في رواية الفراغ للروائي محمد عيّاشين
يقول الكاتب الروائي محمد عياشين في مقدمة روايته معرّفا الفراغ: (ليس المقصود بالفراغ هنا ذاك التعريف البارد الذي تطرحه كتب الفيزياء والفلسفة، بل الفراغ هو ذلك الحيّز من الزمن الذي نعيشه بين مهامنا اليومية، في مكاتبنا، في الأسواق، في قاعات التدريس، أو حتى بين جدران منازلنا، ونحن نؤدي أعمالا تبدو اعتياديّة) ص 05. وهو لعمري، أول اعتداء ابداعي وتجاوز سردي من الروائي على حقّ من حقوق الناقد. وإذا كان الكاتب هو الذي يقوم بتفكّيك رموز عمله الإبداعي، بأسلوب مباشر أو غير مباشر، ويتقمّص دور الناقد لعمله، فماذا سيترك للناقد؟
سيميائية العنوان: العنوان هو عتبة النص الشعري والسردي، القصصي والروائي، تمارس وظائف تداوليّة وجمالية تفضي إلى تفكيك النص وتأويله. يكشف العنوان عن البنية العميقة لجمالية التلقي في ضوء سيميائية النص ودلالته وتوجّهاته. ويُنظر إلى العنوان كـ (سيميولوجيا) (علم العلامات) لا كجملة عابرة، بل كبؤرة رمزية تختزل مضمون النصّ وتوحي للقارىء، للوهلة الأولى، أنّه أمام عنوان مجازيّ اللغة، فلسفيّ المعنى، عنوان حمّال أغراض بلاغيّة. عنوان حدّد هوية النص وربطه بمتن معين. هدفه جذب انتباه القاريء وإثارة فضوله مما يجعله سحرا للكلمة الأولى. توجيه القاريء نحو أفق معين. كلمة، جملة فعلية، جملة اسمية، شبه جملة. العنوان هو المُولّد الفعلي لتشابكات النص، وبينهما علاقات جدلية؛ إذ يساهم العنوان في ضبط اتساق النص وانسجامه، ويعيد انتاج نفسه داخل المتن السردي أو الشعري.
سيميائية الفراغ:
الفراغ، ذلك الشعور العميق بالتحرّر من الواجبات والمسؤوليات نحو المجتمع. يوحي بالعدم بالعجز بالخمول. هو نعمة في حياة الإنسان السويّ، إذا أحسن استغلاله واستثماره واغتنامه لقضاء مشاغله وحاجاته. فهو نعمة مميّزة في حياة القاريء الشغوف بالقراءة والاطّلاع، وهو نعمة في يوميات الفلاّح الدؤوب على خدمة أرضه وبستانه، وهو أيضا نعمة في حياة الأمم الساعية إلى البناء الحضاري والتطوّر والازدهار وتشييد العمران، وبالمقابل، هو نقمة في حياة الإنسان المنحرف عن السيبل السويّ، كما قدّمه الروائي محمد عياشين في معماره السردي الروائي " الفراغ " الذي نحن بصدد دراسته. الفراغ لا تستسيغه الطبيعة الفطريّة السويّة، لأنّه هو الميدان الخصب الذي يغتنمه الشيطان لتفعيل وساوسه الماكرة، ويزيّن للإنسان سبل الانحراف ليكبّه على وجهه في الجحيم.
الفراغ، في هذا النص له حيّز اجتماعي ومنحى أخلاقيّ وبعد إنسانيّ وقد يأخذ أبعادا سياسيّة وإيديولوجيّة. فإنّ المجتمعات والأمم الغالبة، والتي سقطت أو اندثرت بعد فترة من القوة والمنعة والازدهار، إنّما كان من بين أسباب هذا السقوط، الفراغ وما أفرزه من تهافت على حياة الترف واللهو والانغماس في الملذّات.
