عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قراءات نقدية

عبد النبي بزاز: ميزات الاختلاف والتجديد في ديوان "المسام"

يتميز ديوان " المسا م " للشاعرة السورية إيناس أصفري بالعديد من العناصر والموضوعات التي تُسْهِم في إغناء متنه، وتنويع أساليبه. كعنصر الاتحاد، والتحول، والغرائبية التي تثري النصوص فتكسبها عمقا ورحابة وانفتاحا. فضلا عما تتضمنه من خاصيات بلاغية وإيقاعية، وصور ذات أبعاد جمالية ودلالية، و ما يطبع أساليبها وتعابيرها، أحيانا، من صيغ ومعاني ذات نزعة غرائبية.

فبالنسبة للإيقاع اعتمدت رَوِيّ الراء في أول مقطع من الجزء الموسوم ب " نصوص قصيرة... في الحب " حيث نقرأ: " أَيْقِظْ فيّ الشعور أكثرْ... / زيتونا وزعترْ/ بعيدا عن الشكل / جوهرْ... " ص4، كجَرْس خارجي، وقافية مُشَكّلة من النون والياء في مقطع " عند اللقاء ": " لا شيء يمنعني / لا شيء يوقفني... " ص19، وآخر داخلي تجلى في تكرار نفس الحرف و المتمثل في الكاف: "بأن أكتبكْ / فأكتبكْ... / بحلة البحر أُزَيُّنكْ... " ص24، في تناوب مع نبرة خارجية يجسدها حرف الهاء الذي تنتهي به الجمل في: " بتوضيب إحساسه / بتقليم أهدابه / بتقليب أسبابه / بتنظيم ضرباته ... " ص45،بما خلقه من تجانس وتناغم مع حرف الباء. وفي تنويع للحروف حيث تبرز الكاف في: "أخبرتُكَ / كم أحبُّكَ / وكم أريدكَ... " ص62، والقاف في: " والنهار أمهق / أيهما أدَقّ " ص51، وما لها من تأثير على السمع بما تثيره فيه من وْقع مثيرومؤثر، وهو ما يضفي على العبارات نبرة موسيقية تدرأ عنها الطابع النثري في استرساله وتقريريته. وإغناء لأسلوب المتن الشعري تم استعمال عناصر بلاغية من قِبَل التشبيه مقترنا بالأداة ( الكاف ): " وضعتُ قلبي / في مهب الريح / فطار كريشة..." ص11، أو (مِثْل) في قولها: " قلبي كثيف / مِثْل غابة... " ص5، مع حضور باقي عناصر التشبيه من مُشَبَّه، ومُشَبَّه به، مما يخلع على الأسلوب جمالية في التعبير، ورحابة في المعنى، وهو ما يتجلى كذلك في عناصر أخرى مثل الجناس الوارد في قول الشاعرة: " هذا العالم ليس / العالم إلا قلب حبيبْ " ص5، في اقتران العالم بالنفي وانفصال عنه، وفي قولها: " أصير قافية تعيد وتعيد / حروف اسمه..." ص8، بصيغة تروم، إلى جانب معناها البلاغي، الإثبات والتأكيد. ومن " التيمات " الواردة في الديوان " تيمة " الاتحاد كما نقرأ في: " كفك وكفك / مربوطان بحبل / واحد / مشدودان / للقلب... " ص43، فيما يربط الكف بالكف من حبل متين يوثق صلتهما بقلب يوحدهما فيندغمان في أليافه، ويتواشجان. فالاتحاد، كمفهوم، مستوحى من نظرية صوفية حيث تلتئم الأرواح، وتتوحد عبر مكابدة نفسية تنشد بلوغ مرحلة الانصهار والذوبان، وهو ما تشير إليه كذلك في قولها: " لو أنني هناك / أذوب في سحره / ألامس سر حسنه... " ص85، و" تيمة " التحول في أشكال يتحول فيها الشاعر إلى قافية: " أصير قافية... " ص8، والقلب إلى نافذة: " إلا القلب الذي / قد أمسى نافدة... "ص49، وتحوّل الروح إلى شفتين تزهر قُبلة تطوق العاشق، وتحاصره: "ستصير روحي / شفاها / تحيط بك كلك / قُبْلة... " ص22. والغرائبية ك " تيمة " تتمثل في أنسنة الكرسي: " تَنَفَّس الكرسي / فأعشب... / نبتت للكرسي/ أجنحة بيضاء.../ أسند ظهره / على الجدار/ وبكى... " ص36، فالكرسي كنوع من الأثاث الجامد تخلع عليه الشاعرة صفات إنسانية؛ من تَنَفُّس، وامتلا ك ظهر يسنده على جدار، والتعبير عن حزنه بالبكاء، وأخرى عجائبية، بحيث تصير له أجنحة تتيح له القدرة على الطيران والتحليق، وصفات نباتية تتمثل في إنتاجه للعشب. غرائبية تتوالى تجلياتها فيما ينجم عن دور الموسيقى والعزف على آلة كالكمان من إنبات الشجر والعشب، في موازاة وتقاطع مع صخب الحرب وجلبتها: " أعزف على الكمان / ينبت من كل الأنحاء / شجر وعشب / وفي الجهة الأخرى / تعلو أكثر فأكثر ضوضاء حرب " ص66.

