يقع التسامح الدينيَّ في منطقة مستبعدة من التفكير وغير منظر لها بشكل نقدي إِلَّا مؤخرًا، تحت تأثير العقل الحديث المشتغل على التحليل المكثف لهيبة النصوص التأسيسية وإعادة النظر في قراءتها بعيدًا عن البنية الدامجة التي شكلت محددات العقل الديني وأحاطته بسياج دوغمائي، بواسطة "مديري أمور التقديس" بتعبير ماكس فيبر مع ان التسامح الديني قضية معاشة في الواقع بصورة ضمنية. وهذا ما يستوجب التفريق بين العقل الديني الذي خضع للتراث وسيطر عليه، وبين العقل الحديث ورهاناته والحدود الفاصلة بينهما، وما يمكن تلمسه في قضية التسامح والإسقاطات التاريخية فيه.
التسامح أنواع: فمنه دينيّ، ومنه سياسيّ، ومنه اجتماعيّ، ومنه أخلاقيّ، وغير ذلك. وما يعنيا هنا في هذه المقالة هو التسامح الدينيَّ، ولذلك لا بد من بيان المراد منه وفقًا لبعض النظريات أو الاتجاهات وموقفها من التسامح الدينيَّ، وبالمجمل ثمة اتجاهات، ومنها:
الاتجاه الأول: الانحصاري "التطويقي" لا يرى موضوعًا للتسامح من الأساس، وهذا هو السائد فعلًا على مستوى أديان العالم، والذي كانت له الكلمة الفصل في الألفيات الماضية. فهو يرى أن الحقيقة والنجاة والخلاص والسعادة في الدنيا والآخرة موجودة في دين واحد ومحدد. ولعل تمثلاته تأتي بكلمات من قبيل قوله تعالى: " ومن يبتغ غير الإسلام دينًا فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين". أو كما جاء في المسيحية: " لا أحد يمكنه أن يصل إلى الرب إلَّا عن طريقي أنا " أو "لا صلاح خارج الكنيسة".
الاتجاه الثاني: النسبية الدينيَّة، وهو الاتجاه الذي يقر بأن كل دين يكشف عن جانب من جوانب الحقيقة، ولهذا كانت الأديان كلها ضرورية من أجل تحصيل الحق بأكمله. فالأديان جميعها مآلها ومرجعها إلى أمر واحد، أما الاختلافات البارزة على السطح فليست سوى مجرد مظاهر وظواهر سطحية لا تعبر عن أي افتراق في العمق، وهذا معناه أن الأديان جميعًا قابلة بل هي فعلًا منصهرة في بوتقة واحدة ولا تحكي بالتالي إلا عن أمرٍ واحدٍ. وهذا المعنى يمكن تلمسه عند محيي الدين بن عربي.
الاتجاه الثالث: القائلون بتساوي الأديان يؤكدون التسامح الدينيَّ، لأن كل دين حَسَن وحق. فكل دين حسن من حيث إنه يرضي نزعات أتباعه. ولا يوجد في نظرهم دين واحد يحتوي على كل الحق. وحتى لو وجد فليس من الممكن تمييزه بقين قاطع. وهذا ما ذهب إليه عدد من فلاسفة الغرب ومنهم الفيلسوف والمتكلم المسيحي المعاصر "جون هيك". ومن الساحة الإسلاميَّة الدكتور عبد الكريم سروش في كتابه " الصراطات المستقيمة.
الاتجاه الرابع: السماح السلبي للشر. يؤكد أن ما يتسامح فيه ليس خيرًا و فضيلة، ولهذا فإنه لا ينطوي على استحسان، كما أنه ليس شرًا مطلقًا، ولهذا لا ينطوي هذا السماح على استنكار مطلق. ولما كان السماح سلبيًا، فإنه ينطوي مع ذلك على إقرار بالاستهجان، وإن كان في الباطن لا في الظاهر. ولهذا كان التسامح في الكنيسة أمرًا تمليه الظروف، وليس عقيدة. فإن اقتضت الظروف- السياسية غالبًا- أن يتسامح مع المذاهب والأديان الأخرى، لأن عدم التسامح سيؤدي إلى شرور أكبر. فإن من المستحب وليس من الواجب التسامح (1).
