تكتسب العلاقة بين الحياة الموت طبيعة مفارقة فولا الموت لما كان للحياة قيمة ومعنى ولولا الحياة لما كان للموت قيمة ومعنى. فكيف يمكن ستكون الأرض لو أن كل الكائنات الحية التي ولدت فيها وعاشت ظلت حيا إلى الأبد ولم تمت؟ فكم هي الكائنات التي ولدت ونمت وعاشت وماتت على هذه الأرض ولم يعرف عنها أحد ؟ من المؤكد أن الحياة بدون موت ستختنق مع الدفعة الأول. فمن بين ثمانية ميلون نوع كائن حي ولد وعاش على هذه الأرض لم يتمكن الإنسان من اكتشاف غير مليونا واحدا فقط من الكائنات الحية التي انقرضت معظمها وتطور بعضها بحسب قانون البقاء للأصلح. من المؤكد إن الكائنات التي ولدت وماتت في هذه الدنيا هي أكثر بما لا يمكن تخيله من الكائنات الحي في كل لحظة زمنية عابرة فالموت هو الحقيقة الوحيدة المؤكدة في هذه الكون. إذ أن كل ما نعرفه يمكن أن يكون نسبيًا أو قابلًا للتغيير إلا أن الموت يظل الحقيقة المطلقة في هذا الكوكب ولا توجد وسلية ممكنة لتفادي الزوال والنسيان غير حفظ ما يمكن حفظه من الآثار في متحف التاريخ الطبيعي الذي يروي للأجيال المتعاقبة من الاحياء كل ما يبقى من ذاكرة الحياة.
حين وقفت أتأمل هيكل الماموث الضخم، بنابيه الطويلين اللذين يشبهان قرني ثور إفريقي، في مدخل متحف ناتورا دوسيه للتاريخ الطبيعي، انتابتني حالة من الدهشة والرهبة: دهشة الحياة ورهبة الموت، إذ لم يكن أمامي حيوان حي، وإنما هيكل عظمي؛ ومع ذلك شعرت أنني أقف أمام حياة كاملة كانت ذات يوم تمشي وتأكل وتتكاثر وتخاف وتبحث عن الماء والغذاء، ثم انتهت إلى هذه العظام الصامتة. عندها أدركت أن المتحف ليس مجرد مكان تُجمع فيه الأشياء القديمة والنادرة، وإنما هو ذاكرة الحياة وشاهد التاريخ؛ مكان يحاول فيه الإنسان أن ينقذ ما استطاع من النسيان.
ولعل أصل كلمة المتحف Museum تعود إلى كلمة Muse اليونانية أي ربات الفنون والمعارف التسع في الأساطير اليونانية، بنات زيوس، وكانت كل واحدة منهن مرتبطة بمجال من مجالات المعرفة والفن؛ الشعر والتاريخ والموسيقى وغيرها. ثم تطورت الكلمة لتصبح دالة على المكان الذي تُجمع فيه أشكال المعرفة والجمال، وكأن المتحف منذ ولادته الأولى كان محاولة لجمع شتات العالم في مكان واحد.
حين يتأمل كل واحد منا ذاكرته الخاصة، ماذا يجد فيها؟ يجد ركاماً هائلاً من الأحداث والمواقف والتجارب والخبرات والأشخاص والأمكنة والأزمنة؛ يجد الكلمات والصور والروائح والأصوات، والأفراح والأحزان، والآمال والخيبات، والأحلام والأوهام، وما وعيناه وما مر بنا من دون أن ننتبه إليه؛ ذاكرتنا ليست مكتبة مرتبة، ولا صيدلية مصنفة، ولا سوبرماركت موضوعاً فيه كل شيء على رف مستقل. إنها أقرب إلى محيط مضطرب، أو إعصار دائم الحركة، تتداخل فيه الأزمنة والأشياء والصور والمعاني. قد نستعيد حدثاً وقع قبل خمسين عاماً كما لو أنه حدث بالأمس، وقد نعجز عن تذكر ما تناولناه بالأمس.
