عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

قضايا

مصطفى غلمان: شرقٌ جماعي وغربٌ فرداني أمام سؤال الطفل الرقمي

يفتح قرار المجلس الدستوري الفرنسي القاضي بعدم دستورية الحظر العام لشبكات التواصل الاجتماعي على من هم دون الخامسة عشرة نافذة أوسع بكثير من حدود النزاع القانوني المباشر. فالقضية في عمقها لا تتعلق فقط بسنّ الولوج إلى المنصات، ولا بحدود سلطة الدولة في حماية الأطفال، وإنما تكشف عن مسالة جوهرية تتعلق بمدى إمكانية مجتمعات مختلفة في تاريخها وثقافتها وبنيتها النفسية والأخلاقية صياغة القاعدة نفسها لعالم رقمي واحد.

 لقد دخلت البشرية الفضاء الرقمي وهي تحمل معها اختلافاتها القديمة، غير أن التكنولوجيا بدت في بدايتها كما لو أنها قادرة على محو الحدود الثقافية وصناعة فضاء كوني محايد. لكن السنوات الأخيرة كشفت العكس تماما، حيث إن الشبكة واحدة، فيما تختلف علاقتنا بها؛ والمنصة قد تكون ذاتها، لكن دلالتها الاجتماعية والنفسية والسياسية ليست واحدة في كل مكان.

ولتعزيز تصورنا، نقول إن المقاربة المقارنة هنا بين الشرق والغرب تكتسب مشروعيتها، شرط ألا تتحول إلى ثنائية تبسيطية تجعل الغرب فضاءً للحرية والشرق فضاءً للوصاية، أو تجعل الأول نموذجاً للحداثة والثاني كتلة ثقافية مغلقة. فالشرق والغرب ليسا جغرافيتين صامتتين، وإنما تاريخان مختلفان في إنتاج الفرد والأسرة والسلطة والجسد والخصوصية، والطفولة، وحتى مفهوم الحرية نفسه. 

في هذا المنحى، تكشف قضية شبكات التواصل الاجتماعي عن أحد أبرز الاختلافات الكامنة في الخلفية الفلسفية للتشريعات الرقمية. ففي التجربة الليبرالية الغربية نشأ مفهوم الحقوق حول الفرد باعتباره وحدة قانونية مستقلة، قادرا على امتلاك حقوقه في مواجهة الدولة والمجتمع والأسرة. ومن ثم فإن حماية الطفل تتقاطع بالضرورة مع الاعتراف التدريجي بطفولته كمرحلة تتمتع بحقوق مستقلة، ومع الحذر من أن تتحول الحماية إلى وصاية دائمة أو إلى مصادرة مبكرة للاستقلال الفردي. أما في كثير من المجتمعات الشرقية، فتظل الأسرة والجماعة وشبكة العلاقات الاجتماعية أكثر حضورا في تعريف الفرد لنفسه ولموقعه في العالم.

إن الطفل في هذا السياق، لا يظهر دائما بوصفه "فردا قانونيا مستقلا" فحسب، وإنما بوصفه عضوا في بنية أسرية واجتماعية وأخلاقية أوسع. ولذلك قد يُنظر إلى تدخل الأسرة في الحياة الرقمية للقاصر باعتباره امتداداً طبيعياً لمسؤوليتها التربوية، بينما قد يُقرأ التدخل ذاته في بعض التصورات الغربية باعتباره قابلا للانزلاق نحو الرقابة على الاستقلال الشخصي. وهنا تحديدا يصبح القانون الرقمي مرآة للثقافة التي أنتجته.

