بقلم: دامون غالغوت
ترجمة: صالح الرزوق
***
لم نكن لا نحبه (المقصود بهذا الكلام رجال تحترمهم: يمكننا أن نكون أشرارا، ودجالين وعنيفين بدون قصد، ولكن إذا دعت الظروف، يمكننا التفاهم مع بعضنا البعض). كان صبيا برأس أحمر واضح، وسن أمامي فقد لونه. اسمه دانييلز، وجاء من بارل Paarl. كنا اثني عشر شخصا في تلك الخيمة ولشهرين. وانتشرنا هنا، بعد تدريبات أساسية، كما هو حال الحياة العسكرية في كل أرجاء العالم، في قواعد ومواضع تشمل كل البلد، وأصبحنا سكانا مؤقتين في أكواخ للحراسة، وغرف خشبية للمراقبة، وثكنات، وتجمعات. وأخبرونا أن فترة سنتين مدة قصيرة لخدمة بلدنا. ولكنها تكفي لتتجول خلالها بين الكثير من الأماكن وأنت بحالة انتظار. (وهي كافية لتموت، ولكن هذا موضوع آخر). تم نقلي بين ثلاث معسكرات مختلفة قبل هذا الموضع: فالابوروا في ترانسفال الشرقية، وبيت لحم في البلاد الحرة، ويوبينغتون في كيب. وفي آخر عامي الأول انتقلت مجددا: في هذه المرة إلى الشمال بالقرب من الحدود. وطبعا هي حدود جنوب غربي إفريقيا، وكانت مشهورة في السابق بأنها مكان الحروب الحقيقية، وسبقها ملايين الحدود الأخرى التي ترتسم الآن داخل البلد (وطبعا أنا أشير للعلاقات المحلية، ولكن ذلك أيضا موضوع آخر). لا يزال الناس يموتون هنا، ولكن موتهم بعيد عنا. أقمنا في معسكر صغير، بعيدا عن القواعد الكبيرة التي تتخلل الغابة. ونمنا في خيم وتبرزنا في حفر حفرناها. كان هناك شيء بدائي حول وجودنا، كما لو أننا اقتربنا من الطبيعة. حتى ملابسنا - البنية المعهودة - مموهة. وكنا لبعض الوقت ننتشر في طبيعة صعبة. ولو أخذنا الكلمة بمنحاها الغريب، كنا بعيدين جدا عن الحضارة، كانت محنتنا ميتافيزيقية: وأصبحت أشعر بالمسافة والوقت. ولكن كنت أعلم سبب وجودي، أنا وجميعنا. وهو الحرب، والموت والألم. وهذا يعطينا هدفا ما في النهاية. نام دانييلز في سرير يفصله عني سريران. وقد أرسل من معسكر قرب بلومفونتين. وكما أخبرني مجددا، كان نقله عقوبة على مخالفة افتراضية. كان حضوره في الخيمة صامتا: يحيط به الهدوء والحياد. والنشاط الوحيد الذي يعزله عن البقية هو هوسه بالشطرنج، وعلى ما يبدو أنه يلعب ضد نفسه، دون أي غاية، وذلك على رقعة شطرنج باهتة. ذهبت إليه وسألته: "هل تريد أن تشاركني اللعب؟". رفع نظرته الجامدة وسألني: "هل ترغب بذلك؟". قلت له: "نعم. قليلا. كان أخي ماهرا به". جهز الرقعة. وخسرت.