وكذلك هو التاريخ ليس مستودعاً مرتباً للأحداث، بل مغامرة الذات الإنسانية عبر الزمن: من الماضي إلى الحاضر، ومن الحاضر إلى المستقبل. وكما أن ذاكرة الإنسان تقوم على التذكر والوعي والخيال، فإن التاريخ نفسه يتوزع على هذه الأبعاد الثلاثة: الماضي الذي نتذكره، والحاضر الذي نعيشه، والمستقبل الذي نتخيله.
ولعل هذا هو أحد الأسرار التي جعلت الفلاسفة يقيمون صلة عميقة بين العقل والتاريخ. فالعقل لا يعيش خارج الزمن، والتاريخ ليس مجرد سلسلة من الوقائع، وإنما هو الطريقة التي يمنح بها الإنسان معنى لما حدث وما يحدث وما يمكن أن يحدث.
وأنا أتجول في متحف ناتورا دوسيه، بين الحيوانات المحنطة والهياكل العظمية والحفريات والمعادن والعينات التي بدأ مؤسس المتحف يوهان بيرينك بجمعها منذ عام 1911، شعرت أنني لا أتجول في قاعات متحف راهن فحسب، بل في طبقات متراكمة من الزمن. هنا هيكل الماموث، وهناك بيض الديناصورات، وفي مكان آخر طيور وحيوانات نادرة من أنحاء العالم؛ طيور الجنة والرفراف وغيرها، وصولاً إلى التمساح البحري. وفي الخارج تمتد حديقة المتحف، حيث تتحول الطبيعة إلى فضاء حي للتعلم والدهشة، وتقام فيها معارض للكائنات الأسطورية والمجسمات المتحركة التي تجذب الأطفال، إذ إن كل شيء هنا يقول إن الحياة أكبر بكثير من الإنسان عمقا وافقا.
وأنا أتجول في اجنحة المتحف اذكرت حكاية الباحث الذي كرّس مختبره لجمع بقايا الكائنات الحية والحفريات، حتى تحول مختبره إلى ما يشبه متحفاً صغيراً مزدحماً بالجماجم والعظام والأجنحة والجلود والريش والقرون والأسنان، وغير ذلك من بقايا الكائنات الحية التي تم جمعها في مستودعه: كان المشهد ثرياً بالأشياء الأثرية إلى درجة الدوار وذات يوم ذهب تشارلز داروين لرؤية المتحف البيولوجي فتعجب من قدرة الرجل على جمع كل هذه الحفريات الكثيرة جداً. كان المختبر أشبه بمتحف أثري يعج بكل أنواع وأشكال جماجم وعظام الحيوانات، وأجنحة الطيور والجلود والقرون والأسنان مصنفة بأسمائها، تفاصيل تعمي البصر وتذهل البصيرة! فاندهش داروين وقال عبارته الشهيرة: "ما المغزى الأخير من كل هذه التفاصيل، وكيف يمكن إخراجها في رؤية نسقية كلية عقلانية لها معنى وتفيد المعرفة الإنسانية؟!". فكان ذلك السؤال أشبه بقدح زناد الروح الفلسفية في عقل عالم البيولوجيا الشاب داروين، فتمخض عنه كتابه المهم أصل الأنواع، وهو الكتاب الذي يصنف بوصفه إحدى الثورات العلمية في تاريخ المعرفة البشرية. وبالمثل فعل عبد الرحمن بن خلدون الحضرمي في دراسته للتاريخ؛ إذ إن المؤرخين والإخباريين العرب جمعوا المادة التاريخية، ولكنه وحده الذي استخدمها ومنحها المعنى والدلالة الفكرية في مقدمته الشهيرة. وبهذا المعنى يمكن أن نفهم عبارة المَنَوِّر (أو المفكر) الفرنسي جان جاك روسو: "نحن نحتاج إلى الفلسفة لكي نرى الأشياء التي نعيشها ونشاهدها كل يوم في حياتنا"
وهنا يكمن الفرق بين الجمع والمعرفةفجمع الأشياء لا يصنع علماً بالضرورة. يمكن للإنسان أن يجمع آلاف العينات، لكنها لا تتحول إلى معرفة علمية مفيدة الا عندما يتم تصنيفها باسماءها وأنواعها وأجناسها والكشف عن العلاقات التي تربط بينها، وعن القانون الذي يحكمها، وعن المعنى الكامن وراء تنوعها وهذا ما فعله عالم البيولوجيا تشارلز داروين. فقد كان أمامه عالم هائل من التفاصيل البيولوجية، لكنه لم يكتفِ برؤيتها منفردة، بل حاول أن يبحث عن النظام الذي يربطها بعضها ببعض. ومن هذا السؤال خرجت واحدة من أعظم الثورات العلمية في تاريخ المعرفة الإنسانية: نظرية التطور والانتخاب الطبيعي التي عرضها في كتابه أصل الأنواع.