من المشاهد الاجتماعية الدالة على ذلك لجوء الشباب إلى المقاهي والملاهي وتورّطهم في استهلاك المخدّرات والمتاجرة بها وممارسة الأفعال المنافية للدين والأخلاق والقيّم والعرف الاجتماعي. إنّ دلالات الفراغ تأخذ أبعادا فضفاضة في خضّم تصادم العلاقات الاجتماعيّة وتناقضاتها أو توافقاتها عبر تفاعلات كيميائيّة الزمان والمكان. فقد استثمر الشاعر السوري أدونيس، رمزيّة الفراغ في تشخيص الداء الذي تعاني منه الأمة العربيّة والإسلاميّة ووصف أحوالها الاجتماعيّة والسياسيّة. في قوله: " فراغ زمان بلادي فراغ ". ولم يعد الفراغ عند أدونيس، كما هو عند الروائي محمد عياشين، سلوكا فرديّا وقضيّة أحاديّة، بل أخذ مفهوم " الظاهرة " ومصطلح " النمطيّة " في النسيج الاجتماعي الوطني والقومي.
ثنائيّة الفراغ والجريمة: ولأنّ الروائي محمد عيّاشين يؤمن، انطلاقا من واقعه المعيش، ومعايشته له، وتجربته الحياتيّة، بأن الفراغ إذا استحكم في حياة الشباب، سيكون مرتعا للشيطان، الذي سيسوقهم، حتما، عاجلا أم آجلا، إلى الضلال والضياع والجريمة وممارسة الأفعال المخلّة بالقيّم الاجتماعيّة، لأنّ الطبيعة الإنسانيّة والفطرة السليمة لا تحتملان الفراغ، خارج دائرة الالتزام الأخلاقي، مهما كانت ألوانه ومقدّماته ومبررّاته.
في رسمه القاتم لملامح شخصيات روايته، الرئيسة والثانويّة، الجاهزة والناميّة، الحاسمة والثانويّة، عمد الروائي محمد عياشين إلى المزاوجة بين الفراغ والجريمة، ليأخذ الفراغ، في سيرورة أحداث الرواية، طابعا مأساويّا بحتا، ويتحوّل، من كونه سلوكا فرديّا، إلى ظاهرة اجتماعيّة سلبيّة ومدمّرة للعلاقات الإنسانيّة القائمة على الثقة والتكافل والتعاون على الأمر بالمعروف والنهي على المنكر، ويمسي، أيضا، سببا في تفكيك النسيج الاجتماعي الآمن وإضعافه وتخريب اللحمة العائليّة، حين يستحكم في الأنفس الضعيفة والمنهكة والمهلهلة، فيجرها إلى السجن أو إلى التطبّع بعادات سيئة، يصبح إصلاحها أمرا عويصا أو مستحيلا.
لقد قدّم لنا الروائي محمد عيّاشين نموذجا فاشلا لشخصيّة الإمام، من خلال شخصيّة ابنه المنحرف " كريم " الذي وقع فريسة للفراغ السلبي، الصفري، كون مرتبة الإمام في المجتمع هو رجل دين وصاحب رسالة دينيّة وتربويّة واجتماعيّة منوط به الإصلاح والنصح والإرشاد. للدلالة على إفلاس الخطاب الديني في بيئة تتحكّم فيها الأميّة وينخر عظامها الجهل، ويعربد بين شبابها الفراغ القاتل. إنّ فشل الإمام وإفلاسه في تربيّة ابنه وإبعاده من عالم الجريمة، وحماية المجتمع من أفعاله السيّئة، لا مبرّر له سوى التقصير عن أداء الواجب. وممّا يدل على ضعف الخطاب الديني وصف الكاتب للإمام في قوله: " إمامنا يقف على حلقة فتية تقامر على حافة الطريق " ص 41. وقوله أيضا: " حديث العام والخاص من المصلين في المسجد والمقاهي عن إمامنا الذي كثُرت غياباته، وعظمت الملامة عليه بأنّ ابنه كريم كان سببا في جرّ أبناء الأحياء إلى الانحراف ومجالسة رفقاء السوء " ص 36 / 37. إنّها صورة سلبية دالة على الإفلاس الأخلاقي للخطاب الديني التقليدي وضعفه وهامشيّته في زمن انتشار التواصل الرقمي وهيمنة الفضاء الافتراضي الأزرق وسرعة انتشار المعلومة بشكل فيه الكثير من الإغواء والإغراء.