بعد ذلك لعبنا مرارا. كان لاعبا أفضل مني، وغالبا ما هزمني. وبطبيعتي لم أكن خاسرا طيبا. ولكنني لا أحقد بعد الخسارة. الهدف أن نلعب. لحقنا الضجر هناك، في مملكتنا هذه ذات السهول المترامية الأطراف. لم يكن هناك شيء يخفف من الملل، من المعنى الغامض لأن تكون حيا. كنا نحرس بين وقت وآخر. ونشارك بالدوريات. ولكن بنظر البقية كنا جنودا نؤدي الواجب، وأنفقنا وقتتا كما ينفقه الجنود: نسكر، ونتبادل النكات، وكانت لدي أشياء أخرى تشغلني. إذ أنه لدي طموحات شعرية: أردت أن أكتب قصيدة. كل ليلة أتحدى جمود زملائي الأميين (بعضهم يبتعدون صامتين في رهانهم للتهرب من الكلام)، أدون الشعر على دفتر بنابض صغير أحتفظ به لهذه الغاية في خزانتي. لم تكن قصيدتي جيدة. وكنت أنا والقصيدة نعرف ذلك عن ظهر قلب: وفي تلك الأيام لم أكن وحيدا تماما. كنت أنا ودانييلز رفيقين. وأستعمل الكلمة بمعناها غير المباشر. لا توجد صداقات عند الحدود، ولم نتشارك بالأسرار. (حتى أنني نسيت اسمه الأول، إذا كنت أعرفه جدلا). ولكننا ترافقنا في المهمات الصغيرة الكثيرة ومنها الاستمرار بالحياة في ظروف الغابة: غسيل الملابس، والحراسة. وفي إحدى المرات سمح لي برؤية صورة عشيقته، بنت طويلة ونحيفة بمقوم أسنان. وكانت لا تزال في المدرسة الثانوية. لم نكن نرفضه. فقد كان في الخيمة أشخاص أغرب منه، ولكن حتى تجاه أولئك لم نظهر العداء. القوانين الطبيعية لا تعمل في الغابة. كلنا تم إرسالنا إلى هنا لفترات مختلفة بغاية العقوبة، ولم يكن لدينا خيار غير تحمل بعضنا البعض. لم يكن هناك حب، ولكن هناك تفاهم. وهكذا كنا جميعا شهودا على معركة غير محتملة. حينما وصلت إلى المعسكر أول الأمر، كانت خيمتنا تحت أمرة رجل بدين وبدون بطن، اسمه حينها ريتيف. العريف ريتيف كان على وشك أن ينهي عقدا مدته أربع سنوات (في القوات الدائمة)، فقد بقي له شهر واحد. لم يكن لديه اهتمام بالانضباط، وكان ينظر للعالم من خلال عينين صغيرتين يخيم عليهما الغموض. لم نتحمل التفتيش. في الليل يتسلل العريف ريتيف المخمور إلى الخيمة. ويوازن نفسه على ساقين مرتجفتين، ويحني جسمه المترنح على سرير قريب وينعم علينا بقصص من ماضيه. ومع أنها غالبا كئيبة أيضا، تذكرنا بعالم غير هذا العالم، حيث يرتدي الناس ثيابا مدنية ولا يحملون البواريد. وقد ارتفعت معنوياتنا في ظل هيمنة بدون هدف. تراكم الغبار في خزاناتنا. وكنا ننام في أسرتنا، وفي الصباح نعيد ترتيبها، بلامبالاة كما لو أننا في بيوتنا. ولم نتصور أنه سيأتي يوم ويرحل. ولكنه غادرنا: في أحد الأيام رحل العريف ريتيف وهو محمل بعلب من الويسكي، وأخلى المعسكر بسيارة داكوتا مضعضعة وثقيلة ولا تسر النظر مثله. وفي الليلة التالية وصل بمكانه العريف كلوت. واسمحوا لي بوصف هذا الرجل. له بنية صغيرة، ونحيلة، وعلى خده ندبة براقة. عيناه متقاربتان جدا، وغائرتان في جمجمته. وشعره المحمر مصفف إلى الخلف ابتداء من جبينه. أسنانه مزدحمة وكبيرة وكاملة، وحينما يبتسم، تسطع في وجهه. أما يداه - ولسبب ما فهي ما يبقى من ملامحه في الذاكرة - رقيقة وصغيرة، وكأنها يدا عازف بيانو. ولكنه لم يكن عازفا. وكان على الحدود لعدة سنوات مضت، وخلال تلك الفترة، تسلل إلى روحه جزء من الغابة المظلمة، ولم يتركه أبدا. يمكنك رؤية ذلك على وجهه. تلك العينان المتقاربتان تحدقان بنظرة واحدة لا تطرف، وكأنهما عين سيكلوب. كان يزدرينا، على ما أظن. ليس لأننا