تضم مجموعة «غرفة تحت المياه» للقاص فؤاد ميرزا، الصادرة تحت عنوان فرعي هو «نصوص مختارة وقصص قصيرة جداً»، ثمانين صفحة، ويشتمل فهرسها على تسعة وأربعين عنواناً. وقد كتب تقديم المجموعة الدكتور برهان شاوي. ومنذ عنوانها، تضع المجموعة قارئها أمام فضاء سردي موحٍ، تتجاور فيه الغرفة بوصفها حيزاً داخلياً مغلقاً، والمياه بما تحمله من دلالات الحركة والعمق والتحول. وبين هذين العنصرين تتشكل عوالم فؤاد ميرزا، حيث تتداخل الذاكرة بالحلم، والواقع بالمخيلة، والتجربة الفردية بما يترسب في الوعي من آثار التاريخ والعنف والفقد. وتكشف النصوص، على اختلاف أطوالها وطرائق بنائها، عن كاتب ينظر إلى العالم من خلال تفاصيله الهامشية أحياناً، ومن خلال لحظاته الفاصلة أحياناً أخرى، باحثاً عن المعنى الكامن خلف المشهد الظاهر.
تتخذ الذاكرة في المجموعة موقعاً مركزياً، وتتحول من موضوع تستعيده الشخصيات إلى فضاء تتشكل داخله الحكايات. ففي قصة «الغرفة» يبدأ ميرزا من صورة ذهنية تتجاوز حدود المكان المألوف، إذ يتخيل غرفة داخل الجمجمة، لها جدرانها وفراغها وأشياؤها، ثم يصف علاقته بها قائلاً: «ذاكرتي هذه أشبه بغرفة فارغة ونظيفة لها ملمس كارتوني خشن» (ص 6). تجمع الصورة بين الفراغ والنظافة من جهة، والخشونة من جهة أخرى، وتمنح الذاكرة ملمساً مادياً، كأنها مكان يمكن دخوله والتجول فيه. وفي هذه الغرفة يستعيد الراوي الزمن والأرض وسلسلة الأجداد، ويتأمل شروط الوجود الإنساني واستمراره. ثم يعود إلى حادثة غرق تعرض لها في طفولته، ويصف إحساسه بالهبوط إلى طبقة سفلية من الوجود، في لحظة يتباطأ فيها الزمن وتتبدل علاقته بالأشياء. وهكذا لا تظل الغرفة استعارة للذاكرة فحسب، بل تصبح مختبراً للتفكير في الحياة والبدايات والمصير.
وفي «بيت في أقاصي الجنوب» تنتقل الذاكرة من الحيز الداخلي إلى المكان العائلي، عبر رحلة الراوي طفلاً برفقة أبيه إلى أقارب الأسرة في الجنوب. تتكون صورة المكان من تفاصيل الطريق والقرى والبيوت الطينية والوجوه والعجائز، ومن شعور الطفل بالغرابة أمام نمط حياة يختلف عما ألفه. وفي لحظة تأمل دالة يتساءل الراوي: «هل كانت تلك المدن حقيقة أم محض نسيج مخيلة طفولية؟ لا أعرف» (ص 10). لا يقتصر السؤال على التردد في دقة الذاكرة؛ إنه يكشف الطريقة التي يعيد بها الزمن تشكيل الأمكنة، حتى تصبح الواقعة القديمة مزيجاً من التجربة والصورة والانطباع. ويمنح النص الجنوب بعداً يتجاوز الجغرافيا، فهو مكان الجذور والقرابة، ومجال لاكتشاف الطفل عالماً لم يكن يعرف أنه جزء من تاريخه العائلي.
وتتخذ استعادة الماضي منحى أكثر التباساً في «العودة إلى البيت»، حيث يحضر البيت بوصفه صورة للانتماء والألفة، بينما يظل الوصول إليه مشروطاً بما يفرضه الحاضر من مسافة وفقد. يتصل هذا النص بمناخ المجموعة العام؛ فالماضي فيها حاضر بقوة، لكنه لا يعود كاملاً أو مستقراً، وإنما يظهر في صور متقطعة تستدعيها الذاكرة، ثم تترك الشخصية أمام إدراك ما تغير وما تعذر استرجاعه. ومن هنا تكتسب العودة معناها النفسي، إذ تصبح محاولة لاستعادة الذات عبر المكان الأول، واختباراً لما بقي من ذلك المكان في الوعي.
