عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

تجديد وتنوير

ابتهال عبد الوهاب: من نقد الدوجمائيه الي سؤال التعايش

نحن شعوب مأزومة. وليست أزمتنا الحقيقية أننا نريد أن نعبر الطريق إلى الحداثة بأقدام قديمة، وعقول مثقلة بالخوف، ووعي لم يتعلم بعد أن الإنسان لا يصبح مواطنا كاملا إلا حين يتحرر من وصاية الجماعة على ضميره.

نحن مجتمعات ما زالت تنظر إلى الحرية باعتبارها فوضى، وإلى العلمانية باعتبارها انحلالا، وإلى الاختلاف باعتباره تهديدا، وإلى التغيير باعتباره حربا على الموروث.

وفي هذه المجتمعات لا يصبح المختلف إنسانا له حق الوجود كما هو، بل يتحول إلى سؤال اتهام:

من أي طائفة أنت؟ ماذا تؤمن؟ كيف تصلي؟ ماذا ترتدي؟ ماذا تأكل؟ وهل تحتفل بأعياد الآخرين؟

ينهارون أمام امرأة بلا حجاب، أو شجرة عيد ميلاد في بيت جيرانهم، أو إنسان يترحم على شخص مات على عقيدة مختلفة. وكأن العقيدة التي يفترض أن تمنح الإنسان السكينة أصبحت كائنا هشا يحتاج إلى حراسة يومية من امرأة، أو شجرة، أو كلمة مواساة.

سأقولها للمرة الألف: العلمانية ليست حربا على الإيمان، كما يحاول البعض تصويرها، وليست دعوة إلى التخلي عن الدين، وإنما هي محاولة لتحرير المجال العام من احتكار المقدس، بحيث يصبح الإنسان مواطنا قبل أن يكون عضوا في جماعة، ويصبح القانون حقا مشتركا لا ترجمة لعقيدة خاصة.

نولد، فيجد كل واحد منا نفسه داخل منظومة مكتملة من الإجابات، قبل أن تتاح له فرصة طرح السؤال.

يقال لنا بماذا نؤمن، ومن نحب، ومن نكره، ومن يجوز لنا أن نصادقه، ومن يجوز أن نترحم عليه، وما الذي ينبغي أن نراه جميلا، وما الذي ينبغي أن نراه قبيحا. ثم نكبر ونحن نظن أن هذه اختياراتنا الشخصية، بينما هي في كثير من الأحيان أفكار ورثناها قبل أن نمتلك القدرة على فحصها.

وهنا تبدأ مأساة الوعي.

فالثقافة التي لا تسمح لنفسها بالنقد تتحول إلى سجن، والمقدس حين يدخل المجال السياسي والاجتماعي دون عقل نقدي قد يتحول من معنى روحي إلى سلطة على الآخرين.

المجتمع الناضج هو الذي يعرف أن الاعتقاد شأن عميق من شؤون الضمير، وأن الضمير لا ينمو تحت الإكراه. وأن الدولة حين تحمي حق الإنسان في الاختلاف لا تهدم الدين، وإنما تحمي الإنسان من أن يتحول الدين إلى أداة لإلغاء الإنسان.

لكننا، بكل أسف، ما زلنا أسرى عقل جمعي يضع الجماعة قبل الفرد، والطائفة قبل الإنسان، والعادة قبل السؤال، والموروث قبل العقل.

وهنا يأتي السؤال الأكثر إيلاما:

كيف نتعايش مع هذا العالم الذي نعيش فيه، ونحن نحمل في داخلنا بعض بذور العلمانية، بينما نعيش في مجتمع ما زال أسيرا لليقينيات المغلقة؟

كيف نحافظ على حريتنا الداخلية دون أن نتحول إلى كائنات معزولة عن واقعها؟

لقد تعبنا.

تعبنا من الدخول في معارك يومية، ومن شرح البديهيات، ومن الدفاع عن حق الإنسان في أن يكون مختلفا، ومن استنزاف أرواحنا في مواجهة عقول أغلقت أبوابها منذ زمن.

تعبنا من أن نثبت كل يوم أن الحرية ليست انحلالا، وأن الاختلاف ليس عداء، وأن احترام الآخر لا يعني التخلي عن قناعاتنا.

تعبنا من اللحظة التي تتحول فيها العقيدة من شأن يخص الضمير إلى قانون يفرض نفسه على الجميع.

ولذلك ربما آن لنا أن نفهم أن مهمتنا ليست تحرير العالم كله، ولا تحويل حياتنا إلى معركة مفتوحة مع كل فكرة لا تشبهنا.

يكفينا ألا نسمح للعالم المغلق أن يسلبنا حريتنا الداخلية.

لسنا مطالبين بأن نهزم الآخرين، وإنما بأن نحمي حق الجميع في ألا يعيشوا مهزومين أمام سلطة الجماعة.