تبعيته، ولكن لأننا أحياء. ومنذ لحظة وصوله، أصبحت خيمتنا مكانا آخر. كل صباح في الخامسة فجرا، نقف للتفتيش. يبرز في الوقت المحدد متنبها ومتيقظا كرجل أفاق منذ ساعات. وبقدرات شيطانية ومتأهبة يمر من بين صفوفنا، وهو يتمعن بكل شيء حتى أصغر ذرة غبار. وبواريدنا المنظفة حديثا، مفكوكة ومرتبة على أسرتنا. ومع أن أبواطنا نظيفة، وقمصاننا منشاة، يحرص على أن يجد، في شق لا تصل إليه أصابعنا، أثر حبة غبار لتكون خطأنا القاتل. حينها يرفع صوته العالي والصافي ليصيح: "رياضة". فنسرع جميعا في العتمة نصف المطبقة لنتخبط ونرتدي الشورت والقميص. وتحت الشمس الصاعدة نتجمع متسائلين باضطراب شديد عما سنعاني منه. سوف نكون طيلة ساعتين متواصلتين بدون انقطاع تحت أمره: نجري حول الخيم، نتدحرج على الأرض، نؤدي تمرينات الدفع. وهو واقف بجوارنا بدون حراك، ليراقب كدحنا البائس وكأنه إله. وفي الختام يسمح لنا، بعد أن نلنا كفايتنا من الرضوض والخدوش، ونحن نسبح بالعرق، بالعودة إلى خيمتنا. كان يعرف دانييلز من قبل. في أول ليلة له - ليلة وصوله- جاء يمشي على طول ممر الخيمة، بين الأسرة، حيث وقفنا بانتباه واستعداد، ثم توقف أمام دانييلز. مرت لحظة صامتة قبل أن يضحك، بنعومة، لنفسه.
قال له: "أنت. أنت".
"نعم أيها العريف".
"ماذا أتى بك إلى هنا؟".
"تمت تعبئتي هنا أيها العريف".
قال كلوت: "آه. آها". ثم اقترب مني، وهو يمتص أسنانه الجميلة. وبعد أن غادر، واختفى في سواد الليل مثل شبح، اجتمعنا حول دانييلز لنسأله: "من أين تعرفه؟ كيف هي شخصيته". لكن لم يرد علينا. واكتفى بأن قال: "كان يعيش مثلي في بال، وانكفأ على رقعة شطرنجه، ليلعب بمفرده في هذه الليلة. وبعد ذلك بقليل حينما قمنا بالحراسة معا عند بوابة المعسكر، ركل دانييلز حجرة كانت في الطريق وقال:" أريد أن أسألك سؤالا".
"نعم؟".
"هل تؤمن بالانتقام؟".
قلت له: "ماذا تعني بكلمة تؤمن؟".
"هل تعتقد أنه شيء له علاقة بالسماء؟".
قلت له: "لا. لا".
لم أفهم ماذا يقصد. كان القمر في تلك الليلة مكتملا (لأن نوبتنا متأخرة). وسطع علينا، بلون أبيض بارد ونقي. كانت الغابة حولنا: لا تنام وسوداء، فهي جلد القارة الهامس. كان كلوت يمقت دانييلز. المقت الذي يحمله لنا من النوع العام: النفور الجماعي الذي يحمله تجاه كل الجنس البشري كشكل من أشكال الرحمة. ولكنه كره دانييلز كراهية خاصة وذاتية جدا. كان يصيح أثناء التدريبات: "دانييلز يرتخي يا أولاد". أو: "دانييلز لا يتمرن بطريقة مناسبة يا رجال. عليكم جميعا القيام بدورة جريا حول المعسكر". ولم يوجه كلامه لدانييلز بشكل مباشر. والعقوبات التي طبقها عليه طبقها علينا جميعا. وكلما أشار له، يفعل ذلك بصيغة الغائب، كما لو أنه غير موجود. مثلا: "دانييلز لا يجهز نفسه للتفتيش". أو: "دانييلز لم يحلق كما يجب. سأفرض عشر قفزات عالية لكل شعرة أجدها على ذقنه". وحينها بدأنا ننظر إلى دانييلز على أنه مصدر سوء حظنا. في الخيمة ليلا، حينما يأوي كلوت إلى غرفته، نناغيه قائلين: "هيا يا دانييلز... حرك نفسك يا رجل. لا تطمرنا بالبراز يا دانييلز". وحتى أنا، شريكه في الشطرنج، أشارك بالحفلة. وأقول له: "عليك أن تحسن أداءك". نظر لي بمرارة وقال: "سأحاول".
قلت له بصوت ضعيف: "أعلم. ولكن عليك أن تحاول جهدك. انظر. نحن نعلم جميعا أنك لست السبب. هو يحمل عليك، ويمكننا رؤية ذلك. ولكن عليك أن تكون أفضل منا كي لا يتمكن من إلقاء اللوم عليك".