ولهذا قال القديس توما الأكويني: " إن الحكومات الإنسانية يجب عليها أن تتوافق مع الحكومة الإلهية التي هي صادرة عنها. لكن على الرغم من أن قدرة الله ورحمته لا نهاية لهما، فإنه أبقى على وجود بعض الشرور في العالم، وكان في قدرته أن يمنعها، لأن منعها سيؤدي إلى فقدان خيرات أكبر أو إحداث شرور أكبر. "
ويذكر مثالًا لذلك أن الكنيسة الكاثوليكية تستفيد فائدة حقيقة من ترك اليهود يمارسون شعائرهم، لأن هذه الشعائر في نظره هي بمثابة شهادة حية على حقيقة الدين المسيحي.
بناءً على هذه الاتجاهات يمكن القول أن ثمة تسامح شكلي، وتسامح موضوعي. فالتسامح الشكلي هو أن تترك الأديان الأخرى وشأنها. ونقيضه هو إرغامها على الخضوع لهيئة دينية معينة. أما التسامح الموضوعي: فلا يقتصر على مجرد احتمال وجود الأديان الأخرى وشعائرها، بل هو أساسًا الاعتراف الايجابي بالأديان الأخرى على أنها مذاهب ممكنة لعبادة الله.
أما من حيث من يتجه إليهم التسامح فينقسمون إلى فريقين: أ- أتباع الأديان الأخرى. ب- أتباع الفرق المختلفة داخل الدين الواحد.
في السابق كانت اتجاهات التسامح تدعو إلى تحمل الآخرين والصبر على وجودهم وقناعاتهم الفكرية والسياسية، أما اليوم فالعالم يتقدم خطوة إلى الإمام ليتجه- وبسرعة- نحو الاعتراف بواقع الافتراق والاختلاف، ويريد فهمه وتحليله على ما هو عليه، ليتسع التعدد فيه إلى ما هو أوسع من دائرة النجاة والعقوبة ليشمل الحقانية نفسها.
ولا بأس ببيان أجمالي وتوضيحي عن أبرز مباني هذه الحقانية (وهي الاتجاه الثالث)، ثم نفرد الملاحظات والمناقشات التي صوبت اتجاهها لمقالة أخرى تتبعها.
يعتمد توزع الحقانية وعدم تطويقها في دين أو مذهب معين على جملة من المرتكزات، وفي الأصل تقوم على دعامتين: الأولى: التنوع في الأفهام والتفاسير بالنسبة للمتون الدينية. والثانية: التنوع في تفسيرنا للتجارب الدينية. وهذا التكشييف عن المتون لا يكون على شكل واحد بل يتميز بالتنوع والتعدد.
فيما يخص ببيان المبنى الأول يوضحه د. عبد الكريم سروش فيقول: " فهم النص الديني وشروحه متنوع ومتعدد بالضرورة، والتنوع والتعدد لا يقبلان الاختزال إلى فهم واحد، وليس هذا الفهم متنوعًا ومتعددًا فحسب بل سيالًا أيضًا، والسرّ في ذلك أنّ النصّ صامت ونحن نسعى باستمرار لفهم النصوص الدينية وتفسيرها سواءً بالفقه أو الحديث أو القرآن الكريم من خلال الاستعانة بمسبوقاتنا الفكرية وتوقعاتنا من النصّ والأسئلة التي تدور في أذهاننا في مرحلة سابقة، وبما أنه لا يوجد تفسير من دون الاعتماد على التوقعات والأسئلة والفروضات المسبقة، وبما أن الفضاء المعرفي خارج الدين متغير سيّال، كما أنّ العلوم البشرية والفلسفة ومعطيات الحضارة الإنسانية تزداد وتتراكم وتتغيّر باستمرار، فلهذا كله كانت التفاسير المترتبة على هذه الأسئلة والتوقعات والفروضات المسبقة متنوعة ومتغيرة (2)."