ويصنّف الروائي محمد عيّاشين " الفراغ " ضمن الأسباب الرئيسيّة والمباشرة في لجوء فئة كثيرة من الشباب إلى إدمان عادات وسلوكيات مدمّرة للنفس والجسد معا كالإدمان على المخدّرات بكلّ أشكالها وعلى تصفّح مواقع التواصل الاجتماعي - التي تحوّلت إلى مواقع لنشر الرذيلة والفحشاء والتنابز بالأسماء الفاسقة والألقاب السيّئة والسخرية واللمز والهمز والقذف وغيرها من الأوصاف المشينة – وذلك بحثا عن المتع واللذات الظرفيّة ورغبة في استهلاك الوقت دونما فائدة دنيوية أو ثواب أخرويّ.
روى عبد الله بن عباس رضي الله عنهما عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: (اغتنم خمسا قبل خمس؛ شبابك قبل هرمك وصحتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك). إنّ اغتنام الفراغ، هو استثمار أوقات الراحة فيما ينفع قبل أن تكثر المسؤوليات وتراكم المشاغل. وسيسأل المرء يوم القيامة عن وقته فيما أنفقه، وعن فراغه فيما استثمره، كما يُسأل عن كلّ مراحل حياته.
وما انتشار المتاجرة بالمخدّرات واستهلاكها وتوسّع الجريمة العادية والسيبرانيّة، إلاّ صورة تعكس حجم " الفراغ " الذي عشّش في أذهان بعض شبابنا، الذين يعانون من داء البطالة والحاجة وضعف الوازع الديني والجهل وغياب الضمير الواعي. دون أن نبرىء السلطة السياسيّة والإداريّة وأهل الحلّ والعقد من المسؤوليّة الأخلاقيّة والإنسانيّة. وصدق الشاعر أدونيس حين قال:
فراغ زمان بلادي فراغ،
وتلك المقاهي،
وتلك الملاهي،
فراغ،
وهذا الذي ذُل في أرضه وأنكرها واستكانا،
ولوّث أنهارنا وربانا،
فراغ،
وذاك الذي ملّ من شعبه)*
المتأمّل للنص الروائي " الفراغ " للأستاذ الروائي محمد عياشين، يلاحظ اعتماد الكاتب على سرد الأحداث يجعل القاريء، يتفاعل إزاءها سلبا وإيجابا. يقدّم الكاتب شخصيّاته في أثواب ضحايا لوضع اجتماعي، مأساوي، ويحمّلها المسؤوليّة كاملة، نتيجة التقصير الأسري والاجتماعي والتربوي.
بنية الرواية تعكس الخلفية الاجتماعية، وتبرز جوهر الصراع النفسي في مضمونها، وصراع يتنازعه الخير والشر، لكنّ مهما طغى الشرّ على النفس، فإنّ الخير كان هو الغالب في نهاية أحداث الرواية بفضل توبة " كريم "، وعودته إلى جادّة الصواب، وإفراغ الفراغ من الشرّ وملئه بالخير. " صمد كريم، الابن الوحيد، التائب أمام هذه النكبة طيلة شهرين ليعزم على ملء الفراغ " ص 94. العائلة (الاب والام) شاركا باهمالهما تربية كريم في صناعة مصير ابنه. وكأنّ الروائي محمد عياشين أراد أن يقول: إن انحراف الأبناء ليس سلوكا منفصلا بذاته، بل هو سلسلة من المسؤوليات؛ مسؤولية الأسرة، مسؤولية المحيط الاجتماعي، مسؤولية المجتمع. السؤال المطروح: من هو المذنب الحقيقي؟ أو الابن الذي انحرف وارتكب الجريمة، أو الأب الإمام الذي أهمل تربيّة ابنه تربيّة سليمة رغم منصبه الديني والعلمي والاجتماعي؟ أم الأم التي كانت تتستّر على انحراف ابنها، مدفوعة بعاطفة الأمومة؟ وهكذا يقع " كريم " ضحيّة، مجنيّا عليه بسبب الإهمال الأسري، قبل أن يتحوّل إلى سجين، جانٍ، عقابا له على ما اقترفه في حقّ المجتمع من ذنوب وجرائم مهلكة.
