من تقطيع الخطاب إلى اكتشاف وحدات اللغة
ليست اللغة كتلة صوتية أو دلالية صماء، وإنما هي نظام تتشابك داخله مستويات الصوت والصرف والتركيب والدلالة والتداول. ومن هنا نشأت حاجة اللساني إلى أن يكشف، داخل السلسلة الكلامية المتصلة، عن الوحدات التي تنتظمها وتمنحها قابليتها للفهم والتحليل. ولعل مفهوم «التأسيم» ـ إذا استعملناه للدلالة على ردّ الخطاب إلى أسيماته أو وحداته المكوّنة ـ يتيح لنا مدخلًا خصبًا لإعادة النظر في مفاهيم متجاورة، كثيرًا ما تتداخل في الاستعمال، هي: التقطيع، والتجزئة، والتقسيم، والتأسيم.
غير أن الدقة الاصطلاحية تقتضي التنبيه منذ البدء إلى أن «التأسيم» ليس من المصطلحات العربية اللسانية المستقرة بالدرجة نفسها التي استقر بها «التقطيع» أو «التقسيم»؛ ولذلك ينبغي التعامل معه بوصفه اقتراحًا اصطلاحيًا أو مفهومًا إجرائيًا، لا بوصفه مصطلحًا تراثيًا أو لسانيًا موحد الدلالة لدى جميع المدارس. وهذه المسألة ليست هامشية؛ إذ إن انتقال المصطلح اللساني من لغة إلى أخرى كثيرًا ما يفضي إلى تعدد المقابلات العربية للمفهوم الواحد. وقد كشفت دراسات المصطلح اللساني العربي عن حضور الترجمة والتعريب وإعادة الصياغة المفهومية في أعمال اللسانيين العرب المعاصرين، ومنهم تمام حسان.
أولًا: من السلسلة الكلامية إلى الوحدة اللسانية
تنطلق اللسانيات الحديثة من سؤال يبدو بسيطًا في ظاهره، لكنه عميق في نتائجه: كيف نعرف أين تبدأ الوحدة اللغوية وأين تنتهي؟
فالقول:
«كتبَ الطالبُ الدرسَ»
يبدو في الكتابة مؤلفًا من كلمات واضحة الحدود، لكن الكلام المنطوق لا يقدم لنا دائمًا هذه الحدود بالوضوح نفسه؛ إذ تتصل الأصوات وتتداخل المقاطع، ولا توجد في السلسلة الصوتية فواصل مادية ثابتة بين الكلمات كما في الكتابة.
وهنا يأتي التقطيع بوصفه إجراءً تحليليًا: أي البحث عن الحدود التي تسمح بفصل وحدات السلسلة اللغوية بعضها عن بعض.
وقد ارتبط هذا التصور في اللسانيات البنيوية والوظيفية بمفهوم التمفصل المزدوج عند أندريه مارتينيه؛ إذ تُحلَّل اللغة على مستويين: مستوى الوحدات ذات المعنى، ثم مستوى الوحدات الصوتية الأصغر التي تؤلف تلك الوحدات. وتعرض الأدبيات العربية هذا المفهوم بوصفه انتقالًا من تجزئة السلسلة إلى وحدات دالة إلى تحليل هذه الوحدات إلى عناصر صوتية.
وهنا تتضح قيمة التأسيم: فهو لا يعني مجرد «قطع» الكلام، بل الكشف عن الوحدات التي تجعل القطع ذا قيمة لسانية.
ثانياً: التقطيع والتجزئة والتقسيم والتأسيم
يمكن التمييز بينها إجرائيًا على النحو الآتي:
التقطيع هو فعل الكشف عن الحدود داخل سلسلة لغوية متصلة.
التجزئة هي تفكيك وحدة مركبة إلى مكونات أصغر، وقد تكون صوتية أو صرفية أو تركيبية أو دلالية.
التقسيم أعمّ من ذلك؛ إذ يمكن أن يكون تصنيفًا للوحدات بحسب خصائصها ووظائفها، وليس مجرد فصلها عن بعضها.
