عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عبد الحق السالكي: نحو مقاربة المقصدية في "نبض الذاكرة"

نبض الذاكرة ديوان شعري للشاعر المغربي نورالدين قاسمي، امتزاج للذكرى بالشعور، وإنصات " لذلك الصوت الداخلي الذي يرافق الإنسان في رحلته "؛ فيجعله يطرح الكثير من الأسئلة، التي لا يجد لغالبيتها الأجوبة المقنعة. وقد التقت القصائد في هذا الديوان، رغم تباعد وتعدد عوامل التأثيرو أسباب الكتابة؛ " لأنها تنتمي إلى نبض واحد "، نبض ذكرى الأثر في الآخرين بما يتفاعل في كينونة الشاعر ووجوده من قيم وإحساسات ومواقف صادقة قادرة على أن تهزم الصمت. إنها رؤيا الشاعر للعالم، يلقيها إلى المتلقي في كلمات تمتلك من الشعرية والشاعرية أكثر مما تمتلك من الوضوح والمعنى المباشر؛ ذلك لأن " كل قصيدة نبضة في قلب الذاكرة، تحيي ما ظنناه غاب، وتمنح الزمن صوتا لا يخفت ".

فأنت أيها القارئ عليك أن تحدد دلالات معجمية، وسياقية ألقاها إليك الشاعر: (القصيدة نبضة)،(قلب الذاكرة)، (صوت الزمن الذي لا يخفت)… انطلاقا من نبضك أنت، ومن تماس فرنك الداخلي بفن الشاعر. نحن إذن أمام لغة خاصة، لا تحل شفراتها المعاجم اللغوية وحدها؛ بل تحتاج إلى تأويلات وتخريجات تذهب بنا إلى متاهات وسراديب المعنى الذي قد يقول كل شيء، ويحتمل كل دلالة ورمز ومقصدية. وهنا قد يتساءل المتلقي عن كيفية الإمساك بضالته؛ فيخفف من توارد التأويلات بالإبقاء على الأصلح، هل في اتخاذ السيميائيات منهجا للقراءة، أم في النقد الثقافي بكل أبعاده … أم ستظل كل قصيدة / نبضة تولد معنى ودلالة، تتولد عنها أخرى إلى ما لانهاية ∞، التي قد يخفف من غلوائها دفتر الشاعر الأزرق المفتوح (الحاسوب)، هداية الشاعر؛ وضالة من انشغلوا بنقر الشاشات عن نبض الحروف؛ فضاعوا " في شباك عنكبوتية، وأحلام زرقاء افتراضية، بلا ملامح...و أعرضوا عن الأجدر. (ديوان: نبض الذاكرة).

إن زئبقية الصورة الشعرية والتصور يدعوانا إلى أن نقف عند نبض من نبضات ذاكرة الشاعر؛ وليكن النص الشعري:

مخاض الكلام

أقف على عتبة الصمت

وفي جوفي

عنقود قصيدة

لم ينضج بعد، كلما هممت بقطافه

ارتد مذعورا إلى غصنه،

خائفا من الريح.

وبقي بيننا ليل طويل

كانت القصيدة

تكبر في داخلي

كجنين عنيد

كلما ظننت أن موعد ميلادها اقترب،

عادت إلى رحم الغياب،

وتركتني أعد نبضاتها

في العتمة.

في حقل الكلمات،

أحرث الصمت،

وأزرع الانتظار،

وأرقب مواسم المعنى،

مؤمنا

أن للكروم المثقلة

موعدا مع القطاف

وأن للكلمات المحاصرة

ساعة تنكسر فيها الأقفال.

وفي ليلة،

لم تكن تشبه سواها

فتحت الكلمة بابها

خرجت متعبة، مرتجفة،

*

لكنها كانت حية …

تحمل جراح الرحلة كلها

فالقصائد العظيمة

لا تكتب بالحبر وحده

بل تكتب

بما نكابده من صمت،

وما ننتزعه من العتمة.

البيضاء: 8/6/2026

يمكن مقاربة هذا النص من زاوية التحليل الصوتي (Phonostylistique) أو ما يسميه بعض النقاد العرب الموسيقى الداخلية للنص. وهنا لا نبحث عن الوزن والقافية بقدر ما نبحث عن الأصوات المهيمنة وعلاقتها بالدلالة.