جاء على لسان الإمام، معبرا عن ندمه ومسؤوليته: (قد حصدت ما زرعتُ..) ص 36
وقال أيضا معترفا بتفريطه في تربيّة ابنه كريم:
(أنا الطالح، فرّطت وتغافلت عن تربية أبنائي) ص 36
أمّا الزوجة (والدة كريم)، فقد اعترفت بالتقصير في تربيّة ابنها. جاء على لسانها: (أنا الشريك الأكبر، قصّرت في متابعة ومراقبة حضوره وغيابه، غلبتني الرأفة فأقدم له الطعام بعد منتصف الليل جون مساءلة، أن كنت؟ ولم تأخرت؟ ومع من كنت؟ ومن اشترى لك هذا الحذاء الفاخر؟) ص 36
وهكذا يحيلنا الروائي محمد عياشين إلى حقل فلسفيّ، تتجاذبه مفاهيم الحريّة والمسؤوليّة. فالابن " كريم " ورفاقه، قد زلّت بهم أقدامهم في وحل الحرام والممنوع تحت سقف الحريّة والفراغ، ناسين أو متناسين تبعة ذلك المنحى الشيطاني، الذي ساقهم وإلى انتهاك حقوق المجتمع وقيّمه النبيلة.
من خلال تيمة الفراغ، وضع الروائي محمد عياشين أصبعه على الأدواء التي أفرزها الفراغ. فالفراغ في الرواية لا يعبّر عن حيّز مكانيّ ملموس ومحسوس. بل تمدّد في اتّجاهات شتّى وتمطّى كليل امريء القيس. فأصبح فراغا دالا على ديمومة الغياب، وخلوّ الذاكرة، ونضوب العاطفة، ويباب النفس، وانعدام الشخصيّة. ممّا خلق توتّرا سيميائيّا بين عبثيّة الوجود والوجود العبثيّ في صيرورة الحياة الإنسانيّة وغايتها.
لم يبق العنوان محصورا في دلالته اللغويّة المباشرة، بل اكتسب علامة أيقونية (رمزية) تشير إلى ظاهرة تجريد المشهد الإنسانيّ من آليات الروح الإيجابيّة والقيّم النبيلة. إنّ مفهوم " الفراغ " في معمار الرواية، قد تجاوز معناه اللغوي، التقليدي ليكتسب معانيه المجازيّة والفلسفيّة والميتافيزيقيّة، كما هو معروف في سيمياء الصمت والسطور المنقوطة.
تحيل رواية " الفراغ " للروائي محمد عياشين القاريء الشغوف بالقراءة، والناقد الباحث عمّا وراء الألفاظ والعبارات والفقرات، كالفيلسوف المتطلّع إلى ما وراء الطبيعة، إلى عوالم الخلو والعدم والخمول والتخلّف والضياع، وهي عوالم تفضي إلى مساءلة الذات والمجتمع، وإلى تفعيل فلسفة الحريّة والمسؤوليّة وإعادة تعريفهما وترميم عناصرهما الهشّة في المجتمعات الرازحة تحت نير الجهل والتخلّف والعادات والتقاليد البائدة وترّهات الخرافات والأساطير.