وبالمعنى نفسه، فعل عبد الرحمن بن خلدون شيئاً مشابهاً في ميدان التاريخ. كان المؤرخون والإخباريون قبله قد جمعوا أخبار الأمم والحوادث والوقائع، لكن ابن خلدون لم يكتفِ بجمع المادة التاريخية، بل سأل عن قوانين العمران والاجتماع التي تجعل الأحداث مفهومة. لقد انتقل من ذاكرة التاريخ إلى فلسفة التاريخ.
وهنا يمكننا فهم أهمية المتحف وقيمته ووظيفته فهو لم يعد مجرد مخزن داخلي تحفظ فيه الأشياء، بل أصبح فضاءً لإعادة تنظيم ما يبدو مشتتاً، وربط المادة بالمعنى، والماضي بالحاضر، والشيء بالسؤال. فالمعروض ليس مجرد قطعة ميتة خلف زجاج؛ إنه أثر لوجود سابق، يحمل قصة ومكاناً وزمناً وعلاقات بشرية وبيئية وثقافية فالأشياء المعروضة لا تعود مجرد بقايا من الماضي، وإنما تغدو موضوعات ثقافية تحمل آثار الرحلات والحروب والطقوس والهجرات والتحولات الاجتماعية. وتصبح مهمة المتحف المعاصر بناء علاقة أخلاقية مع الذاكرة، علاقة تعترف بتاريخ الاقتناء، وتكشف طبقات المعنى المخفية، وتمنح الزائر قدرة على تأمل التاريخ بدل استهلاكه بوصفه حقيقة جاهزة
وبهذا المعنى يمكن النظر إلى هياكل الحيونات المحفوظة بوصفها شاهداً على عالم كان موجوداً ثم تغير. والحفرية ليست حجراً قديماً، وإنما وثيقة كتبتها الأرض بلغتها الخاصة. والهيكل العظمي ليس مجرد عظام، بل سيرة حياة انتهت وبقي أثرها فمتحف التاريخ الطبيعي ليست مجرد مخازن لهياكل عظمية وحفريات متحجرة، بل هي فضاءات فلسفية بامتياز تطرح أسئلة عميقة حول الوجود، والزمن، ومكانة الإنسان في الكون ومستقبله المتحف بهيكله العظمية ومومياته المحنطة يذكرنا بـ الهشاشة الوجودية؛ للكائنات الحية فإذا كانت كائنات امتلكت كل ذلك الزمن والقوة قد اختفت، أفلا يكون وجود الإنسان نفسه مجرد ومضة عابرة في تاريخ كوني لا يعرف معنى الدوام؟ وهنا يتهاوى وهم المركزية البشرية التي جعلت الإنسان سيد الطبيعة ومركز الكون؛ فشجرة التطور تكشف للإنسان أنه ليس خارج الطبيعة ولا فوقها، بل غصن صغير في شجرة حياة هائلة سبقت وجوده بملايين السنين. إن المتحف يمارس بذلك نوعاً من التواضع الوجودي والمعرفي، يعيد الإنسان من عرش السيادة إلى موقع الشراكة مع بقية الكائنات. وحتى التحنيط والتجميد لا يمثلان انتصاراً على الزمن والموت، بل محاولة لحفظ أثرهما؛ فالمتحف لا يعيد الحياة إلى الكائن، وإنما يمنحه وجوداً آخر بوصفه ذاكرة