نريد أن نحيا أحرارا دون عدوان، مختلفين دون كراهية، عقلانيين دون غرور، ومؤمنين بحق الإنسان في أن يختار طريقه دون أن نخشى اختياره.

لقد ضاعت أعمار كثيرة ونحن نطالب بحقنا في التفكير، وحقنا في السؤال، والنقد، والشك، والمراجعة.

لم نريد أكثر من عالم تحكمه المعرفة حين تكون المعرفة ممكنة، ويحكمه القانون حين نختلف، ويحكمه العقل حين تتعدد التأويلات.

ولذلك فنحن لا نواجه من أجل المواجهة، ولا نريد أن نحول اختلافنا إلى حرب دائمة؛ نحن ندافع عن حقنا في حياة لا تكون الخرافة فيها وصية على تفاصيلنا، ولا يكون الوهم فيها بديلا عن الحقيقة، ولا يكون الاختلاف سببا للخوف.

نريد فقط أن نحيا الواقع كما هو، بكل قسوته وجماله، وأن نمتلك شجاعة مواجهته، دون أن نخترع عالما وهميا نهرب إليه كلما عجزنا عن احتمال العالم الحقيقي.

ونحن لسنا كائنات جاءت من كوكب آخر، ولسنا أعداء للإيمان كما يحاول البعض أن يصورنا.

نحن أبناء هذا المجتمع، نعيش تفاصيله نفسها، ونحمل ذاكرته وأسئلته وتناقضاته. لكننا اخترنا أن نمنح العقل مساحة أوسع في حياتنا، وأن نضع الإنسان قبل الجماعة، والحرية قبل الوصاية، والقانون قبل المزاج، والضمير قبل سلطة القطيع.

نحن لا نواجه فكرة واحدة، وإنما نواجه شبكة كاملة من العادات والمخاوف واليقينيات الموروثة؛ شبكة نسجتها الأسرة والمدرسة والشارع والخطاب الديني والاجتماعي، حتى أصبح الخروج عن بعض مسلماتها يبدو كأنه خروج على المجتمع نفسه.

فرفقا بنا...

نحن نحاول أن نعيش بسلام معكم، دون أن نتخلى عن عقولنا، أو نتنازل عن حقنا في أن نرى العالم كما نراه، وأن نختار لأنفسنا ما نؤمن به وما نرفضه، ومن نحب ومن نصادق، دون أن يتحول اختلافنا إلى جريمة اجتماعية.

نحن لا نريد أن نضع أنفسنا أوصياء على ضمائركم؛ نريد فقط ألا يصبح إيمانكم وصاية على حياتنا.

نريد أن نعيش بينكم دون أن نخفي أسئلتنا، ودون أن نعتذر عن اختلافنا، ودون أن نقضي أعمارنا في الدفاع عن حق بديهي:

أن يكون للإنسان عقل يفكر به، وضمير يختار به، وحياة يعيشها دون خوف من جماعة ترى اختلافه تهديدا لوجودها.

لسنا في حاجة إلى معارك جديدة.

نحن في حاجة إلى وطن يتسع لنا جميعا، وإلى مجتمع يفهم أن اختلاف الأفكار لا يفسد الحياة، وأن الإنسان يستطيع أن يكون مختلفا دون أن يكون عدوا.

أليست هذه الأرض أوسع من أن تضيق باختلافنا؟

أليست قادرة على أن تحملنا جميعا؟

المؤمن والمتشكك، المتدين والعلماني، المحافظ والمتحرر، من يجد يقينه في السماء، ومن يبحث عن معناه في الأرض.

لماذا نصر دائما على أن يكون لأحدنا مكان فقط إذا أخرج الآخر من المشهد؟

إن الأرض لم تضق يوما باختلاف البشر؛ الذي ضاق هو عقل الإنسان حين توهم أن الحقيقة لا يمكن أن تتعدد، وأن النجاة لا تتسع إلا لجماعته.

تستطيع هذه الأرض أن تحملنا جميعا.

تستطيع المدن أن تتسع لصلوات مختلفة، والبيوت لأفكار مختلفة، والموائد لأذواق مختلفة، والقلوب لمحبة لا تسأل عن الطائفة قبل أن تمنح دفئها.

فربما لم تكن مشكلتنا يوما أن العالم لا يتسع لنا، وإنما أننا نريد عالما على مقاسنا.

وربما يكون التنوير الحقيقي هو أن ندرك أخيرا أن الحقيقة لا تحتاج إلى قتل المختلف، وأن الإيمان لا يحتاج إلى عداوة الآخر، وأن الحرية لا تكتمل إلا حين يصبح للآخر الحق نفسه الذي نطالب به لأنفسنا.

هذه الأرض ليست ملكا لفكرة واحدة، ولا لطائفة واحدة، ولا لعقيدة واحدة.

إنها بيتنا جميعا.

فدعونا نتعلم، قبل أن يفوت الأوان، أن نسكن البيت نفسه دون أن نحاول طرد بعضنا منه

***

ابتهال عبد الوهاب

 

في المثقف اليوم