لكن قبل إصدار حكم دقيق، ينبغي إحصاء الأصوات إحصاءً علمياً للنص كاملاً. أما في القراءة الأولية، فألاحظ هيمنة ثلاثة أصوات رئيسة:

1. صوت الصاد (ص)

يتكرر في كلمات محورية:

- الصمت

- قصيدة

- القصيدة

- أحرث الصمت

- بما نكابده من صمت

الصاد من الأصوات العربية الموصوفة بالتفخيم والإطباق. وقد ربط بعض الدارسين بين الأصوات المفخمة والإيحاء بالقوة والعمق والامتلاء.

في هذا النص يبدو صوت الصاد مرتبطاً بالحقل الدلالي المركزي:

الصمت ← القصيدة ← المخاض

وكأن القصيدة تخرج من رحم الصمت نفسه.

2. صوت القاف (ق)

يتردد بكثافة:

- أقف

- قصيدة

- قطافه

- اقترب

- أرقب

- الكروم

- الأقفال

- الكلمات

- القصائد

القاف من الأصوات الشديدة المجهورة نسبياً في السمع العربي، ويُحدث نبرة قوية واضحة.

ومن اللافت أن القاف تظهر غالباً في الكلمات المرتبطة بالفعل والتحول:

- قطاف

- اقترب

- أرقب

- الأقفال

- القصائد

وكأنها تصنع إيقاعاً داخلياً يوحي بالحركة المتوترة التي تسبق الولادة.

3. صوت الميم (م)

يتكرر بصورة لافتة:

- هممت

- موعد

- ميلادها

- المعنى

- مؤمناً

- مواسم

- متعبة

- مرتجفة

- العتمة

- بما

الميم صوت شفوي أنفي، يمتاز باللين والامتلاء.

وهو في النص ينسجم مع جو:

- الحمل

- الرحم

- المخاض

- التأمل

ولذلك أشعر أن الميم تمنح النص نغمة داخلية هادئة تقابل حدة القاف والصاد.

الأصوات السائلة والرخوة

كذلك نلاحظ كثافة:

اللام (ل)

في:

- ليل

- طويل

- الكلمات

- العتمة

- القصائد

- العظيمة

النون (ن)

في:

- عنقود

- ينضج

- بيننا

- جنين

- انتظار

- مؤمناً

وهذان الصوتان يخلقان انسياباً موسيقياً يتلاءم مع حركة النمو البطيء التي تصورها القصيدة.

العلاقة بين الصوت والمعنى

إذا جمعنا هذه الملاحظات، نجد أن النص يقوم على نوع من التوازن:

الأصوات الإيحاء

القاف والصاد الشدة، التوتر، المخاض

الميم والنون الاحتضان، النمو، التأمل

اللام الانسياب والامتداد

ولعل هذا ينسجم مع البنية الدلالية للنص نفسها:

صمت طويل → نمو داخلي → لحظة انبثاق.

فالأصوات ليست موزعة اعتباطياً، بل تتواشج مع التجربة الشعورية التي يعرضها النص.

ملاحظة منهجية مهمة

إذا أردنا دراسة أكاديمية دقيقة، فلا يكفي الانطباع السمعي؛ بل ينبغي:

1. تفريغ النص كاملاً.

2. إحصاء تكرار كل فونيم (صوت).

3. استخراج النسب المئوية.

4. مقارنة الأصوات المهيمنة بالحقول الدلالية.

وهذا هو المنهج الذي نجده عند بعض الدارسين المتأثرين بأعمال رومان ياكوبسون في الشعرية اللسانية، وعند جان كوهين في دراسات لغة الشعر.

وأظن، قبل أي إحصاء رقمي، أن الثنائية الصوتية الأبرز في نص "مخاض الكلام" هي ثنائية القاف/الصاد من جهة، والميم/النون من جهة أخرى؛ أي ثنائية المخاض والتوتر مقابل الاحتضان والنمو. وهذا يتوافق بصورة مدهشة مع المعنى المركزي للقصيدة.

