- هل تبقى للمثقف العضوي مكانة حقيقية في مجتمع لا يهيئ الشروط الضرورية لإنتاج الفكر، ولا يفتح فضاء رحبا للتفكير الحر، والتعبير عن الرأي، والحوار، والاختلاف، والمناقشة، والحريات الفردية، وحرية الإعلام؟
فالمثقف كما تعلمون لا يعيش خارج شروط مجتمعه، ولا يستطيع أن يؤدي دوره بوصفه وعيا نقديا، إلا في بيئة تعترف بالعقل، وتحمي حرية السؤال، وتتيح للاختلاف أن يكون سبيلا إلى المعرفة، لا ذريعة للإقصاء. إذ كيف يمكن لفكر ناضج أن يتكون في فضاء تحاصر فيه الأسئلة قبل أن تناقش، وتخشى فيه الأفكار قبل أن تختبر، وينظر فيه إلى الاختلاف بوصفه خروجا على المألوف، لا ضرورة من ضرورات التطور؟
إن إنتاج الفكر هو أحد الشروط العميقة لإنتاج التحول الاجتماعي. فالمجتمعات لا تتغير فقط بما تمتلكه من موارد ومؤسسات، وإنما بما تنتجه من أسئلة وأفكار، وبما تملكه من قدرة على مراجعة مسلماتها، ونقد واقعها، واستشراف مستقبلها.
ومن هنا تبدو مأساة المثقف في المجتمع المغلق أكثر تعقيدا، أن يطلب منه أن يكون صوت الوعي، بينما تضيق المساحة التي يمكن أن يسمع فيها صوته، وأن ينتظر منه أن يؤسس لأسئلة المستقبل، بينما يدفع باستمرار إلى الدفاع عن حقه في طرح السؤال نفسه.
فهل يستطيع المثقف أن يكون فاعلا في صناعة التحولات المصيرية، إذا كان المجتمع قد حرم أصلا من شروط التفكير الحر؟
أم أن أول أدوار المثقف، في مثل هذا السياق، أن يقاوم هذا الحرمان ذاته، وأن يحافظ على جذوة السؤال حية، حتى لا يتحول الصمت إلى ثقافة، والجمود إلى قدر، والخوف إلى نظام دائم للوعي؟
- هل أزمة المثقف اليوم هي عجزه عن تغيير المجتمع، أم عجز المجتمع عن احتمال مثقف يحاول تغييره؟
وإذا كان المثقف لا يستطيع أن يقول ما يعتقده، فهل يظل مثقفا، أم يتحول إلى مجرد منتج للكلام؟
- هل يمكن أن يكون المثقف عضويا إذا كان انتماؤه الحقيقي إلى السلطة أو الجماعة أو الجمهور، لا إلى الحقيقة؟
ماذا يبقى من المثقف حين تصبح الحقيقة أقل جاذبية من الوهم، ويصبح التبسيط والتفاهه أكثر انتشارا من التفكير؟
هل وظيفة المثقف أن يعبر عن وعي المجتمع، أم أن يزعج هذا الوعي ويفكك أوهامه؟
إذا كان المثقف يخشى خسارة جمهوره، فهل يستطيع أن يمارس دوره النقدي، أم يصبح أسيرا للرضا الجماهيري
- هل المثقف الذي يكرر ما يريد الناس سماعه أكثر تأثيرا، أم أكثر خطرا على المجتمع؟
عندما يصبح الصمت وسيلة للبقاء، هل يكون صمت المثقف حكمة، أم خيانة لدوره؟
هل يمكن للمثقف أن يكون حرا في مجتمع لا يتسامح مع الاختلاف، أم أن الحرية تبدأ تحديدا من مقاومة شروط القمع؟
- ماذا يعني أن يكون المثقف "عضويا" في عصر أصبحت فيه الجماهير تصنع وعيها عبر وسائل التواصل، لا عبر المؤسسات الثقافية والفكرية؟
- هل فقد المثقف سلطته لصالح المؤثر أم أن المجتمع استبدل سلطة الفكرة بسلطة الحضور والصورة؟
- إو ذا أصبح عدد المتابعين معيارا للتأثير، فهل ما زال المثقف مطالبا بإنتاج المعرفة، أم أصبح مطالبا بإنتاج ما يضمن له المتابعين؟
- هل المثقف الحقيقي هو من يملك الإجابات، أم من يمتلك الشجاعة على إعادة صياغة الأسئلة التي اعتاد المجتمع أن يعتبرها محسومة؟
- ماذا يفعل المثقف حين يصبح الجهل أكثر ثقة من المعرفة، والتعصب أكثر حضورا من العقل؟
- هل يمكن للمثقف أن ينحاز إلى الناس دون أن ينحاز إلى أوهامهم؟
- إذا كان المثقف لا يملك سلطة سياسية أو اقتصادية، فمن أين يستمد قدرته على المقاومة: من المعرفة، أم من الضمير، أم من استقلاله؟
- هل المثقف الذي يتكيف مع شروط عصره يحافظ على وجوده، أم يفقد بالضبط الشيء الذي يمنحه معنى وجوده؟
- أين تنتهي مسؤولية المثقف عن المجتمع، وأين تبدأ مسؤولية المجتمع عن حماية مثقفيه؟
- هل يحتاج المجتمع إلى المثقف لأنه يحتاج إلى الحقيقة، أم لأنه يحتاج أحيانا إلى من يمنحه شرعية فكرية لما يؤمن به مسبقا؟
هذه التساؤلات ما زالت مفتوحة، وربما لا تكمن قيمتها في أن نجد لها اجابات، بل في أن نمتلك شجاعة طرحها والرد عليها بكل موضوعية لأن قيمة المثقف في قدرته على أن يرى ما يعجز الآخرون عن رؤيته، وأن يقول ما يخشى الآخرون قوله، وأن يظل وفيا للحقيقة حين يصبح الانحياز إليها مكلفا.
***
ابتهال عبد الوهاب