ولا يوجد أي دين طيلة تاريخه من دون هذه الكثرة والتنوع في افهام أتباعه، والشاهد على ذلك تاريخ الملل والنحل وعقائها. فكل فرقة ترى لنفسها الحق والصواب من دون غيرها، ولم يتبادر إلى ذهن أحدهم أن لهذا التعدد والتنوع غير قابل للاجتناب في التفاسير والافهام معنى ومدلولا آخر أيضًا، فلا يمكن قبول مفهوم أننا ولحسن الحظ على حقّ وأننا من أهل الهداية والنجاة، ومن سوء حظ الآخرين أنهم على باطل ومن أهل الضلال وأنهم لم يفهموا الدين الحق وبذلك انحرفوا عن جادة الصواب (3).
وأما المبنى الثاني: وهو تعدد تفاسير التجارب الدينية: يقول د. عبد الجبار الرفاعي حول التجربة الدينية وبيانها: "التجربة الدينية تعني مواجهة الله وإدراك حضوره، والمثول في حضرته، وتحسس هذا الحضور وتذوقه روحيًا. هي نحو تجلّ وجودي للإلهي في البشري. وبتعبير المتصوف الهندوس رادهكر شنان: "أقوى برهان على وجود الله هو إمكان تجربته وإدراك حضوره. فالله مُعطي تجريبي، ومضمون محسوس للتجربة، وحالة روحانية". التجارب الدينية متنوعة، كتجربة الانجذاب والهيبة، تجربة الاعتماد، تجربة الأمل، تجربة الحب، و...الخ. الإيمان الدينيَّ يرتكز إلى هذه التجارب، والنوع الأعمق والأشدّ لهذه التجارب ماعاشه الأنبياء والأولياء والمتصوفة والقديسون؛ إذ كانت لهم تجارب عميقة جدًا، وقريبة غاية القرب من الألوهية. التجارب الدينية أعمق من مستويات الأديان، فهي النواة المركزية للأديان (4)."
وأوّل من غرس بذور التعددية في العالم هو الله تعالى الذي أرسل رسلًا وأنبياء مختلفين وتجلّى لكل واحد منهم بمظهر خاص وبعث كل واحد منهم إلى مجتمع خاص ورسم تفسيرًا للحقيقة المطلقة في ذهن كل واحد منهم يختلف عن الآخر. وبذلك فُعَّلت ظاهرة تعدد الحقانية. وعلى الرغم أن الأنبياء كانوا يعيشون في مراتب مختلفة. وهكذا كل شخص يرى الحقيقة وتتجلى له من زاوية معينة وبمقدار استعداده، يمثل جلال الدين الرومي لهذا المعنى بقوله:
إن صوت الناي الذي ينفخ فيه العازف.
إنما يخرج الصوت بمقدار الناي لا بمقدار العازف.
فكل واحد منا كالناي جالس على مشرعة الحقيقة، وهذه الحقيقة تروي قصتها من خلال ألستنا وأفواهنا، فلو كانت أفواهنا بمقدار عرض الفلك فانها مع ذلك تضيق عن بيان الحقيقة كاملة.
والسر في اختلاف الأديان لا يكمن في اختلاف الظروف الاجتماعية أو التحريف الذي طرأ على الأديان واستلزم ظهور دين آخر، بل بسبب التجليات المختلفة لله تعالى في عالم الوجود، فكما أن عالم التكوين متنوع فكذلك عالم التشريع متنوع أيضًا (5).