ولم تكتف رواية " الفراغ " للروائي محمد عياشين بآليات سرد أحداثها ووصفها وتشخيصا فقط. بل منح القاريء والناقد كليهما مساحة للتفاعل التشاركي في مراقبة نمو الأحداث وسيرورتها الفطريّة (الطبيعيّة) أو الواقعيّة أو الحدسيّة. لقد منح بطل روايته (الشخصيّة الرئيسة) " كريم " مقود الأمل والنجاة من الهلاك. كما هو ظاهر في قوله:
(صمد كريم، الابن الوحيد التائب أمام هذه النكبة طيلة شهرين ليعزم على ملء الفراغ) ص 94.
الوقوف بعد هول السقطة، الصمود والتوبة النصوح وصحو الضمير ويقظة الوعي، بعد رحلة ضلال وضياع في يباب فلاة من سراب ظنّه كريم ماء، وعودة وإلى كنف الأسرة والمجتمع.
أقول، إنّ العنوان هو عتبة أيّ نص إبداعي، سواء أكان شعرا أو نثرا، قصيدة أو نصّ سرديّا. هو البوابة والممر الذي يفضي بنا إلى مضمون النص. لهذا كان العنوان، ومازال، وسيبقى، علامة بارزة في لفت انتباه القاريء، وربّما في إغرائه، ودفعه إلى اقتناء الكتاب، وإشعال شغف قراءته.
الفراغ، في هذا النص له حيّز اجتماعي ومنحى أخلاقي وبعد إنساني وقد يأخذ أبعادا سياسيّة وإيديولوجيّة. ولأنّ الطبيعة لا يوجد فيها فراغ، ولا تحتمل الفراغ، بل إنّ الفراغ له بعدان: إيجابيّ وسلبيّ، أي نعمة ونقمة. ومنهما انطلق الروائي محمد عياشين، في رسم شخصيات روايته، الرئيسة والثانويّة، الجاهزة والناميّة، الحاسمة والثانويّة...
يأخذ الفراغ في أحداث الرواية طابعه الاجتماعي المأساوي البحت. حين يجر ضحاياه إلى السجن أو إلى ممارسة عادات سيئة، تصبح عويصة الإصلاح. يقول الكاتب: (إمامنا يقف على حلقة فتية تقامر على حافة الطريق) ص 41.
وعندما يحاول الإمام الإصلاح، بمبدإ وقاعدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يتعرّض لاعتداء وحشيّ من فتية الفراغ والسوء والقمار. (في عصبيّة سبقت الكف السب والشتم لتسقط إمامنا على أرض الرصيف وعلى الفور ينقل إلى مستشفى المدينة، فيجبس الحوض بعد عمليّة جراحية وتبعده عن المسجد) ص 42. ليدخل المجتمع في فراغ أخلاقي نظير غياب اللإمام. وهنا يقف الكاتب محمد عياشين على ظاهرة العجز الأسري، والاعتداء على القدوة (الإمام)، هو ذروة الإفلاس التربوي في مجتمع تحكمه القيّم ويوجهه الوازع الديني. ويعتبر الإمام عروته الوثقى، وحبل اعتصامه بالقيّم النبيلة والأخلاق الساميّة.
كان هدف الروائي محمد عياشين من اختيار الإمام في هذا الموقف المأساوي، تفعيل رمزيّة بلاغيّة، وإثارة شغف السؤال لدى القاريء: ما مصير المجتمع الذي لا يقدّر قدواته الدينيّة والعلميّة والثقافيّة والأخلاقيّة؟
من المؤكّد، أنّ القاريء في خصمّ هذا السؤال الملغوم، أنه سيبحث عن الجواب في واقعه المعيش. هذا الواقع الذي رسمه الروائي محمد عياشين ثم بناه ثم أثثه بسلوكيات شخصياته ومواقفها.