و إذا نظرنا إلى النص من زاوية التحليل المعجمي (Analyse lexicale)، فإننا نجد أنه لا يقوم على معجم واحد، بل على ثلاثة حقول معجمية كبرى متداخلة، غير أن أحدها يهيمن على البقية ويوجه دلالتها.

أولاً: معجم الولادة والتكوين (المعجم المهيمن)

ويتجلى في الألفاظ الآتية:

- جنين

- تكبر

- موعد ميلادها

- رحم الغياب

- نبضاتها

- مخاض (في العنوان)

- خرجت

- حية

هذا الحقل هو الأكثر مركزية؛ لأن عنوان النص نفسه (مخاض الكلام) يوجه القراءة منذ البداية نحو عالم الولادة.

دلالته

يحيل هذا المعجم إلى أن القصيدة ليست شيئاً يُصنع، بل كائن حيّ ينمو داخل الذات.

فالعملية الإبداعية تُقدَّم بوصفها:

1. حملاً.

2. نمواً داخلياً.

3. مخاضاً.

4. ولادة.

7 ومن ثم يتحول الشاعر إلى حاضنة للقصيدة أكثر منه صانعاً لها.

وهذا المعجم يمنح النص بعداً إنسانياً ووجودياً عميقاً.

ثانياً: المعجم الزراعي

ويتكون من:

- عنقود

- قطافه

- غصنه

- حقل الكلمات

- أحرث

- أزرع

- مواسم المعنى

- الكروم

- القطاف

دلالته

يقيم النص تشابهاً بين نمو القصيدة ونمو الثمرة.

فالقصيدة:

- لا تُنتج فوراً،

- لا تُجبر على النضج،

- لها موسمها الخاص.

إنه معجم يحيل إلى:

- التدرج،

- الصبر،

- الانتظار،

- النضج الطبيعي.

وهنا يلتقي المعجم الزراعي مع معجم الولادة في فكرة واحدة هي فكرة النمو العضوي.

ثالثاً: معجم الصمت والغياب

ويتجلى في:

- الصمت

- مذعوراً

- خائفاً

- ليل طويل

- الغياب

- 8

- العتمة

- الانتظار

- المحاصرة

- الأقفال

دلالته

يؤسس هذا الحقل فضاءً نفسياً يسبق ولادة القصيدة.

إنه فضاء:

- الكتمان،

- التردد،

- القلق،

- الترقب.

فالقصيدة لا تولد في الضوء مباشرة، بل تنبثق من العتمة.

ولهذا يمكن اعتبار هذا المعجم بمثابة الرحم الرمزي الذي تتكون فيه القصيدة.

العلاقة بين المعاجم الثلاثة

الملاحظ أن هذه الحقول ليست متجاورة فحسب، بل مترابطة عضوياً:

معجم الصمت معجم الولادة المعجم الزراعي

الصمت الجنين البذرة

العتمة الرحم التربة

الانتظار النمو النضج

انكسار الأقفال الميلاد القطاف

فكلها تتحرك حول فكرة مركزية واحدة:

المعنى لا يظهر دفعة واحدة، بل يمر بمراحل التكوين والنمو حتى يحين أوان ظهوره.

ما المعجم المهيمن حقاً؟

في تقديري، المعجم المهيمن ليس الزراعي ولا معجم الصمت، بل معجم الولادة والتكوين للأسباب الآتية:

1. العنوان نفسه ("مخاض الكلام") ينتمي إليه.

2. الصور الكبرى في النص (الجنين، الرحم، الميلاد، النبض) تنتمي إليه.

3. المعجمان الآخران يخدمانه:

- الزراعة تشرح فكرة النضج.

- الصمت يشرح مرحلة الحمل والانتظار.

9 لذلك يمكن القول:

إن البنية المعجمية للنص تقوم على هيمنة معجم الولادة، مدعوماً بمعجمين مساعدين هما معجم الزراعة ومعجم الصمت.