يستوحي الفيلسوف المسيحي المعاصر " جون هيك" هذا المبنى من تفكيك " عمانوئيل كانت" واستلهمه لشرح هذه النظرية من خلال التفريق بين الواقع والظاهر، ووفقا لذلك فالمتدين إنما يتكلم عن الشيء في مرحلة ظهوره في أفق الإدراك، أي في الأفق المفاهيمي الحكائي، لكن حكاية ذلك بالمطابقة عن الشيء في أفق نفسه أمر آخر، ولا يقصد هنا النسبية بل المقصود أن رتبة الفهم العقلي أو الإدراكي متورطة وملتبسة باعتبارات خاصة بها.
ومن هنا يعتقد بعض المفكرين الغربيين كالفيلسوف الانكليزي والتر استيس بأنَّ البوذية دينٌ ألهيٌ، بمعنى اعتقادها بالله، كل ما في الأمر أنها لا تعرف تفسير تجربتها الدينية في قالب مفهومي بالقدر الذي وفقت فيه الأديان الأخرى نظرًا لمحدودية موقعها، فهي كافرةٌ نظريًا مؤمنةٌ عمليًا، كأي فرد منا هو جاهل بالأوكسجين قبل اكتشافه لأنّه لم يفسره نظريًا ومفهوميًا لكنه يلامس الهواء يوميا ويستنشقه.
وثمة مبنى ثالث لهذه النظرية لا ضير من عرضه: وهذا المبنى يمكن بيانه من خلال الاستناد إلى اسم " الهادي" لله تعالى، فهنا لو نسأل: قلنا إن الشيعة هم المهتدون فقط من بين جميع الطوائف والأقوام المتدينة" مع إخراج غير المتدينين" الذين يبلغ عددهم مليارات الأفراد، واعتبرنا أتباع هذا المذهب (الشيعة) هم الأقلية، وقد نالوا الهداية الإلهية وسائر الناس سلكوا طريق الظلال والكفر (في نظر الشيعة)؛ أو قلنا إن الأقلية من اليهود، وهم (12) مليون يهودي، هم المهتدون، والآخرين ليس لهم حظ من الهداية والنجاة، ففي هذه الصورة كيف نتصور معالم الهداية متجسدة على أرض الواقع؟ وأين يتجلى اسم الهادي على مستوى الخارج؟ وكيف يمكن نصدّق أنّ نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) بمجرد أن وضع رأسه على وسادة الوفاة فإن العصاة والغاصبين نجحوا في سرقة دينه من الناس وحرموا عامة المسلمين من فيض الهداية الإلهية وأهدروا بذلك جميع أتعاب النبي الأكرم. إن هذه الرؤية لا تعني أن يتخلى أتباع الأديان والمذاهب المختلفة عن العمل بمعتقداتهم وشعائرهم الدينية وفرض نمط من الأعمال الدينية على الجميع من دون مبرر، بل في لزوم النظر إلى الكثرة واختلاف الشعائر والعقائد من زاوية أخرى، فلا نحصر جوهر الهداية الإلهية في التعاليم الكلامية أو الفقهية. ولا يعني هذا المبنى سوى الإذعان برحمة الله الواسعة والاعتراف بنجاح الأنبياء في مهمتهم الرسالية وضعف كيد الشيطان، ورؤية رحمة الله الواسعة منبسطة في جميع أرجاء عالم الوجود (6).
إلَّا أن هذه الرؤية في مبانيها قد نقدت وصوبت اتجاهها ملاحظات هامة وصارمة وجديرة بالتأمل. نعرض لها في مقالة أخرى إن شاء الله تعالى.
***
أ. م. د. حيدر شوكان
جامعة بابل/ كلية العلوم الإسلاميَّة.
..................
(1) مقدمة عبد الرحمن بدوي، جون لوك، رسالة في التسامح، الناشر: مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد، الطبعة الأولى- 2006م، 8.
(2) ينظر: عبد الكريم سروش، القبض والبسط في الشريعة، الناشر: دار الجديد- بيروت، الطبعة الثانية- 2010م، 32-33.