وانتهجت الشاعرة أساليب مختلفة في الكثير من العبارات والتعابير، مثل: " فهاهو سَيَمْشيكَ... " ص18، بحيث يسند فعل المشي للمخاطَب بدل المتكلم، وهو ما يخرج عن دائرة الشائع والمُتَّبَع، و في تكرار إسناد فعل الأخذ للمخاطَب كذلك في القول: " خُذْني إليك... " ص61. وهي أساليب تعبير بنزعة مختلفة تشوش تعاطي القارئ، وتخلخل ثوابت قناعته إزاء منتوج شعري في هكذا صيغة وأسلوب. مما يقودنا إلى صُوَر تنحو هي الأخرى منحى مختلفا في طرائق التصوير والتشكيل، مثل استلقاء، وتمدد الشمس على خَدّ جُلَنّار، وهو لفظ فارسي الأصل يعني زهر الرمان: " شمس / استلقت على خد الجُلَنّار... " ص10، وما يطبعه من تصوير يتضمن استعارة الخد ل (الجلنار): زهر الرمان، وارتداء اليدين بدل الفساتين التي يتم التخلي عنها، واستبدالها باليدين كرداء ولباس: " وسأرمي الفساتين كلها / لأرتدي يديك... " ص21، وطلوع نور الصبح، وإشراقه في البشر عِوَض الأفق: " وفينا جميعا / كان يشرق صبحه " ص30، وبدل أن تهطل الغيمة مطرا تنثر زهورا: " تَبِعتْني غيمة / وأمطرت فوقي زهورا... " ص34، وارتداء الشخص كمعطف لاختلاجات النفس، وما تمور به من مشاعر وأحاسيس: " وأرتديك معطفا / لاختلاجاتي... " ص79. وكلها صور شُكِّلَتْ ونُحِتَتْ، بأسلوب مغايِر ومختلِف. كما عمدت الشاعرة، في بعض تعابيرها، إلى استخدام أسلوب رومانسي يمتح من عناصر محيط طبيعي كالورود، وشدو العصافير والطيور التي يغلفها لحن لا يخلو من مسحة حزن وكدر أحيانا: " لكن في الورد أراك / وفي لحن شجو لحن أسمعك... " ص6، و ما يُخلِّفه من متعة في الرؤية، بهجة في النظر من خلال ما تنعم به من معاينة لشكل الورد وجماله، وما تلتقطه الأذن، ويصخي إليه السمع من شدو مُطْرِب للطيور، وإن كان مشوبا ببعض الغم والأسى. فهذه الورود التي تكتسح الشفتين فتلهج بروعة بهائها، وصفاء نضارتها، وسحر ألوانها. ومن نفس المعجم تسحتضر وتستقي عناصر أخرى، مثل الفراشات، وشذى الأزهار، وطيب عطرها: " قلبي فراشات... / وعطور أزهار... " ص10، في تشبيه القلب بها، وما يمكن أن تُلَوِّن الوجنتين من حمرة مصدرها الورد: " من سيخضب وجنتيك / بحمرة الورد... " ص31.

لنخلص إلى أن ديوان " المسام " في جزئه الأول المكون من أقسام تتضمن مقاطع تختزل وتُعَبِّر عن تجربة تروم التجديد والتغيير في أساليب نصوصه اعتمادا على قواعد الشعر الإيقاعية والبلاغية عن طريق ِصيَغ وحُلَل مختلفة من خلال ابتكار صُوَر تشذ عما هو مُتَّبع وشائع من أدوات وطرائق التصوير والتعبير بخلخلة أنظمتها، وتغيير يمس عمق بُناها، و نظام تركيبها، فضلا عما تطرحه من مواضيع، وما تستخدمه من عناصر و"تيمات " تمنحها ميزات وخاصيات شعرية غير مسبوقة وغيرمعهودة.

***

عبد النبي بزاز

.....................

- ديوان المسام إيناس أصفري ـ دار منشورات خريف / تونس 2024.

 

في المثقف اليوم