قال دانييلز: "ولكنه سيلقي اللوم علي. وسيحاول أن يلقي علي اللوم بكل طاقاته". لا بد أن دانييلز أضر به في السابق. وهذا واضح للجميع. شيء فظيع وقع بينهما ولذلك يريد العريف كلوت أن ينتقم منه. حاولت أن أتخيل ماذا وقع بينهما. دانييلز تسبب بشلل أخيه. دانييلز سرق سيارته. كلما جاءت هذه الأفكار في ذهني، أنظر عبر الخيمة إلى دانييلز - أراه جالسا على سريره، وحده مع أفكاره، وأقرر أن ذلك غير ممكن. فأتخيل دهشتي حينما أكتشف أن سبب انتقامه المتواصل مجرد فتاة نحيلة وشاحبة رأيتها في صورة عرضها علي. اعترف لي في إحدى الليالي ونحن نعود من البار: " إنها ليانا. هي المشكلة". قبل ثلاث سنوات، سرق دانييلز ليانا من بين براثن العريف كلوت - وحينها لم يكن عريفا، ولكن مجرد صبي في الشارع، وبعمر دانييلز نفسه. ولم ينس ستيفان، وهو الاسم الأول لكلوت، كما علمت منه، ذلك. كان أمرا عبثيا: اثنا عشر رجلا منا، تورطوا هنا في هذا القفر، وعانوا من اضطهاد بلا نهاية، فقط لأجل بنت المدرسة الثانوية هذه، والتي لم نتشرف بمقابلتها. وناح دانييلز يقول: "حتى أنني لم أكن أحبها". تابعنا مشينا معا في الظلام. ثم حان موعد الدورية. قمنا بجولة معا. وهي السبب الطبيعي لوجودنا في المعسكر. انطلقنا محملين بجعبة وجهاز لاسلكي وكيس نوم وبارودة وبمجموعات صغيرة لنمشط المرج. مشينا بصمت وبرتل جانبي ولأميال عبر أعشاب وصلت إلى خصرنا. في الليل نمنا بدوائر، والعريف في نقطة المركز. وتلك كانت المهمات الطويلة - استغرقت أسبوعا في بعض الأحيان - وكنا نعود دوما، إلى المعسكر مرهقين، ومضعضعين، ومجوفين ولكن يملأنا الخوف. وحتى القيادة اللطيفة للعريف ريتيف لم تخفف من أثقالنا: لو قابلناهم ونحن نقوم بالدورية، ليس أمامنا غير أن تقتل أو تكون قتيلا. فجأة أصبح العدو موجودا، وله وجه، وبذة تشبه ما لدينا. في الواقع شاهدت وجه هذا العدو عدة مرات: بين حين وآخر تعود دورية يتقدمها سجناء تدفعهم بالحراب. هؤلاء -السجناء - شباب سود، يتعرقون كما كان يحصل معنا تحت وهج الشمس. أياديهم مرفوعة إلى الأعلى، ووجوههم فارغة، ويكونون بطريقهم إلى زنزانة في قلب المعسكر. وهناك وراء جدران من حديد بارد، يخضعون للاستجواب الواحد بعد الآخر. ويمكن سماع الصراخ من الزنزانة، حين يتردد صداه المكتوم عبر الفولاذ. لم يكن مكانا طيبا. وأحيانا كان هؤلاء الرجال يأتون وهم جثث هامدة. تحوم الحوامات فوق الأشجار كالطيور، تأتي وتذهب بشحنتها المقبضة. وقد رأيت هذا أيضا: جثث ممزقة، جمدها الموت، تهبط من المروحية كالخنازير. وتعبأ بأكياس سود وتنقل بعيدا، ولم أعرف إلى أين. لم أتصل بأحد أثناء الدورية. وكنت أبغض هذا: تبادل الإطلاق مع مجهولين في الظلام. كنت شاعرا، ولكن لم أحب الاقتراب من الموت.
في أول دورية لكلوت. قال وهو يقطب وجهه بمرح: "ليرافقني ستة منكم". بعد يومين صعدنا على متن مروحية، وتوجهنا جوا إلى الشمال الغربي. وعبرنا الحدود إلى بلد غريب. وطبعا كان دانييلز معنا. جلس بجانبي في الطائرة، وركبته بملامسة ركبتي. أعتقد أنه كان يرتجف. صاح كلوت: "هل أنت jy bang * يا دانييلز خائف؟ هل أنت خائف؟".