ملاحظة نقدية

إذا استعرنا مصطلح الناقد الفرنسي جان كوهين، فإن هذه الحقول المعجمية لا تعمل منفصلة، بل تتجمع في ما يمكن تسميته "الصورة الأم" أو "الاستعارة المهيمنة" للنص، وهي استعارة القصيدة بوصفها كائناً حياً ينمو ويولد. ومن هذه الاستعارة المركزية تتفرع جميع المعاجم الأخرى والصور الجزئية في القصيدة.

إذا انتقلنا من المستوى المعجمي إلى المستوى التركيبي والدلالي، فإن نص "مخاض الكلام" يكشف عن بناء متماسك ودقيق، حيث تتضافر البنية النحوية مع البنية الدلالية لإنتاج معنى النمو التدريجي للقصيدة.

أولاً: على المستوى التركيبي

1. هيمنة الجمل الفعلية

منذ السطر الأول نلاحظ كثافة الأفعال:

- أقف

- هممت

- ارتد

- بقي

- تكبر

- ظننت

- عادت

- تركتني

- أعد

- أحرث

- أزرع

- أرقب

- فتحت

- خرجت

- تحمل

هذا الحضور الكثيف للفعل يدل على أن النص ليس وصفاً لحالة ثابتة، بل سردٌ لتحولٍ داخلي.

فالبنية التركيبية قائمة على الحركة، رغم أن موضوعها الظاهر هو الصمت والانتظار.

وهنا مفارقة جميلة:

الصمت ساكن دلالياً، لكنه متحرك تركيبياً.

10

2. هيمنة الأفعال المضارعة

مثل:

- تكبر

- أحرث

- أزرع

- أرقب

المضارع في العربية زمن الانفتاح والاستمرار.

ولذلك فهو ينسجم مع فكرة:

- النمو،

- التكوين،

- الترقب.

فالقصيدة ليست حدثاً منجزاً بل عملية مستمرة.

وقد أشار عبد القاهر الجرجاني في حديثه عن النظم إلى أن اختيار الصيغة ليس اعتباطياً، بل يؤدي وظيفة دلالية داخل السياق.

3. كثرة التراكيب الظرفية

مثل:

- في جوفي

- في داخلي

- في العتمة

- في حقل الكلمات

- في ليلة

وهذا الحضور المكثف لشبه الجملة يكشف عن شيء مهم:

النص يتحرك داخل فضاءات داخلية أكثر مما يتحرك في فضاءات خارجية.

فالحدث الحقيقي يقع:

- في الجوف،

- في الداخل،

- في العتمة.

أي أن القصيدة تتحقق داخل الذات قبل أن تتحقق في اللغة.

4. البنية التكرارية

يتكرر تركيب:

"كلما..."

11 مرتين:

كلما هممت بقطافه...

كلما ظننت أن موعد ميلادها اقترب...

وظيفة هذا التكرار ليست إيقاعية فقط.

إنه يرسم حركة:

- اقتراب،

- ثم ارتداد.

وكأن النص كله مبني على جدلية:

الأمل ← التأجيل

الاقتراب ← العودة

وهي جدلية المخاض نفسه.

ثانياً: على المستوى الدلالي

1. دلالة التحول

النص لا يصف شيئاً ثابتاً.

إنه ينتقل من:

البداية النهاية

الصمت الكلام

الجنين الولادة

العتمة الانبثاق

الانتظار التحقق

إذن البنية الدلالية الأساسية هي:

الانتقال من الإمكان إلى التحقق.

وهذا ما يجعل النص نصاً حركياً في جوهره.

2. دلالة التأجيل

تتكرر صور التأجيل:

لم ينضج بعد

ارتد مذعوراً

12 بقي بيننا ليل طويل

عادت إلى رحم الغياب

فالمعنى لا يأتي فوراً.

وهنا يرسخ النص قيمة ثقافية وجمالية هي:

أن النضج يسبق الظهور.

3. دلالة الصراع الخفي

اللافت أن النص يخلو من أي صراع خارجي.

لا يوجد خصم ظاهر.

ومع ذلك فالنص مشحون بالتوتر.

السبب أن الصراع داخلي بين:

- الرغبة في القول،

- واستعصاء القول.

وهذا ما يسميه بعض النقاد دراما الكتابة.