وتتجسد العلاقة بين الذاكرة والفقد في صورتها الأكثر إيلاماً في قصة «بردنامة». يستعيد الراوي بردنامة ووالدها مشكان، الخطاط الفيلي، من خلال تفاصيل العلاقة العائلية والعاطفية، ويقدم الأب بوصفه رجلاً يحيط ابنته بحب استثنائي. غير أن هذا العالم يتعرض لاختراق عنيف حين تُختطف بردنامة، ويُعتدى على والدها في ورشته. تأتي الفاجعة في سياق سياسي واضح، لكنها تُروى من خلال أثرها في حياة الشخصيات، وما تحدثه من انهيار في عالمها الخاص. يقول الراوي بعد أن يدرك ما حدث: «عرفت أن العالم لم يعد كما كان من قبل. تهدم إلى الأبد» (ص 16). وتختصر العبارة التحول الذي أصاب حياته؛ فالحادثة لا تنهي علاقة أو أملاً فحسب، وإنما تهدم تصوراً كاملاً عن العالم. وفي المقطع الختامي تتكثف صور بغداد الغارقة في الحزن، قبل أن ينتهي النص بعبارة «إكليل من شوك يطوق روحي!» (ص 17). هنا تتحول الذاكرة إلى ألم دائم، ويصبح وجه الغائبة حاضراً في الوعي بوصفه أثراً لا ينطفئ.
ولا ينحصر حضور التاريخ في «بردنامة»، بل يتخذ أشكالاً سردية متعددة في قصص أخرى. ففي «الباشا (الدار مأمونة) 1958» يستعيد الراوي مشاهد من بغداد في مرحلة مضطربة، من خلال عين الطفل الذي يتلقى الأحداث قبل أن يمتلك القدرة على تفسيرها سياسياً. وتكمن أهمية هذا المنظور في أنه ينقل التاريخ من مستوى الوقائع العامة إلى أثرها المباشر في الحياة اليومية والوعي الفردي. أما في «النبوءة» فيتخذ التاريخ هيئة أكثر تركيباً؛ إذ يتحول النهر إلى مستودع لآثار المدينة وذاكرتها. يلتقي الجريح على الضفة بمقذوفات الماء وما تحمله من حجارة وأصداف وبقايا وفتات كتب وعظام، فتغدو الأشياء علامات تستدعي وجوه بغداد وحروبها وكوارثها. ويستحضر النص وقائع تاريخية، منها اجتياح تيمورلنك والطاعون، لتتجاور الأزمنة في مشهد واحد. النهر هنا أكثر من خلفية للأحداث؛ إنه ذاكرة المدينة المادية، يحتفظ بما طمرته الأيام، ويعيده إلى سطح الحكاية في هيئة رموز ومشاهد.
وتتخذ العزلة شكلاً يومياً هادئاً في قصة «النافذة». يقدم الكاتب راوياً يعيش في مدينة لا يعرف فيها أحداً، ولا يعرفه أحد، باستثناء عجوزين يراقبانه من نافذة بيتهما كلما دخل أو خرج. يتكرر المشهد حتى يصبح وجودهما جزءاً من إيقاع حياته، ثم يغيبان فجأة بعد نقل أحدهما إلى المستشفى وإغلاق النافذة. عندئذ يكتشف الراوي قيمة تلك العلاقة الصامتة، ويقول: «ما عرفني في هذه المدينة غير العجوزين» (ص 28). تقوم القصة على مفارقة إنسانية دقيقة؛ فالعجوزان لا يتحدثان إلى الراوي، ولا تربطهما به علاقة مباشرة، لكن مراقبتهما المتكررة تمنحه شعوراً بأنه مرئي في مدينة مجهولة. وعندما تختفي النافذة، تنكشف وحدته على نحو أشد قسوة. بهذا الاقتصاد في الحدث، ينجح النص في تحويل تفصيل معماري صغير إلى صورة عن حاجة الإنسان إلى الاعتراف والأنس.
وفي قصة «عودة» يستثمر ميرزا فضاء محطة القطار، بما فيه من أرصفة باردة وساعات متوقفة وواجهات مغلقة، ليبني إحساساً بالانتظار والاغتراب. وتدخل ذاكرة العامل الذي مات في مخيم «خليج الجنوب» في نسيج المشهد، فتتصل تجربة الراوي بمصير إنسان غريب انتهى وحيداً، من دون أن تترك وفاته أثراً واضحاً لدى الآخرين. ويغدو المكان، بما يختزنه من وجوه وأحداث، فضاءً تتراكم فيه صور الفقد، فيما يظل الانتظار معلقاً بين الرحيل والعودة. إن المحطة في هذا النص ليست مجرد مكان عبور، وإنما صورة لحياة فقدت وجهتها الواضحة.