البعد السيميائي لشخصيات النص:
اختار الكاتب بطله (كريم) ابن (الإمام) الذي (كان سببا في جرّ أبناء الأحياء إلى الانحراف ومجالسة رفقاء السوء) ص 37. للدلالة على عمق الأزمة (التأزّم) العلاقات الاجتماعية. ومسؤوليّة الخطاب الديني. فإذا عجز الإمام عن تربيّة ابنه، فما مصير الآخرين. والسؤال الذي يُطرح: لماذا فشل الإمام في تربية ابنه (كريم)، بينما هو الرجل القدوة في المجتمع، المنوط بالمسؤولية الاجتماعيّة، وهو ملجأ التائهين والمربّي " كريم " ابن الإمام، السيئ السلوك والسمعة، الذي جرّ شباب الأحياء إلى طريق السوء. لم يكن اختيار بطل الرواية أو الشخصيّة الرئيسة (كريم) اعتباطا، أو عاديا، أو صدفة، والكاتب الروائي، عادة، لا يكتب إلاّ إذا نضجت لديه التجربة الفنيّة السرديّة وفيض التفاعل، مثله كمثل الشاعر الذي تلزمه التجربّة الشعريّة التي يصاحبها الصدق الفنّي. إنّ العمليّة الإبداعية أعقد بكثير من العمليّة الجراحيّة على الأعصاب. لأنّها يحتاج فيها الأديب المبدع إلى تمثّل مجتمع إنساني بكامله؛ بأحاسيسه ومشاعره وردود أفعاله، ينتقل في النص الأدبي من زمن مضى إلى آخر حاضر إلى زمن مستقبل، ومن مكان إلى آخر، ومن بيئة إلى أخرى، بكل ما يحمله من مشاعر الفرح أو الحزن أو الأمل أو اليأس.
تطوّرت أحداث الرواية الفراغ بشكل دراميّ، مأساوي، لكنّ بطلها " كريم " لم يخرج من جحيم الفراغ فارغ الوفاض. فقد سارت الأحداث رويدا رويدا، لينجو البطل في آخر المطاف من الغرق والهلاك. (صمد كريم، الابن الوحيد التائب أمام هذه النكبة طيلة شهرين ليعزم على ملء الفراغ) ص 94.
كريم العائد إلى وعيه ورشده، العائد إلى قريته ومسقط رأسه وأرض أبيه وأجداده، خاطب أمّه بنبرة الحزم والعزم والطموح، قائلا:
" أمّي، سأنبت هنا، أنبت الزرع والشجر إن شاء الله، وسأحوّل أرضنا إلى غرس لم يعرفه الأولون، وجداول إلى مجار في كلّ الاتّجاهات، وسأعيد الأرجوحة إلى شجرة الخرّوب طويلة الأفنان، عريضة الأغصان، وسأكتب اسم أبي في بستانتي بحروف من الورود متعدّدة الألوان والأصناف " ص 95
الإمام، والد كريم، لم يشفع له منصبه الديني وهيبته الأخلاقيّة ومكانته الاجتماعية، كونه شخصيّة محوريّة ومؤثرة في واقعه. يسعى دائما لإلى إصلاح المجتمع، من خلال خطبه ونصائحه، ولكنّه فشل في تربيّة ابنه تربيّة مثاليّة وبناء أسرة نبيلة. هل هو رمز إلى فشل الخطاب الديني وحده في حفظ المجتمع من الآفات المدمّرة. وتنشئة النشء على مكارم الأخلاق. لقد الإمام فقد هيبته الدينيّة ومكانته الأخلاقيّة لدى أهل المدينة، وصار عرضة للهمز واللمز واللوم والعتاب والنقد. (الكلّ يُسخط ويلعن الإمام، كيف بإمام يريد إصلاح بيوت غيره، ويتجاهل ما في كانونه) ص 14.
فالمدينة كلّها تحمّله المسؤوليّة الأخلاقيّة، بحكم منصبه الديني فيها.
إنّ توظيف صورة الإمام بهذا الشكل فيه إيحاء بعجز الخطاب الديني في مجتمع محكوم بأغلال الجهل والأميّة والعادات المميتة.
يقول الإمام: (قد حصدت ما زرعتُ..) ص 36
(أنا الطالح، فرّطت وتغافلت عن تربية أبنائي) ص 36
زوجة الإمام (أمّ كريم): يقول شاعر النيل، حافظ إبراهيم في بيان دور الأم ومكانتها في الأسرة والمجتمع:
الأم مدرسة إذا أعددتها.. أعددت شعبا طيّب الأعراق.