(3) عبد الكريم سروش، الصراطات المستقيمة، 19.
(4) الإيمان والتجربة الدينية، الناشر: مركز دراسات فلسفة الدين- بغداد، الطبعة الأولى- 2015م ،9.
(5) ينظر: عبد الكريم سروش، الصراطات المستقيمة، 28- 33.
(6) ينظر: المصدر نفسه، 47- 50.



لا بد لنا ونحن نفكر في مشروع إصلاحي حقيقي، أن نعيد الاعتبار لما أسسه، وقعّد له جهابذة الإصلاح والمشروع النهضوي، منذ القرن التاسع عشر، في غرب العالم الإسلامي ومشرقه. ولعلنا لا نجانب الصواب حين نؤكد على هذا المطلب الأساس الذي لا نزال نعيش وطأة تجاهله، ومن يدعي أن بوسع العرب والمسلمين اليوم تحقيق نهضتهم من دون إحداث إصلاح جوهري في مستويات كبرى، كمن يسلم بإمكان تحقيق الحرية والديمقراطية من غير نضال ضد الاستبداد. هي تركيبة كليَّة تفرض نفسها على الإنسان والاجتماع، ولا حِوَل عنها. كان الفكر الإصلاحي، منذ نشأته، على دراية بالرهانات الكبرى التي هو مدفوع إلى تحقيقها، ومن غير شك؛ فإنه لخّص، على مدًى طويل، على من هم في دواليب القرار حلولاً لمعضلات قلما انتبهوا إلى أثرها. ولربّما كان للتاريخ دوره الحاسم في تحديد أشكال حضور الفكر الإصلاح في الوطن العربي، إلا أن آثاره لا يمكن نفيها أو تغييبها، مع فارق ملحوظ في شكل الإصلاح لدى كل مشروع على حدة، أ ينبغي أن يكون تربويا أفقيا أم رأسيا سياسيا. وهو ما يدفعنا إلى التفكير في مجموعة من الأسئلة الجوهرية: إلى أي حدّ يمكن اعتبار الإصلاح مشروعا لم يكتمل بعد؟ وما هي مستويات التفكير فيه؟ وهل الإصلاح ذو منظور واحد أم أنه متعدّد الأصوات؟
لا يمكن أن تستقيم العبادة من دون معرفة لدى العابد ازاء معبوده، فالاديان تأسست على العقائد ومعانيها ودلالاتها ثم جاءت الشعائر أو الطقوس بعد ذلك، فمعرفة الحق سبحانه هي ما يبتنى عليها جوهر الاسلام برمته، ولهذا قال أمير المؤمنين علي بن ابي طالب في خطبة محورية له: (أول الدين معرفته، وكمال معرفته التصديق به، وكمال التصديق به توحيده، وكمال توحيده الاخلاص له...)، وفي السياق ذاته يرد الحديث القدسي: كنتُ كنزاً مخفياً لم أعرف فأحببتُ ان اعرف فخلقت الخلق فتعرفتُ إليهم فعرفوني).


يتكلم المستبدّ كثيرًا بالسياسة والدولة والقانون والوطنية، ويشغل الناسَ بالشعارات الصاخبة، لكنه عمليًّا يعبثُ بالحياة السياسية فيهشّمها، ويبدّد مواردَ الوطن بالنهب والحروب العبثية، ويفكّك الأسسَ المركزية للدولة.