أما التأسيم، فيمكن أن نجعله المفهوم الأكثر دقة حين يكون المقصود استخراج الوحدات اللسانية التي تتمتع باستقلال وظيفي أو قيمة بنيوية داخل نظام معين.
وبعبارة أخرى:
التقطيع يحدد الحدود، والتجزئة تكشف المكونات، والتقسيم يرتبها في فئات، أما التأسيم فيبحث عن الوحدة اللسانية ذات القيمة التي يقوم عليها التحليل.
وهذا التفريق ليس مجرد تلاعب بالألفاظ؛ لأن اختلاف الإجراء يؤدي إلى اختلاف النتيجة.
فحين نقول:
«والطالباتُ مجتهداتٌ»
يمكننا أن نقطّع السلسلة إلى كلمات:
والطالبات مجتهدات
ثم نجَزِّئ «الطالبات» صرفيًا إلى عناصرها:
ال زائد طالب زائد ات
ثم نقسم الوحدات بحسب الوظيفة النحوية:
الواو: حرف عطف.
الطالبات: مبتدأ.
مجتهدات: خبر.
أما حين نسأل عن الأسيمات التي تقوم عليها البنية، فنحن ننتقل من مجرد الفصل إلى البحث في طبيعة الوحدة وعلاقاتها ووظيفتها داخل النظام.
ثالثاً: سوسير والوحدة التي تستمد قيمتها من النظام
يمثل فرديناند دي سوسير نقطة تحول حاسمة في التفكير اللساني؛ فاللغة عنده ليست مجموعة أسماء ملصقة بأشياء العالم، وإنما نظام من العلاقات، والقيمة اللغوية لا تُفهم منعزلة عن شبكة العلاقات التي تنتظم داخلها.
ومن هذه الزاوية لا تكفي معرفة أن السلسلة يمكن تقسيمها إلى كلمات؛ إذ ينبغي أن نسأل: ما الذي يجعل هذه الوحدة وحدةً لغوية؟ وما قيمتها داخل النظام؟
وهنا يكتسب التأسيم بعدًا أعمق: فالوحدة ليست مجرد قطعة يمكن اقتطاعها ميكانيكيًا، وإنما هي عنصر تتحدد هويته من خلال موقعه وعلاقاته وتوزيعه ووظيفته.
ولهذا فإن التحليل اللساني لا ينبغي أن يتحول إلى عملية تشريح آلي للنص؛ لأن فصل العناصر عن شبكة العلاقات التي تمنحها قيمتها قد يؤدي إلى إفساد الظاهرة بدل تفسيرها.
رابعًا: مارتينيه والتقطيع المزدوج
مع أندريه مارتينيه أصبح مفهوم التقطيع المزدوج أكثر وضوحًا في وصف البنية اللغوية.
فعندما نقول:
«والدُرُوسُ مفيدةٌ»
يمكن النظر إلى السلسلة على مستوى أول باعتبارها وحدات ذات معنى ووظيفة، ثم الانتقال إلى مستوى أصغر تتشكل فيه هذه الوحدات من عناصر صوتية لا تحمل بالضرورة معنى مستقلًا.
وهذا ما يجعل اللغة نظامًا اقتصاديًا بالغ القدرة على الإنتاج: عدد محدود من الوحدات الصوتية يمكن أن يدخل في تراكيب لا حصر لها من الوحدات الدالة.
ومن هنا يصبح التأسيم قريبًا من سؤال جوهري في اللسانيات:
ما أصغر وحدة ذات وظيفة أو قيمة في المستوى الذي نحلله؟
فالوحدة الصوتية ليست هي الوحدة الصرفية، والوحدة الصرفية ليست هي الوحدة التركيبية، والوحدة التركيبية ليست هي الوحدة الدلالية أو التداولية.
وهذا يعني أن التأسيم متعدد المستويات، لا يمكن اختزاله في مستوى واحد من مستويات اللغة.
خامساً: الخليل وسيبويه وإرهاصات التفكير في الوحدات
وليس البحث عن الوحدات اللغوية اختراعًا لسانيًا غربيًا محضًا؛ فالتراث العربي القديم زاخر بإجراءات تحليلية تكشف وعيًا عميقًا بمبدأ الفصل بين العناصر وتصنيفها وربطها بوظائفها.