وشاهداً على ما كان. وهكذا يتحول المتحف الطبيعي إلى فضاء فلسفي تتجاور فيه الحياة والموت، والوجود والفناء، والذاكرة والنسيان، ليذكّرنا بأننا لسنا ملوكاً على الحياة، وإنما عابرون في تاريخها الطويل. يذهب تيار حماة الأرض أولا ومنهم جودي باربي إلى “أن الأرض ستقوم وتنتقم وتطاردنا من فوقها” تلك الرؤية التي صدمتني حينما قرأتها قبل عشرين عاما بدأت الآن اتفهم مقاصدها الجديرة بالقيمة والأهمية والاعتبار. وهي رؤية نابعة من قلق حقيقي على مصير الأرض التي هي أم الحياة كلها ولا يحق لا كائنا من كان العبث بها وتسخيرها لمصالحة العابرة المدمرة. رؤية جماعة الأرض أولا أكدت أن الإنسان هذا الزائر الغريب الأخير هو الذي يستحق الموت قبل أن يدمر الكوكب، الإنسان نفسه وليس المجتمع الحديث فقط هو الذي سينقرض بهدوء في النهاية، تدميره المحموم لبيئته، نهبه الكوكب الأرضي، كل ذلك سوف ينتهي، وسوف تتوقف الثرثرة الجوفاء عن الحضارة الكلمة الأخيرة هي كلمة د.هـ. لورانس الذي كتب يقول: (نظر “بيركن” إلى الأرض في المساء وهو يفكر: حسن إذا تم تدمير البشرية…إذا هلك جنسنا كما حدث لـ”سدوم” وبقي هذا المساء الجميل، بالأرض النيرة والأشجار الخضراء…. فأن ذلك يكفيني… فلتمض البشرية…. حان وقتها لم تعد الإنسانية تجسد ما لا يسبر غوره… الإنسانية كتابة ميتة…. دع الإنسانية تختفي بأسرع ما يمكن”( ينظر، قاسم المحبشي، الأرض وأخر الزئرين)
وحين أغادر متحف التاريخ الطبيعي، لا أشعر أنني خرجت من مكان مليء بالحيوانات المحنطة والحفريات والهياكل العظمية، بل أشعر أنني خرجت من زمن طويل. أعود إلى الشارع وأنا أحمل في ذاكرتي صورة الماموث، لا بوصفه حيواناً انقرض منذ آلاف السنين، وإنما بوصفه سؤالاً مفتوحاً عن معنى الحياة والموت والزمن.
ربما لهذا السبب تبدو المتاحف، في جوهرها العميق، أشبه بمرايا كبيرة للوجود.
فالمتحف يقول لنا بصمت: هذه حياة كانت هنا، وهذا عالم مر من هنا، وهذه أشياء بقيت بعدما غاب أصحابها. وما دمنا نحن أيضاً عابرين في هذا العالم، فإن السؤال الذي يطرحه المتحف علينا ليس: ماذا بقي من الماضي؟ بل:ماذا سيبقى منا حين نصبح نحن أيضاً جزءاً من الماضي؟ ولعل هذا هو المعنى الأعمق للمتحف:
إنه ليس مكاناً لحفظ ما بقي من الموت، بل مكاناً لتذكير الأحياء بأنهم يعيشون في ذاكرة ستصبح يوماً ما تاريخاً.
***
ا. د. قاسم المحبشي