همهم دانييلز: "كلا أيها العريف". تابعنا الطيران. هبطنا بالطائرة على بعد عشرين كيلو مترا في أنغولا، في منطقة شهدت معارك عشوائية في الأسبوع الماضي. ما أن أقلعت المروحية، وصوتها يتبعها، انفتح العالم الواسع من حولنا، وهو ينبض بصوت الحشرات والحر. استلقيت حيث كنت أختبئ بين الأعشاب بعد الهبوط، ضغطت خدا واحدا على بيت نمل. وفكرت: من فضلك يا ربي. لا تدعني أفقد حياتي. قال كلوت: "حسنا أيها الصبيان. لنتحرك". بطابور واحد وبأقدام ترتدي البوط، تقدمنا على أطراف أصابعنا في المروج مثل راقصات.
بعد ثلاثة أيام وقبل عدة ساعات من موعد عودتنا المقررة: رفعت بصري إلى الأفق، رأيت فوقه خيطا صاعدا من الدخان مثل بخار من فرن ساحرة. ثم زمجر جهاز اللاسلكي. مخيم أعداء فاجأته خططنا. حصل ذلك قبل عشر دقائق تقريبا. كنا متجهين جنوبا، نحو البلد والأمان. ولكن لم يكن من المقرر أن يحصل هذا الآن. وكان ذلك بعد الفجر مباشرة. كان الهواء باردا. والقمر مشرقا، كأنه بصمة إبهام في السماء. بواريدنا ملتصقة بصدورنا. جرينا من أيكة إلى أيكة. وانحنينا حتى انطوينا على أنفسنا. ونحن نحمل على ظهورنا وزن الموت غير المرئي. وكان دانييلز بجواري. ومثل اجتماعنا الليلي، كانوا على هيئة دائرية. بهذا الشكل كأنهم في ذروة طقس غامض ما، حينما ماتوا. وكما ذكرت لم يكن هذا أول منظر جثث بالنسبة لي. ولكنه أول لقاء لي مع الموت أواجهه مؤخرا، كانت الأرض لا تزال تطلق الدخان. استلقوا بين الأشجار، مكومين ومتخشبين كما يبدو، كأنهم فحم خرج من باطن الأرض. رجل واحد (كدت أتعثر به) ولا يزال في كيس نومه، تجمع على نفسه كجنين في وضعه الأبدي. وكان الهواء مشحونا برائحة كريهة. ارتعش صوت دانييلز في الفضاء وهو يقول: "هنا يوجد أحدهم على قيد الحياة أيها العريف".
"لا تدعه يتحرك".
وأنا أقترب من جسد مسجى آخر رأيت فيه الحياة: يد سوداء تزحف كالسرطان بين الحجارة. صرخت وأنا أرفع بارودتي: " أنت". تبادلنا النظر من وراء الفولاذ. كان ممزقا. جريحا. وجسمه محمر من الأسفل. عيناه المستديرتان نوعا ما، كانتا في رأسه مصفرتين، مثل صفار البيض. صحت أقول: "وآخر هنا".
"لا تدعه يتحرك".
وقفت كالتمثال، في الضوء القاسي، وأنا أقبض على بارودتي بين يدي. كان الرجل تحتي جامدا. وقد استلقى متكئا على ذراع واحدة. كما لو أنه يتقلب في فراشه، راقب وجهي بتلك العينين الصفراوين المدهشتين. وراء ظهري، توقفت الحركة. نظفنا المنطقة ولم نجد أحدا بالجوار. بدأت القصائد تنتعش في داخلي، وتجهز ما رأيت بشكل شبكة من الكلمات. جاء كلوت باتجاهي. ركع بجواري، ليدقق بوجه الرجل الأسود. نظر إلى أسفل يفحص ساقه. انغلقت العينان أمامي لحظة، مثل ضوء ينكسر. نهض كلوت. أخرج مسدسه من حامله. حرر الصمام. وأطلق على الرجل في وسط جبينه. (سأرى هذا دائما: الجسد يهوي إلى الخلف، والدماغ ناصع كالمرجان). وقفت مخدرا. وبارودتي غير الضرورية تسدد نحوه، تابعت النظر نحو شيء فارقنا بدون مشاعر، شيء رحل. لم يتمكن صوت الطلقة من النفاذ في جمجمتي. قال كلوت: "كان جرحه بليغا". انتقل إلى الأسير الآخر، المستلقي عند قدمي دانييلز مثل أسيري. ركع هنا أيضا. قام بالفحص الشامل. وقف مجددا. ولا يزال المسدس بيده. سدده. توقف. وخفضه مجددا. وقال: "أطلق عليه يا دانييلز".