ويفتح ميرزا في عدد من قصصه باباً واسعاً للغرائبي، من دون أن يقطع صلته بالتجربة الإنسانية. ففي «كل شيء أخضر» تنطلق الحكاية من حالة نادرة من الصرع تجعل الجسد يبدو ساكناً كأنه ميت، ثم تتسع الفكرة عبر ما يحيط بالشخصية من اعتقادات وحكايات عن الموت والعودة إلى الحياة. ويولد الغرائبي هنا من منطقة ملتبسة بين الجسد والوعي، وبين ما يمكن تفسيره وما يظل مفتوحاً على الخرافة والتأويل. أما «أهل الكهف» فينقل هذا الالتباس إلى عالم حلمي تتداخل فيه الأمكنة داخل الرأس. يقول الراوي: «الخيمة في مصباح، والمصباح في زجاجة، والزجاجة هي رأسي» (ص 47). تتأسس الصورة على انتقال المكان من مستوى إلى آخر، حتى يصبح الرأس حيزاً يحتوي عالماً كاملاً، فيه ثلاثة من البدو حول نار، يتحدثون في أمر لا يعرف الراوي حقيقته. وتكشف هذه البنية عن مخيلة لا تتعامل مع الواقع بوصفه حدوداً ثابتة، بل مادة قابلة للتحول وإعادة التشكيل.
وفي «العنكبوت» تنشأ الغرابة من علاقة تأملية بين الإنسان وكائن صغير يشاركه الغرفة. يراقب الراوي العنكبوت، ويتخيل ما يدور في وعيه، ثم يقول: «يفكر بي كفريسة، أما أنا فكنت أفكر به كأخ أبنوسي من أعماق التاريخ» (ص 53). تتولد المفارقة من اختلاف نظرة كل منهما إلى الآخر؛ فالعنكبوت يرى فريسة محتملة، بينما يمنحه الإنسان صلة قرابة موغلة في الزمن. وبذلك ينتقل النص من مشهد المراقبة إلى تأمل في علاقة الكائنات بعضها ببعض، وفي ميل الإنسان إلى إسقاط مخيلته على العالم المحيط. وتأتي قوة النص من قصره ومن قدرته على بناء دلالة واسعة انطلاقاً من موقف محدود.
وتتعدد طرائق الغرائبي في نصوص أخرى، مثل «الوطواط» و«القلب المسحور» و«المراهقة والساحر» و«الغيمة». ففي هذه الأعمال تنفتح الحكاية على التحول والدهشة، وتتغير العلاقة بين المألوف وغير المألوف بحسب طبيعة الشخصية والموقف. وفي «الغيمة» تحديداً تتحول الغيمة إلى كائن يمتلك خيالاً طفولياً وقدرة على تبديل هيئته، فينشأ عالم من التحولات المتتابعة التي تستمد طاقتها من اللعب والمرح. وعلى الطرف المقابل، تمنح نصوص مثل «رجم» هذه المخيلة وجهاً قاسياً؛ إذ يصور الكاتب جماعة ترمي القطط والكلاب السائبة في النهر، وتواصل إيذاءها بالحجارة والعصي وسط الضحك. ويكشف المشهد عن قسوة تتجاوز مصير الحيوانات إلى مساءلة الحس الأخلاقي لدى الإنسان، حين يصبح تعذيب الكائن الأضعف مادة للتسلية.
أما النصوص القصيرة جداً، فتمنح المجموعة إيقاعاً مختلفاً، وتكشف عن قدرة الكاتب على بناء الحكاية من لحظة واحدة أو تفصيل عابر. ففي «كتب» تتشكل المفارقة من مصير مكتبة شاعر اضطر إلى التخلي عن كتبه لتصبح وقوداً لتدفئة غرفة طفل رضيع. تتقابل هنا قيمة الكتب بوصفها حصيلة عمر ثقافي، مع الحاجة المادية المباشرة التي تفرضها الحياة. وفي «زيدان» تتحول عادة البكاء إلى مشكلة مع الجيران، فيضطر زيدان إلى خفض صوت حزنه مراعاة لهم، مع احتفاظه ببكاء واحد لنفسه بصوت مروع. تقوم القصة على مفارقة ساخرة تكشف التناقض بين حزن الفرد وراحة الجماعة، وبين ما يسمح المجتمع بإظهاره وما يضطر الإنسان إلى إخفائه.