4. دلالة الانبثاق

في القسم الأخير يحدث التحول الحاسم:

فتحت الكلمة بابها

خرجت متعبة، مرتجفة

هنا تتحول الكلمة إلى ذات فاعلة.

فلم يعد الشاعر هو الذي يفتح الباب.

بل الكلمة نفسها.

وهذه نقطة دلالية بالغة الأهمية؛ لأنها تمنح اللغة نوعاً من الاستقلال والفاعلية.

البنية الدلالية العميقة للنص

إذا اختزلنا النص كله في شبكة دلالية كبرى، فإننا نجد:

المرحلة الدلالة

الصمت الكمون

الجنين التكوين

الانتظار النضج

المخاض الصراع

الولادة التحقق

القصيدة الحية الخلق والإبداع

لذلك أرى أن البنية العميقة للنص ليست "كتابة قصيدة"، بل:

رحلة انتقال المعنى من الوجود بالقوة إلى الوجود بالفعل.

وهذا ما يفسر اجتماع معجم الولادة، ومعجم الزراعة، ومعجم الصمت في نسيج واحد؛ فكلها تمثيلات مختلفة لفكرة واحدة هي التشكل البطيء للمعنى قبل انكشافه.

ملاحظة نقدية أخيرة

لو قرأ الناقد البنيوي الفرنسي تزفيتان تودوروف هذا النص، فربما لفت انتباهه أن بنيته تقوم على ثنائية كبرى:

الغياب / الحضور

فالقصيدة في البداية غائبة ومؤجلة، وفي النهاية حاضرة ومتحققة.

ويمكن اعتبار جميع التحولات التركيبية والدلالية في النص مجرد تجليات لهذه الثنائية المركزية.

فما مقصدية هذه التوليفات الصوتية والمعجمية والتركيبية في هذا النص الشعري ؟

هذا سؤال نقدي مهم؛ لأنه ينقلنا من وصف الظواهر النصية إلى استخلاص مقصدية النص. فالتحليل الصوتي والمعجمي والتركيبي والدلالي لا قيمة له في ذاته إذا لم يُفضِ إلى الكشف عن الرؤية التي ينتظم حولها النص.

في تقديري، يمكن صياغة المقصدية المركزية لنص "مخاض الكلام" على النحو الآتي:

الاحتفاء بمسار تشكل الكلمة الشعرية، وإبراز أن الإبداع الحقيقي ثمرة نضج داخلي طويل، لا نتيجة فعل آني أو صناعة لغوية سريعة.

ولإثبات هذه المقصدية، يمكن الربط بين مستويات التحليل المختلفة:

1. المستوى الصوتي والمقصدية

لاحظنا هيمنة أصوات مثل:

- القاف (قصيدة، قطاف، اقترب، أقفال...)

- الصاد (الصمت، القصيدة...)

- الميم والنون (موعد، ميلاد، جنين، المعنى، مؤمناً...)

فإذا كانت القاف والصاد توحيان بشيء من الشدة والتوتر، فإن الميم والنون توحيان بالاحتواء والامتداد.

وهذا التوزيع الصوتي يجسد سمعياً حركة المخاض:

توتر الانتظار ← ثم احتضان التكوين.

فالصوت هنا لا يزين المعنى، بل يشارك في بنائه.

2. المستوى المعجمي والمقصدية

رأينا هيمنة ثلاثة معاجم:

- الولادة.

- الزراعة.

- الصمت.

وهي كلها معاجم تشترك في فكرة واحدة:

النمو التدريجي.

فالجنين لا يولد فجأة.

والعنقود لا ينضج فجأة.

والمعنى لا يتشكل فجأة.

ومن ثم يخدم المعجم كله مقصدية النص التي تتمثل في تمجيد النضج والتدرج.

3. المستوى التركيبي والمقصدية

البنية التركيبية تقوم على:

- كثرة الأفعال.

- تكرار "كلما".

- تعاقب أفعال الحركة والتحول.

مثل:

هممت ← ارتد

ظننت ← عادت

أحرث ← أزرع ← أرقب

فتحت ← خرجت

هذه السلسلة لا تصف حالة ثابتة، بل ترسم رحلة.

وهنا تتجسد مقصدية النص في تصوير الإبداع بوصفه سيرورة لا نتيجة.