ربما تكمن إحدى مشكلات النقاش العالمي حول التكنولوجيا في الاعتقاد بأن المفاهيم الكبرى، مثل الحرية والخصوصية والاستقلال، تحمل المعنى نفسه في كل المجتمعات. لكن الفلسفة السياسية والاجتماعية تعلمنا أن المفاهيم لا تعيش خارج التاريخ. فالحرية في التقليد الليبرالي ارتبطت طويلا بتحرير الفرد من تدخل السلطة، بينما يمكن أن ترتبط الحرية، في سياقات ثقافية أخرى، بالقدرة على العيش داخل جماعة متماسكة تحمي الفرد وتمنحه المعنى والانتماء.  والخصوصية بدورها ليست مفهوما تقنيا محضا. ففي بعض المجتمعات الغربية، قد تكون الخصوصية تعبيرا عن سيادة الفرد على بياناته وجسده وخياراته. وفي مجتمعات أخرى، تتداخل الحدود بين الخاص والعام بفعل طبيعة الأسرة الممتدة، وقوة الروابط الاجتماعية، واختلاف تصور العلاقة بين الفرد والجماعة.  لهذا فإن استيراد التشريع الرقمي من مجتمع إلى آخر قد يكون أكثر تعقيداً من نقل نص قانوني؛ لأن ما ينتقل معه بصورة غير مرئية، هو تصور معين للإنسان.

إن قرار المجلس الدستوري الفرنسي يكشف في المقابل، عن توتر داخلي في النموذج الغربي نفسه.  فالدولة التي تريد حماية الأطفال من الإدمان الرقمي، والمحتوى العنيف، والاستغلال التجاري والتلاعب النفسي والخوارزمي، تصطدم بحدود فلسفة حقوقية بنت جزءا كبيرا من مشروعها التاريخي حول استقلال الفرد وحماية حرياته من تغول السلطة.  وهنا تظهر مفارقة شديدة الدلالة، فالخوارزمية تستطيع أن تعرف عن الطفل أكثر مما تعرفه الدولة، والمنصة تستطيع أن تؤثر في سلوكه أكثر مما تستطيع الأسرة، ومع ذلك تظل الدولة مطالبة بألا تتجاوز حدوداً دقيقة حين تحاول حمايته. إنها مفارقة العصر الرقمي، حيث السلطة الخاصة للمنصات تتضخم، فيما تظل السلطة العامة مقيدة بسياج الحقوق والحريات. ومن ثم فإن سؤال فرنسا لا يستحضر فقط كيفية حماية الطفل؟ بل أيضاً، من يحمي الطفل من المنصة، ومن يحميه من الدولة، ومن يحميه من نفسه؟.

في المقابل، قد تواجه المجتمعات الشرقية سؤالاً آخر: كيف يمكن حماية الأطفال من الاقتصاد النفسي للمنصات من دون أن تتحول الحماية إلى آلية دائمة للرقابة الاجتماعية؟  فحين تكون الأسرة أكثر حضورا، وحين تكون السلطة الأبوية أكثر رسوخا، وحين تتداخل القيم الدينية والأخلاقية والاجتماعية مع المجال الخاص، يصبح خطر الانزلاق من "الحماية" إلى "الوصاية" قائما أيضا. وقد تكون المشكلة أكثر تعقيدا عندما تتولى الدولة نفسها تعريف "المحتوى الضار" أو "السلوك غير الملائم" وفق معيار أيديولوجي أو أخلاقي أحادي. ففي هذه الحالة يمكن أن تتحول حماية القاصر من مخاطر الخوارزمية إلى حماية المجتمع من الاختلاف؛ ومن حماية الطفل إلى هندسة وعيه.  وهنا ينبغي التمييز بين الحماية التي توسع قدرة الطفل على الاختيار، والحماية التي تصنع اختياراته مسبقا.