وفي «مهاجر» تتجسد تجربة الاغتراب في مشهد اختيار الحقائب قبل السفر. يحمل الرجل ملابسه وأغطية تقيه البرد، كما يحمل مكتبته الصغيرة وأوراقه ورسائله، ثم يجد نفسه مضطراً إلى الاختيار بين ما يحمي جسده وما يحفظ صلته بحياته السابقة. وتنبع قوة النص من أن القرار يبدو عملياً في ظاهره، لكنه يحمل خسارة رمزية عميقة؛ فالتخلي عن الكتب يعني التخلي عن جزء من الهوية التي رافقته في رحلته. أما «تمر في السماء» فيعيد القارئ إلى طفولة محاصرة بالعنف العسكري، حيث تتقاطع مخيلة الطفل مع مشهد الطائرات والرصاص، وتنتهي الحكاية بمشهد موت شديد القسوة: «وفي فراشه رُسمت خريطتان: واحدة من دم حول عنقه، والأخرى من البول حول ساقيه!» (ص 73). وتكشف هذه النهاية عن قدرة الكاتب على تكثيف فداحة الحدث في صورة جسدية لا تحتاج إلى تعليق، كما تجعل جسد الطفل وثيقة تختزن عنف التاريخ.
ومن خلال هذه النماذج، تتضح ملامح البناء الفني في المجموعة. فميرزا لا يلتزم شكلاً قصصياً واحداً؛ إذ تتجاور النصوص التي تعتمد الامتداد وتراكم المشاهد، مثل «بيت في أقاصي الجنوب» و«النبوءة»، مع نصوص تقوم على موقف محدود أو مفارقة ختامية، مثل «النافذة» و«العنكبوت» و«زيدان». كما تتكرر الانتقالات بين الحاضر والماضي، وبين اليقظة والحلم، بحيث لا تكون الذاكرة مجرد استرجاع زمني، وإنما وسيلة لتنظيم الرؤية وتغيير معنى الحدث. وفي عدد من القصص تؤدي النهاية دوراً حاسماً؛ فهي تعيد إضاءة ما سبقها، أو تكشف عن دلالة كانت كامنة في التفاصيل، أو تترك القارئ أمام سؤال يتجاوز الحكاية المباشرة.
وتنبع شعرية اللغة من اعتماد الصورة الحسية، ومن قدرة الكاتب على نقل المعنى النفسي إلى مشهد ملموس. فالغرفة تتحول إلى شكل للذاكرة، والنهر إلى سجل للمدينة، والنافذة إلى علامة على العزلة، والحقائب إلى صورة للهوية المهددة في المنفى. وتكتسب الجملة قوتها من هذا التداخل بين المحسوس والمجرد، ومن الجمع بين عناصر متباعدة في صورة واحدة. وتظهر هذه السمة بوضوح في النصوص القصيرة، حيث تصبح الكلمة والصورة والنهاية عناصر متضافرة لإنتاج الدلالة، بينما تتسع اللغة في القصص الأطول لتحتضن المشاهد والوجوه والتفاصيل التي تمنح العالم السردي كثافته.
إن «غرفة تحت المياه» مجموعة تتشكل وحدتها من تعدد عوالمها، ومن عودة نصوصها إلى الإنسان وهو يواجه الذاكرة والفقد والعنف والعزلة. يكتب فؤاد ميرزا عن الطفولة بوصفها طريقة في الرؤية، وعن التاريخ كما يترك أثره في الأجساد والبيوت والمدن، وعن الغرائبي باعتباره احتمالاً كامناً في تفاصيل الحياة. وتكشف قصصه، الطويلة والمكثفة، عن حساسية سردية تمنح الصورة دوراً أساسياً في بناء المعنى، وتترك للنهاية مهمة توسيع أثر الحكاية بعد انتهائها. ولعل عنوان المجموعة يلخص جانباً من هذا العالم؛ فالغرفة هي الداخل الذي تختزن فيه الذات صورها وتجاربها، والمياه هي الذاكرة المتحركة التي تغمر تلك الصور وتعيدها إلى السطح في لحظات غير متوقعة. وبين الغرفة والماء يكتب ميرزا عالماً يظل فيه الماضي حياً، لا بوصفه زمناً انقضى، بل بوصفه أثراً يواصل تشكيل الحاضر.
***
بولص آدم