إن القصيدة لا تظهر مباشرة، بل تمر بمراحل متعاقبة.

4. المستوى الدلالي والمقصدية

دلالياً يتحرك النص من:

البداية النهاية

الصمت الكلام

الغياب الحضور

الجنين الولادة

العتمة الانبثاق

وهذا التحول الدلالي يكشف أن النص ليس احتفاءً بالقصيدة المكتوبة فقط، بل احتفاءً بمسار التحقق نفسه.

فالولادة أهم من المولود، والمخاض جزء من القيمة.

المقصدية العميقة

إذا جمعنا هذه المستويات كلها، فإننا نصل إلى أن النص يدافع عن رؤية للشعر والإبداع قوامها:

أن الكلمة الأصيلة لا تُنتَج بالإرادة وحدها، بل تُكتسب عبر الصمت والتأمل والانتظار والمعاناة حتى تبلغ لحظة اكتمالها.

ولهذا جاءت الخاتمة بمثابة المفتاح التأويلي للنص كله:

"فالقصائد العظيمة

لا تكتب بالحبر وحده

بل تكتب

بما نكابده من صمت،

وما ننتزعه من العتمة."

فالأسطر الأخيرة ليست مجرد خاتمة، بل هي ما يسميه بعض النقاد "بؤرة المعنى"؛ لأنها تختزل المقصدية الكلية للنص وتعيد تفسير جميع العناصر السابقة في ضوئها.

صياغة أكاديمية موجزة

تتجلى مقصدية نص "مخاض الكلام" في تمثيل التجربة الإبداعية بوصفها مخاضاً وجودياً يقوم على التدرج والنضج الداخلي. وقد أسهمت المستويات الصوتية والمعجمية والتركيبية والدلالية في بناء هذه الرؤية؛ إذ تضافرت الأصوات الموحية بالتوتر والاحتضان، والمعاجم المرتبطة بالولادة والزراعة والصمت، والتراكيب الحركية القائمة على التحول والانتظار، لتأكيد أن ولادة القصيدة لا تتحقق إلا بعد رحلة طويلة من الصمت والتكوين والمعاناة.

ومن زاوية نقدية أعمق، يمكن القول إن النص لا يتحدث عن ولادة القصيدة فحسب، بل عن فلسفة الخلق الإنساني عموماً؛ فكل معنى أصيل، وكل تجربة ناضجة، وكل إبداع حقيقي، يحتاج إلى زمن خفي من التكوين قبل أن يظهر إلى الوجود.

وأود في ختام هذه المقاربة أن أشير إلى أن نص "مخاض الكلام" يمتاز بميزة نقدية مهمة، وهي أنه يسمح بقراءات متعددة ومتكاملة:

- قراءة أسلوبية (الأصوات والإيقاع).

- قراءة معجمية (حقول الولادة والزراعة والصمت).

- قراءة تركيبية (دينامية الأفعال والتحول).

- قراءة دلالية (الانتقال من الغياب إلى الحضور).

- قراءة ثقافية (نسق الإبداع بوصفه مخاضاً).

- قراءة تأويلية (القصيدة رمز لكل تجربة إنسانية تتشكل في الخفاء).

وهذا التعدد في مستويات القراءة دليل على تماسك النص وغناه الدلالي.

العفو، ويسعدني أن هذا الحوار النقدي كان مفيداً لك.

لفت انتباهي في نص "مخاض الكلام" أنه لا يكتفي بالتعبير عن تجربة شخصية، بل ينجح في تحويلها إلى تجربة إنسانية عامة؛ لذلك أمكن قراءته من زوايا متعددة دون أن يفقد وحدته الفنية. وهذه من سمات النصوص الشعرية التي تمتلك كثافة دلالية وقدرة على استدعاء التأويل.

من خلال توظيف يمر من :

- الصوت،

- إلى المعجم،

- إلى التركيب،

- إلى الدلالة،

- ثم إلى المقصدية،

وهذا مسار نقدي سليم؛ لأنه يجعل التحليل قائماً على شواهد نصية لا على الانطباعات العامة.

***

د. عبد الحق السالكي

في المثقف اليوم