فعند الخليل بن أحمد الفراهيدي نجد عناية دقيقة بالأصوات ومخارجها وبنية الكلمة، وعند سيبويه نجد بناءً نحويًا يقوم على تصنيف الكلم والعلاقات بين عناصر التركيب.
ولذلك فإن قراءة التراث العربي من منظور لساني حديث ينبغي ألا تكون عملية إسقاط آلي للمصطلحات المعاصرة عليه، بل بحثًا في التقاطعات المنهجية بين طرائق التحليل القديمة والمفاهيم الحديثة.
وقد ذهب عبد الرحمن الحاج صالح، في مشروعه المتعلق باللسانيات الخليلية، إلى إبراز أن النحاة العرب اشتغلوا على تحديد الوحدات من خلال عمليات وتحويلات تكشف مواقع العناصر وعلاقات التبعية بينها، وهو تصور يختلف في بعض جوانبه عن طرائق التحليل الغربي المباشر للمكونات.
وهنا تظهر أهمية المصطلح: فليس المهم أن نسمي الإجراء القديم «تأسيمًا» لمجرد وجود تشابه، وإنما المهم أن نحدد ما الذي كان يفعله النحوي العربي بالفعل، وما الذي يفعله اللساني الحديث.
سادساً: تمام حسان وانتقال النحو من العلامة إلى القرينة
يمثل تمام حسان محطة بارزة في تجديد النظر إلى العربية؛ فقد حاول إعادة بناء الوصف النحوي على أسس تجمع بين التراث العربي والمناهج اللسانية الحديثة، وقدم تصورًا يجعل العلاقات النحوية قائمة على تضافر القرائن، لا على العلامة الإعرابية وحدها. وقد تناولت الدراسات الحديثة مشروعه بوصفه محاولة لإعادة وصف العربية من منظور وصفي ولساني حديث.
وهذا التصور مهم جدًا في قضية التأسيم؛ لأن الوحدة النحوية لا تُعرف دائمًا من شكلها الصرفي وحده، وإنما من مجموعة القرائن المتضافرة.
ففي قولنا:
«ضربَ زيدٌ عمرًا»
لا نستطيع أن نفهم وظيفة «زيد» و«عمر» اعتمادًا على ترتيب الكلمات وحده، ولا على الحركة الإعرابية وحدها، وإنما من خلال شبكة من القرائن: الرتبة، والعلامة، والتضام، والتعليق، والسياق، وغيرها.
وقد جعل تمام حسان قرينة التعليق من القرائن المركزية في التحليل النحوي، ورأى أن الكشف عنها يمثل الغاية الأعمق للتحليل الإعرابي في كثير من المواضع.
ومن هنا يصبح التأسيم عملية تتجاوز الحدود المرئية إلى اكتشاف العلاقات الخفية التي تجعل الوحدة جزءًا من بناء أكبر.
سابعاً: التأسيم ليس تقطيعًا آليًا
أخطر ما يمكن أن يقع فيه التحليل اللساني هو الاعتقاد بأن كل حدّ بين وحدتين يمكن اكتشافه بالمسطرة نفسها.
فاللغة لا تعمل بهذه البساطة.
خذ مثلًا العبارة:
«إنما المؤمنون إخوة»
هل نقسمها إلى كلمات فحسب؟ نعم، ولكن هذا التقسيم لا يكشف وحده بنيتها.
وإذا نظرنا إلى «إنما» مثلًا، وجدنا أن التحليل الصرفي قد ينظر إليها بطريقة، بينما ينظر إليها التحليل النحوي والتركيبي بوصفها أداة ذات وظيفة مخصوصة.
إذن:
الحدود الكتابية ليست بالضرورة الحدود اللسانية.
وهذه قاعدة جوهرية.
فالكتابة تمثل اللغة، لكنها لا تطابق بنيتها تمام المطابقة.