قال دانييلز: "كلا".
كان كلوت قد استدار، مبديا اللا مبالاة. توقف بمنتصف خطوته، وظهره لدانييلز.
قال: "أطلق عليه".
"من فضلك أيها العريف".
"هذا أمر".
واجها بعضهما البعض. ووقفنا حولهما بدائرة، صامتين، نراقبهما. كرر كلوت قوله بثبات: "أطلق عليه". ضغط دانييلز بارودته على جبين الرجل. وأطلق. خرج طير من أحد الأشجار القريبة خائفا، وهو يرفرف نحو السماء. تركناهم هناك كما وجدناهم، وأسرعنا عبر الغابة. قلت لنفسي: هذا لا يهم، لا شيء يهم أبدا. حيواتنا إشارات محفورة في الفراغ. مثل ألعاب نارية نطلقها في الليل، سفينتنا تحترق وتلتهب لبعض الوقت، ثم تحتضر بسرعة، وتنطفئ. الانتقام حساب. فقد انتهى كلوت من دانييلز. بعد ذلك الحادث في أول دورية (والذي لم نتكلم عنه)، الاضطهاد انتهى. تابعنا الوقوف للتفتيش، وتابعنا المعاناة من عقوبات التمارين التدريبية. ولكن لم تكن الآن بسبب دانييلز. عدوانية العريف كلوت لم تتغير. ولكنها أصبحت غير شخصية عنجهية موجهة علينا. طبعا قمنا بدوريات متكررة بعد ذلك. وشاهدت العمل الذي أمقته، فقد كان رجلا جريحا. ولكن في هذه الحالات كنا نأسر سجاءنا أحياء، ونسوقهم أمامنا إلى المعسكر بنهايات بواريدنا. لم ألعب الشطرنج مع دانييلز ثانية. وفي الحقيقة لماما ما تكلمنا بعد ذلك. ولكن استيقظت مرة في الليل، وسمعته يبكي. الزمن هو القس الذي يستوعبنا جميعا: مرت السنة مثل فصل ووجدنا أنفسنا، مشتتين مرة أخرى، في الجنوب، وأصبحنا مدنيين في غضون ليلة. قابلت دانييلز بعد سنة أو اثنتين، في بار في بلدة ترانسفالية صغيرة، وكان يعمل فيها مساعد بائع وتوجب علي التوقف ليلا للاستراحة خلال سفرياتي. أخبرني أنه تزوج وطلق. سألته: "هل هي ليانا؟". طرف بعينيه وقال: "من؟. آه. هي. لا. لا. بل إنسانة أخرى". شربنا معا. وتكلمنا عن حياتنا في الشمال. كتبت القصائد لبعض الوقت، بعضها نشرته مجلات أدبية في جوهانسبورغ. وإحداها - أول 'قصيدة' ناجحة لي كانت عن دانييلز، وعن أول دورية لنا مع كلوت. انشرح صدري ونحن نشرب فدونتها على قفا فوطة خدمة ومررتها له. قرأها، وقطب وجهه، ثم أعادها لي وهو يقول: "لا. لم يكن الحال كذلك". كنت مخمورا ومتوترا، وافترقنا بدون أن نتفق. وكما أذكر، اختفى في الطريق تحت المطر، وتململمت في الخلف، لأخبره أن القصيدة تتجاو شخصيته لأنها شعر. ولكن أشتبه حتى حينذاك أنه كان محقا: لم يحصل ذلك كما كتبته، هناك أشياء في الحياة لا يمكن للكلمات أن تحيط بها.
***
....................
* باللغة الأفريقانية.
* دامون غالغوت Damon Galgut كاتب من جنوب إفريقيا. والقصة مترجمة من مجلة "حكايات الشتاء - وينترز تيلز". العدد الخامس. ص35-48.