الأم أستاذ الأساتذة الألى...شغلت مآثرهم مدى الآفاق.
فأم " كريم " أمّ مفرّطة، مقصّرة، تتحمّل مسؤوليّة انحراف ابنها، وتبعاته. وهي تعترف بذلك ولا تنكر مسؤوليتها، لكن بعد فوات الأوان، ووقوع الفأس على الرأس، كما يقال. (أنا الشريك الأكبر، قصّرت في متابعة ومراقبة حضوره وغيابه، غلبتني الرأفة فأقدم له الطعام بعد منتصف الليل جون مساءلة، أن كنت؟ ولم تأخرت؟ ومع من كنت؟ ومن اشترى لك هذا الحذاء الفاخر؟) ص 36
الأسرة: أقصد الأب والأم، شريكان في تربيّة الأبناء. شريكان في الربح والخسارة. شريكان في المسؤوليّة الأخلاقيّة. (كلّكم راع، وكلّ راع مسؤول عن رعيته...).
الاسرة هي المدرسة الأولى للطفل، أساتذتها الأم والأب.
البيئة: تدور أحداث الرواية في بيئة مدنيّة، حضريّة، بعد نزوج الإمام وأسرته إليها، ومغادرة قريته الآمنة.
أصدقاء كريم، ثلاثة هم: جعفر الملقّب (جعو)، نذير الملقّب (الغائب)، صهيب الملقّب (الساكت)،
الطاكسيور (صاحب سيارة أجرة): شخص جشع، محب للمال، صاحب معارف لدى فرق أمن الطرقات وشوارعها.
محفوظ القهواجي المتواطىء مع الولد بائع المخدّرات: الذي يحفظ أكياس المخدّرات ويساهم في تسويقها، وهو بمثابة وسيط بين الولد البائع وكريم ورفاقه الذين صاروا يتاجرون في بيع المخدّرات ترويجها في أوساط المجتمع.
كلّهم ضحايا التسرّب المدرسي. ضحايا الإهمال الأسري في بيئة حضريّة يستعبدها المال الحرام ويطوّقها الطمع والجشع للكسب غير المشروع.
لقد طرحت رواية " الفراغ " للروائي محمد عياشين سؤالا فلسفيّا من رحم الواقع المعيش، لا من الحقل الميتافيزيقي المبني على الخيال. والروايّة في حدّ ذاتها تجسّد مقولة (الأدب في خدمة المجتمع). رغم أنّ الأدب لا يمنح حلولا ومخارج للأزمات الاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والأخلاقيّة، لكنّه يؤدي دورا مهمّا ورسالة تنويريّة في خدمة المجتمع، في إطار مبدأ الالتزام لا الإلزام. إنّ المدرسة الواقعيّة لعبت دورا، ومازالت كذلك، في إيقاظ الوعي الاجتماعي لدى طبقة المثقفين وكشف أدواء المجتمع بمنهج نقدي، هدفها في ذلك بث روح التقويم والإصلاح ومحاربة الآفات المميتة بأسلوب واقعيّ، بعيدا عن الفلسفة العبثيّة والمنهج السرياليّ الغارقين في الغموض والغائيّة الميتافيزيقيّة.
وختاما، فإنّ روية " الفراغ " للروائي محمد عياشين، إضافة مميّزة للمعمار السردي الجزائري والعربي، لها مكانتها في المكتبات الوطنيّة العامة والمكتبات المدرسيّة، ليطّلع عليها القاريء الشغوف بالقراءة، ويستخلص من أحداثها العبرة السانحة والموعظة الحسنة.
***
بقلم الأستاذ: علي فضيل العربي / روائي وناقد جزائري
....................
هامش:
* مقطع من قصيدة " فراغ " للشاعر السوري علي أحمد سعيد (أدونيس).








