قراءات نقدية
عماد خالد رحمة: في إشكاليات التأويل والتقدير.. حين يتضخم النحو ويضيق المعنى
ليست اللغة نظاماً من العلامات فحسب، بل هي أفقٌ تأويليٌّ يتخلّق فيه المعنى بين ظاهر اللفظ وباطن القصد. ومن هنا نشأت في التراث العربي إشكالياتٌ دقيقة تتصل بـ التأويل والتقدير والإضمار، وبما اصطلح عليه النحاة من العلل الثواني والثوالث والأقيسة البعيدة؛ وهي أدواتٌ منهجية أراد بها العلماء صونَ النظام اللغوي، غير أنّها – حين تتجاوز حدودها – قد تُفضي إلى تضخيم البناء النحوي على حساب إشراق الدلالة.
أولًا: التأويل بين ضرورة الفهم ومخاطر الإسقاط
التأويل في أصله فعلُ عودةٍ إلى المآل، أي إلى ما يؤول إليه المعنى في سياق الخطاب. وقد أدرك البلاغيون – من مثل عبد القاهر الجرجاني – أنّ المعنى لا يُنال من مفرداتٍ مفصولة، بل من نظمٍ يُنشئ العلاقات بينها. غير أنّ التأويل حين يغادر مقتضى السياق، ويتحوّل إلى محاولةٍ لإخضاع النصّ لقواعد مسبقة أو تصوّراتٍ معيارية صارمة، يغدو ضرباً من العنف المعرفي.
فكم من تركيبٍ عربيٍّ سليمٍ في استعماله، أُثقِل بتأويلاتٍ بعيدة، لا لشيء إلا لأنّه خالف قياساً مشهوراً أو قاعدةً مستقرّة. وهنا يتجلّى التوتر بين “اللغة كما تُستعمل” و“اللغة كما تُنظَّر”. إنّ الخطر لا يكمن في التأويل ذاته، بل في تحوّله من أداةٍ لفهم النص إلى أداةٍ لإعادة تشكيله وفق قوالب ذهنية جاهزة.
ثانياً: التقدير والإضمار: اقتصاد اللغة أم إسراف الصناعة؟
العربية لغةُ إيجازٍ واحتشاد، وفيها من الحذف ما يدلّ على ثقةٍ بالسياق وذكاءٍ في المتلقّي. غير أنّ النحاة – حرصاً على استكمال البناء الإعرابي – لجؤوا إلى التقدير والإضمار لسدّ ما رأوه فراغاً نحويّاً. فصار في كثيرٍ من المواضع “محذوفٌ واجب التقدير”، و“ضميرٌ مستترٌ تقديره هو”، و“فعلٌ محذوف دلّ عليه السياق”.
ولا ريب أنّ التقدير ضرورةٌ في بعض المواطن، غير أنّ الإفراط فيه يُفضي إلى مفارقةٍ لافتة: نصٌّ موجزٌ في ظاهره، متضخّمٌ في باطنه، إذ يتكاثر فيه المحذوف والمقدَّر حتى يكاد يُثقِل بنيته الدلالية. هنا يغدو السؤال مشروعاً: هل كلُّ سكوتٍ في اللغة نقصٌ ينبغي ملؤه؟ أم أنّ الصمت أحياناً جزءٌ من البنية، لا خللٌ فيها؟
لقد وعى بعض الأصوليين – ومنهم أبو إسحاق الشاطبي – أنّ المقاصد تُفهم من مجموع الخطاب لا من تفكيكه الجزئي، وأنّ التقدير ينبغي أن يُراعى فيه مقصد المتكلم وسياق الحال، لا مجرد تمام الصناعة الإعرابية.
ثالثاً: العلل الثواني والثوالث: من التفسير إلى التبرير
نشأت فكرة العلّة في النحو متأثرةً بالمنطق، وبلغت ذروتها عند ابن جني في بحثه عن “علل النحو”. فبعد العلّة الأولى (كالتخفيف أو الثقل)، ظهرت عللٌ ثانية وثالثة لتفسير الظواهر اللغوية تفسيراً عقليّاً منسجماً.