لا يعني هذا أن الشرق ينبغي أن يرفض التجربة الغربية، ولا أن الغرب مطالب باستنساخ التصورات الشرقية. المسألة أعمق من ذلك بكثير. فالمطلوب هو بناء "كونية مرنة للحقوق الرقمية"؛ كونية تعترف بوجود مبادئ إنسانية مشتركة، لكنها لا تفترض أن تنزيلها يجب أن يكون متطابقا في جميع الثقافات. فحماية الطفل من الاستغلال الرقمي ينبغي أن تكون مبدأً عابرا للحدود. وحماية خصوصيته ينبغي أن تكون حقا مشتركاً. ومنع المنصات من تحويل هشاشته النفسية إلى سلعة تجارية ينبغي أن يشكل قاعدة كونية. لكن الوسائل القانونية والتربوية والاجتماعية لتحقيق هذه الغايات ينبغي أن تترك مجالاً للاختلاف الثقافي. فالطفولة نفسها ليست تجربة بيولوجية فقط؛ إنها أيضاً بناء ثقافي ونفسي واجتماعي. والطفل الفرنسي لا يدخل العالم الرقمي بالشروط النفسية والاجتماعية نفسها التي يدخل بها الطفل المغربي أو الهندي أو الياباني أو النيجيري. لا لأن أحدهم أكثر إنسانية من الآخر، وإنما لأن معنى الأسرة والسلطة والجماعة والخصوصية والحرية يختلف من مجتمع إلى آخر. 

ربما نحتاج إلى تجاوز ثنائية "استيراد النموذج" و"رفض النموذج"، نحو بناء ما يمكن تسميته السيادة الثقافية على التشريع الرقمي.  فالسيادة في العصر الرقمي لم تعد مرتبطة فقط بالخوادم والبيانات والبنى التحتية، وإنما أصبحت مرتبطة أيضا بالقدرة على إنتاج المفاهيم التي تنظم علاقة الإنسان بالتكنولوجيا.

 من يحدد معنى الخصوصية؟ من يعرّف الضرر؟ من يقرر متى يكون الطفل ناضجا بما يكفي لاتخاذ القرار؟ ومن يملك حق مراقبة هذا النضج؟ ومن يحدد الحدود بين التربية والرقابة؟  هذه ليست أسئلة تقنية. إنها أسئلة فلسفية وسياسية وثقافية بامتياز. ولهذا فإن مستقبل التشريع الرقمي لن يحسمه صراع بين الشرق والغرب بقدر ما سيحسمه صراع أعمق بين تصورات مختلفة للإنسان، الإنسان بوصفه فردا مستقلا، والإنسان بوصفه كائنا علائقيا؛ الحرية بوصفها تحررا من التدخل، والحرية بوصفها قدرة على العيش داخل جماعة؛ الحماية بوصفها تحصينا للذات، والحماية بوصفها ممارسة للوصاية.

في النهاية، يضعنا القرار الفرنسي أمام سؤال يتجاوز فرنسا والشرق والغرب معً. فالخطر الحقيقي ليس في أن تستخدم المجتمعات التكنولوجيا بصورة مختلفة، وإنما في أن تسمح التكنولوجيا لنفسها بأن تصبح هي التي تحدد، بصورة خفية، معنى الإنسان واحتياجاته ورغباته وحدود وعيه.

 قد نختلف حول سن الولوج إلى المنصات، وحول دور الأسرة والدولة، وحول حدود الخصوصية، لكن ينبغي أن نتفق على شيء واحد، لا ينبغي أن يتحول الطفل إلى مادة خام في مختبر الخوارزمية، كما لا ينبغي أن يتحول إلى موضوع دائم للوصاية القانونية أو الثقافية.  وبين هذين الخطرين تقع المهمة الأصعب، أن نحمي الطفل من المنصة دون أن نسلمه للدولة، وأن نحميه من الدولة دون أن نتركه للسوق، وأن نحميه من السوق دون أن نصادر قدرته على أن يصبح ذاتاً مستقلة.

و ربما يكون الدرس الأعمق للمقارنة بين الشرق والغرب، أن القانون الرقمي الأكثر إنسانية ليس ذلك الذي يفرض نموذجا ثقافيا واحدا على العالم، وإنما ذلك الذي يعرف كيف يحمي الكرامة الإنسانية مع الاعتراف بأن الطريق إلى الحرية، وإلى الخصوصية، وإلى النضج، يمر عبر خرائط ثقافية ونفسية متعددة.

***

د. مصطفـــى غَلْمـــان

في المثقف اليوم