عندما نتأمل النفس الإنسانية نرى بواعث العنف كامنة فيها، منها الحاجة للتملّكِ في حياة الإنسان، وهي ضروريةٌ لاستمرار الحياة، ومواصلة العمل والمثابرة والانجاز. التملّك يشعر معه الإنسان بنوع من الأمان والثقة والسلطة. هذه الحاجة إذا لم تخضع لقوانين عادلة لا تقف عند حد نهائي، بل تنقلبُ الحاجةُ للتملّكِ إلى مشكلة لحظةَ تتضخم ليصبح موضوعُها امتلاك البشر بدلًا من امتلاك الأشياء، ومصادرة حرياتهم وحقوقهم، والتسلط عليهم والتحكم بمصائرهم. الشغف بالسلطة المطلقة ناتج عن حاجة الإنسان للخلود، لذلك عندما يستحوذُ شخصٌ على مثل هذه السلطة يستعبد كلَّ مَنْ يتسلط عليه، ويمارس كلَّ أشكال العنف ضده حين يشاء، وذلك يجعله يعيش حالة زهو واحساس هائل بالمتعة لا يجدها في غير السلطة.
التجديد يتطلّب اكتشافَ نظرية المعرفة في الإسلام التي تشكّلت في ضوئها علومُ الدين. علم الكلام في رأيي يمثل نظريةَ المعرفة المؤسِّسة للبنى اللاشعورية في التراث، وفي ضوئها تشكّل كل من علم أصول الفقه وعلوم القرآن والتفسير وعلوم الحديث وعلوم اللغة العربية ومعاجمها، وحتى التصوّف تحكّمت في رؤيته للعالَم لاحقًا المقولاتُ الاعتقادية للكلام الأشعري وغيرها من مقولات الكلام القديم، الذي اصطلحت عليه "تصوّف الاستعباد" مقابل "تصوّف الحرية" الذي أعني به التصوّف المعرفي الخارج على الرؤية المغلقة للكلام القديم، الذي صنع رؤيته الروحية والأخلاقية والجمالية للعالَم. تصوّفُ الاستعباد تشبّع بتقاليد الاسترقاق في الزوايا والتكايا والخانقاهات، وكان يصطاد الأرواح المهشّمة والقلوب المنكسرة، وقد تفشى في عصور متأخرة لدى الطرق الصوفية. تصوّفُ الاستعباد يُدجَّن فيه المتصوف على الاستسلام والرضوخ والطاعة العمياء لشيخ الطريقة.
التجديد ومسألة المنهج:
مدخل:
تزايدت الاسئلة القلقة في راهن الجماعات الدينية المتطرفة حول امكانية اعادة قراءة النص الديني قراءة عقلانية خارج الاطر التقليدية التي اختزلت الدين من وسطيته المرنة المتسامحة الحاثة على التفكير والتدبر والتامل والتساؤل الى غلو متطرف حافل بالتحريم والترهيب وقمع الرأي وتكفير الأخر وتحويله الى وثن.. خارج الاطر التي صيرت القبلي والطائفي والسياسي والتاريخي، واحيانا الفوضوي دينا اثناء اتساع رقعة المنظومة الفقهية الحربية الصدامية واختصار الدين بالجهاد الدموي التكفيري وتجريد الاسلام من دعوة الانماء والتغيير بالسبل الاصلاحية السلمية الحضارية، ماساهم في ضخ المزيد من حركات التطرف الديني والدفع بها نحو المشهد السياسي وتنامي ظاهرة الارهاب محليا ودوليا.
لقد فطن محمد عبده ومدرسته، بأنه لا سبيل لتفعيل المشروع النهضوي - الذي خطط له وشرع في تنفيذه - إلا بإحياء العلوم العقلية وإدراجها في المعارف التعليمية والترويج لها في الصحف وعقد الحلقات النقاشية لتبسيطها للجمهور وإقناعهم بأنها خير سلاح يمكن للمسلمين الزود به عن دينهم أمام هجمة غلاة المستشرقين الشرسة التي أعدت العدّة للتشكيك في أصول الدين وسنة النبي والتاريخ الحضاري للأمة الإسلامية ونشر الإلحاد بين شبيبة هذا العصر.