ولهذا ينبغي أن يكون التأسيم وظيفيًا لا ميكانيكيًا؛ أي أن نسأل قبل فصل الوحدة: ما وظيفتها؟ وما استقلالها؟ وما علاقتها بما قبلها وما بعدها؟ وفي أي مستوى لغوي ننظر إليها؟
ثامناً: من الكلمة إلى الخطاب
إذا كان التأسيم في المستوى الصرفي يبحث عن المورفيمات، وفي المستوى الصوتي يبحث عن الوحدات الصوتية، وفي المستوى التركيبي يبحث عن المكونات، فإن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما نصل إلى الخطاب.
فالخطاب لا يتكون من جمل متجاورة فقط، وإنما من وحدات تتفاعل فيها الدلالة مع السياق والمقام والقصد.
وهنا تكتسب أفكار تمام حسان حول المقال والمقام أهميتها؛ فقد رأى أن فهم المعنى لا يكتمل بالنظر إلى المقال وحده، بل ينبغي مراعاة المقام والسياق الذي وقع فيه الكلام. وهو يربط ذلك بما صاغه التراث البلاغي في عبارتي: «لكل مقام مقال» و«لكل كلمة مع صاحبتها مقام».
وبذلك ينتقل التأسيم من سؤال:
«أين تنتهي الجملة؟»
إلى سؤال أكثر عمقًا:
«أين تنتهي الوحدة التي تحمل وظيفة دلالية أو تداولية مستقلة داخل الخطاب؟»
وهنا يصبح التأسيم أداة في تحليل الخطاب، لا مجرد وسيلة لتقطيع الجمل.
تاسعاً: نحو ضبط اصطلاحي
يمكن، بناء على ما تقدم، اقتراح تمييز اصطلاحي عملي:
المصطلح الوظيفة الأساسية
التقطيع تحديد الحدود في السلسلة اللغوية
التجزئة تفكيك الوحدة إلى مكونات أصغر
التقسيم تصنيف الوحدات بحسب خصائصها أو وظائفها
التأسيم استخراج الوحدات ذات القيمة اللسانية وتحديد طبيعتها ووظيفتها
ولا يعني هذا أن هذه الحدود الاصطلاحية نهائية أو ملزمة؛ فالاصطلاح اللساني العربي لا يزال يشهد تعددًا في المقابلات واختلافًا بين المدارس والمترجمين والباحثين. وتؤكد دراسات المصطلح اللساني العربي أن عملية نقل المفاهيم الحديثة إلى العربية ظلت مجالًا للتفاعل بين الترجمة والتعريب وإعادة بناء المصطلح.
خاتمة: حين نؤسّم اللغة لا نجزئها فقط، بل نكشف نظامها
إن قيمة التأسيم ـ إذا استُقر عليه بهذا المعنى ـ لا تكمن في أنه يضيف لفظًا جديدًا إلى المعجم اللساني العربي، وإنما في أنه يلفت النظر إلى الفرق بين قطع السلسلة اللغوية وبين اكتشاف وحداتها اللسانية.
فاللغة ليست حبات متناثرة تنتظر من يجمعها، ولا جدارًا ينتظر من يشقه إلى قطع؛ إنها نسيج من العلاقات، والوحدة فيه لا تستمد قيمتها من وجودها منفردة، بل من موقعها داخل النظام.
ومن هنا يمكن القول:
التقطيع يرسم الحدود، والتجزئة تفكك البنية، والتقسيم يصنف الوحدات، أما التأسيم فيبحث عن الهوية اللسانية للوحدة داخل النظام.
وهذا هو الفارق بين أن ننظر إلى اللغة بوصفها سلسلة من الأصوات والكلمات، وأن ننظر إليها بوصفها بنيةً حية تتولد قيمها من العلاقات.
ولعل أعمق ما يمكن أن يقال في هذا السياق أن اللغة لا تكشف وحداتها لمن يقطعها، وإنما لمن يفهم نظام العلاقات التي تجعل كل وحدة منها ما هي عليه.
وهنا يلتقي التراث النحوي العربي، في بعض إجراءاته التحليلية، مع الدرس اللساني الحديث عند نقطة جوهرية: ليست مهمة الباحث أن يجزئ اللغة فحسب، بل أن يكتشف النظام الذي يجعل من هذا التجزيء معرفةً.
***
بقلم: عماد خالد رحمة ـ برلين