غير أنّ تضاعف العلل قد يحوّل التفسير إلى تبرير، ويجعل القاعدة أصلًا والنصّ فرعاً، بدل أن يكون الاستعمال هو الأصل والقاعدة وصفاً له. وهنا تنشأ فجوةٌ بين المنطوق اللغوي ونسقه النظري؛ إذ يُستدعى التعليل لا لفهم الظاهرة، بل لحمايتها من الاستثناء.
إنّ كلّ علّةٍ تتجاوز حدود الضرورة الوصفية، وتتحوّل إلى بناءٍ افتراضيٍّ مركّب، إنما تُعبّر عن رغبة العقل في النظام أكثر مما تعبّر عن طبيعة اللغة نفسها؛ فاللغة كائنٌ حيّ، لا يستجيب دائماً لمنطقٍ صوريٍّ صارم.
رابعاً: الأقيسة البعيدة وإشكالية التعميم
القياس في العربية أداةٌ لتوسيع القاعدة، غير أنّ القياس البعيد – حين يُلحق ما لا يشبه بما يشبهه في الظاهر فقط – قد يُنتج أحكاماً تُباعد بين النصّ وسليقة الاستعمال. وقد نبّه سيبويه إلى أهمية السماع، وجعل له المقام الأعلى، غير أنّ بعض المتأخرين غلّبوا القياس حتى ضاقوا بالشاهد القليل إذا خالف المشهور.
إنّ القياس البعيد يُفضي إلى مفارقةٍ معرفية: فهو يسعى إلى توسيع النظام، لكنه في الوقت نفسه يُقصي التنوع اللغوي، ويُحيل الظواهر الشاذة – التي قد تكون أثراً لتطورٍ حيّ – إلى أخطاء ينبغي تأويلها أو ردّها.
خامساً: بين العقل النحوي وأفق الدلالة
تكشف هذه الإشكاليات عن صراعٍ خفيٍّ بين عقلٍ معياريٍّ يسعى إلى الاتساق، ولغةٍ حيّةٍ تميل إلى الاقتصاد والانزياح. فكلّ تأويلٍ مفرط، وكلّ تقديرٍ متكلف، وكلّ علّةٍ متراكبة، وكلّ قياسٍ بعيد، إنما يدلّ على خوفٍ من الفوضى أكثر مما يدلّ على فهمٍ لروح اللغة.
ولعلّ المخرج يكمن في إعادة التوازن بين الوصف والتقعيد، وبين السماع والقياس، وبين ظاهر النصّ ومقاصده. فاللغة لا تُفهم بفرض اكتمالٍ منطقيٍّ عليها، بل بوعي سياقاتها التداولية، وبتحريرها من وهم الانسجام المطلق.
خاتمة: نحو نحوٍ تأويليٍّ جديد
إنّ الحاجة اليوم ماسّةٌ إلى نحوٍ تأويليٍّ يراعي البعد التداولي، ويُعيد الاعتبار للسياق والاستعمال، دون أن يُفرّط بصرامة المنهج. نحوٌ يعترف بأنّ الحذف قد يكون دلالةً، وأنّ الشذوذ قد يكون أثرَ حياة، وأنّ القاعدة وُضعت لتصف لا لتقهر.
فاللغة، في نهاية المطاف، ليست معادلةً منطقية، بل كائنٌ رمزيٌّ يتحرّك في التاريخ، ويتنفس في الوعي، ويقاوم كلّ محاولةٍ لتحويله إلى هندسةٍ مغلقة. ومن هنا فإنّ مشكلات التأويل والتقدير والعلل والأقيسة ليست عيوباً في التراث، بل علاماتٌ على حيوية العقل العربي، بشرط أن تُقرأ قراءةً نقديةً تُحرّرها من تضخّمها، وتعيدها إلى وظيفتها الأولى: خدمة المعنى لا السيطرة عليه.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