نتيجة أنَّ التنوير ليس ذا سياقٍ في شرقنا العربي الإسلامي (وهذا يسبب إساءة الفهم المُزْمِن للظروف التاريخية)، فقد أفرزَ الواقعُ ظواهر زائفةً. ليس أقلُها وضوحاً وجود شخصيات (غير مستنيرةٍ) تتكلم وتلهج (بعبارات التنوير) طوال الوقت. والمفارقة تقول على طريقة المثل الشعبي: (القرعة تتباهي بشعر بنت أختها). فبفضل شيوع التخلف والفقر الفكري (الصلّع الثقافي)، يرفع هؤلاء السطحيون (لافتات براقة) لمواكبة المُودّة، وإحراز الحُظوة لدى أصحاب الأموال والصولجان. هم شخصيات زلقة (مُخاطيّة) ومتسلّقة وجدت في مقولات التنوير (وأفكارها الرمزية في الغرب: الحرية والنقد والتفكير العلمي والعقلانية والحداثة والتقدم ومحاربة الخرافة) نوعاً من الإكسيسوارات والأقنعة. إكسيسوارات يتم ارتداؤها في حفلات ومؤتمرات (المثقفين والكتاب) المتربحين بالكلمات الحداثية وسط محيط من (رمال الجهل) الوثير والناعم.
الحركة النسوية Feminism، تعبر عن مضمون فلسفي وفكري، برزت أفكارها في أطاريح أكاديمية، وأساس فكري (المساواة)، وأطر تحليلية متعددة تحمل الطابع الفلسفي الحداثي من النظرة المادية التجزيئية للإنسان .ترتكز علي أساس فكري، المساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، وإلغاء أي بعد للأدوار والوظائف للجنسين المترتبة على الفروقات البيولوجية بينهم . تهدف من خطاباته المنظرة إلي إلغاء ثقافة التمييز، وتمكن المرأة في جميع المجالات، من خلال التغيير الجذري للأسس والمفاهيم، في العلاقات المتبادلة بين الجنسين، تحت مصطلح الجندر في جميع الأسس والبني .
لم تعد الرغبة في الإصلاح الديني الآن موضعًا للشك والخلاف؛ فجميعنا نطالب بإصلاح بنيوي للفكر الديني بناءً على فهمٍ سليم لجوهر التعاليم الإسلامية وروح الشريعة ومعرفة مقاصدها، ولأننا جربنا الاستماع كثيرًا إلى الخطاب المتشنج غير المنطقي والمغرق في الإرهاب الفكري ونبذ الآخر، والقائم على المنع والكبت والوقوف عند ظواهر النصوص ومنع التفكير مطلقًا بحجة أن العقل لا دخل له في الدين، مع أن غير العاقل لا يًخَاطب بنصوص الكتاب والسنة ويخرج عن دائرة التكليف، لأننا جربنا كل ذلك وكانت النتيجة هزيمة حضارية كبرى؛ فلماذا لا نجرب النهج الحداثي المبني على استيعاب التراث العقلي عند المسلمين، والذي دعا إليه المصلح الثائر جمال الدين الأفغاني، وتلميذه الحكيم الأستاذ الإمام محمد عبده.
واحدة من الجرائم الكبرى التي ترتكبها جماعات التشدد والعنف بحق الدين هي محاولة صبه في قالب أيديولوجي حديدي يستحيل معه أن يُفهم الدين إلا من خلاله، ومن ثم يتم تطويع كل عقائد الدين لتبرير هذه الأيديولوجيا، فنجد أنفسنا في نهاية الأمر أمام دين جديد مخالف تمامًا لدين التأسيس بل ومضاد ومعادٍ له في كثير من الأحوال.
نبدأ حديثا بطرح سؤال وسنحاول أن نجيب عليه، هذا السؤال هو، هل الفلسفة جدال؟!!
إن طرح أية قضية نعتقد بأنها تساهم في تقدم هذه الأمة أو تخلفها، يتطلب منا وضعها على بساط البحث والنقاش والتحليل لمعرفة دورها وأهميتها وكيفية التعامل معها.






