي" الذي يقف راويه أمام دار امرأة أحبّها، أرملة مرّتين، تصارع وِرماً استوطن جسدها، وتستقبله ذات مرة بجملة عارية من أي تكلّف: "قلبي معك". تختلط لغة العلاج بلغة العشق حتى يذوب الحد الفاصل بينهما، وتتحول عبارة "أحبك موت" إلى جرعة يقين تتكرر كلما تصدع الشك من جديد، قبل أن تنقلب الحكاية على نفسها في السطر الأخير حين تعترف البطلة بأنها "ممثلة جيدة" اعتراف يعيد كتابة كل ما سبق من ألم بوصفه أداءً، ويترك القارئ معلقاً بين احتمالين لا ثالث لهما: مرضٌ حقيقي أنهكته الوحدة، أو مسرحية أتقنت حبكتها.

وعلى الضفة الأخرى من الجرعة نفسها تنتقل الاستعارة من سرير المرض الفردي إلى خيمة جماعية في نص "أمنية" إذ يتقاطع خبر جرعة كيماوية ثانية مع صوت راوٍ لا يكفّ عن التردد على خيمة شبابية أقيمت قرب ساحة تشرين، فيقول في حوار مع نفسه: "تستحقان الكتابة، ولكن ثمة جدران وأرصفة وأشجار تحتاج إلى إعادة هيبتها". وهكذا يتوازى جسد يقاوم ورمه مع جيلٍ يقاوم يأسه، وتغدو "الأمنية" هي الأخرى جرعة أمل تحتاج تجديداً متكرراً كي لا تذبل على الجدران.

ثم يغادر الزاملي جلد الإنسان إلى جلد الحيوان في نصين اثنين، "لهفة الفئران" و"النمل"، فيمنح الكائنات الصغيرة صوت الجماعات الكبيرة. تتحول مناقشة عابرة بين الفئران، إثر هروب إحداهن نحو قط أبيض، إلى أزمة وجودية يعلّق عليها أحد الحاضرين بجملة تشبه بيان طوارئ: "لم يكن حادثاً عرضياً بسيطاً، بل هو زلزال يهدد مستقبلنا". وفي المقابل، تودّع ملكة النمل مملكتها في موكب منضبط "قرب زهرة الصباح هائلة الحمرة"، رحيلاً لا صخب فيه ولا تردد. وبين فوضى الفئران ونظام النمل، يرسم النصان مرآتين متقابلتين لسلوك الجماعة حين يتحول حادث فرد واحد إلى قضية مصير جماعي.

وما إن يعود الزاملي إلى عالم البشر حتى يفخخه بالشك، ففي "وحدها تجعلني أحلم" تعترف امرأة لمحدّثها: "أنت تشبهه، الفارق الوحيد بينكما هو الأنف"، ليتضح لاحقاً أن مصدر هذا الشبه بطل مسلسل تتابعه كل ليلة، لا وجه حيّ عرفته من قبل، فينكشف الحب حباً بالصورة لا بالجسد.

 وفي "النادل في غفوته" يكفي سؤال عابر من غريب في مقهى: "اسمي جبار، ممكن اتعرف باسمك؟" ليتحول المكان العام إلى مسرح ترقّب لا يهدأ، وكأن الهوية ذاتها صارت مشكوكاً في أصالتها.

وحين يضيق العالم الداخلي يفتح الزاملي نافذة على الرحيل والمواجهة. ففي "مدينة للبيع" يصف راويه وجوهاً مهاجرة تعيش المفارقة ذاتها: "هذه الوجوه تريد التعايش والابتعاد حتى من دون تحديد الطريقة أو الوجهة"، قبل أن تحسم تلك الوجوه أمرها بالعودة "بنفس الحافلة التي جاءت بنا"، في دائرة تشبه دوائر الكتاب كلها. وفي "مغادرة نهائية"، يقتحم زائر غريب سكينة رجل مسنّ بجملة كاشفة: "لقد حدثتني فايزة عنك كثيراً، أنا خالها وكاتم أسرارها"، فتتحول زيارة عابرة إلى استجواب للماضي بأكمله.

وللماء في هذه المجموعة، حصته من المجاز فراوي "الحقيبة" ينتظر على شارع المتنبي وعداً قديماً: "سوف أحمل حقيبة سوداء"، فيما يطفو في ذاكرته طفلٌ غرق يوماً في نهر الغراف. وبطل "دروب الثلج" يفتتح رحلته الجنوبية بجملة مقتضبة: "إنني الآن في الطريق"، هارباً من موت أمه نحو صداقة قديمة تنتظره. أما الشيخ سلمان، في "الشيخ والنهر"، فيكرر كل ليلة النبوءة الحزينة نفسها: "هذه الليلة مرت من دون فائدة"، محدّقاً نحو أفق لا يتغير. وهكذا يتحول النهر، في النصوص الثلاثة، من مجرى ماء إلى مجرى فقدٍ لا يكف عن التدفق.

وبين طرفي العقل والجسد، تقف قصتا "أحلام السدرة" و"الخجل يرقص أحيانا" على مسافة واحدة من الاعتدال. فـ"باقر" بطل الأولى، يلخص فلسفته الساخرة بجملة تشبه وصية: "هنالك حلول غير مرئية، لا يتسع لها العقل"، فيما ينخرط راوي الثانية علناً في معترك الأجواء الراقصة، "متناسياً ولو حين ثوابتي المغلفة بالحشمة والوصايا حتى أقصاها". ويكشف النصان، من زاويتين متقابلتين، الهوة ذاتها بين ما يراد قوله وما يفعل فعلاً.

وخلاصة القول تكتب مجموعة "جرعة واحدة لا تكفي" عبر نصوصها الثلاثة عشر سيرة واحدة للمحاولة المتكررة: جرعة الدواء، وجرعة الحب، وجرعة اليقين، وجرعة العبور، كلها تشترك في عجزها عن الاكتفاء بذاتها. وإذا كان سيزيف يدفع صخرته صعوداً كل مرة من جديد، يدفع أبطال الزاملي جرعتهم، مرة تلو مرة، نحو يقين لا يبلغونه أبداً. وتبقى الجملة الختامية للنص الأول، حين يعترف الراوي بأن "مواعيد السائل الأزرق كانت من الألم الذي لا يقارن"، مفتاحاً لكل ما سبقها ولحقها: فما الكتابة، في نهاية المطاف، سوى جرعة أخرى، ناقصة بدورها، تنتظر قارئاً يكملها.

***

د. هبة قاسم

في المثقف اليوم