أقلام ثقافية

احمد عابر: حين يرى الإنسان صورته.. تأملات في لوحة نيتشه والفرس

"يفتش الإنسان في كل شيء عن شيء منه، يريد أن يرى صورته منعكسة في كل ما يواجهه في هذا الوجود.. حتى في إيمانه يتطلع إلى أن يرى صورة كمالاته المفقودة متجلية في الإله الذي يعبده".. عبد الجبار الرفاعي

ليس هذا القول وصفا نفسيا عابرا، بل تشخيص دقيق لجوهر التجربة الإنسانية. فالإنسان لا يواجه العالم بوصفه موضوعا محايدا، بل بوصفه مرآة. كل ما يراه، يراه محملا بشوقه، بنقصه، ببحثه عن اكتمال لم يتحقق بعد. حتى الإله، في أعمق طبقات الإيمان، لا يطلب فقط بوصفه مطلقا، بل بوصفه صورة لما ينقص الإنسان من معنى وطمأنينة وكمال.

من هذا الأفق، يمكن النظر إلى اللوحة التي تصور رجلا يحتضن فرسا منهكا، لا بوصفها مشهدا تاريخيا، بل بوصفها مرآة للألم الإنساني حين يبلغ أقصاه.2458 Nietzsche

في اللوحة، لا مدينة واضحة، ولا زمان محدد. الخلفية سوداء كثيفة، كأن العالم انسحب تاركا الكائنين وحدهما. الرجل منحن، وجهه قريب من رأس الفرس، لا يسيطر عليه، لا يقوده، بل يتكئ عليه. الفرس واقف، لكنه واقف بصعوبة؛ جسده ثقيل، عيناه مفتوحتان على إنهاك صامت. لا دماء، ولا حركة عنيفة، ومع ذلك فالألم حاضر بقوة. إنه ألم بلا صراخ، بلا تفسير، بلا خلاص. هذه اللوحة لا تطلب الشفقة، بل تفرض المشاركة. المشاهد لا يقف خارجها، بل يستدرج إلى داخلها، ليجد نفسه متورطا في السؤال: أين أنا في هذا المشهد؟ هل أنا الرجل؟ أم الفرس؟ أم ذاك الصمت الذي يحيط بهما؟

في شتاء عام ١٨٨٩، في مدينة تورينو، رأى فريدريك نيتشه رجلا يجلد فرسا في الشارع. اندفع نحوه، احتضن رأس الفرس، وانفجر بالبكاء. بعد تلك اللحظة، انهار نيتشه عقليا، ولم يعد إلى صفائه الذهني مرة أخرى. كثيرا ما تقرأ هذه الحادثة بوصفها علامة على الجنون، أو دليلا على الانهيار العصبي.

لكن قراءتها فلسفيا تكشف شيئا أعمق: نيتشه، الذي فكك الميتافيزيقا، وهاجم الأخلاق، وأعلن موت الإله، لم يحتمل رؤية الألم العاري. في تلك اللحظة، لم يكن الفرس حيوانا فقط. كان مرآة. مرآة لإنسانية لم يعد نيتشه قادرا على حمايتها بالفلسفة. هنا يتقاطع قول الرفاعي مع نيتشه على نحو غير متوقع: الإنسان يرى صورته في ما يواجهه. ونيتشه، حين واجه الألم الخالص، رأى نفسه فيه، بلا وسائط، بلا مفاهيم، بلا لغة.

يتعمق ابن عربي في هذه الرؤية الوجودية، حيث يرى أن الوجود كله مرايا تتجلى فيها الحقائق. يقول ابن عربي في فصوص الحكم: "فإن الحق جل جلاله جعل الصور مظاهر لأسمائه، فلا ترى في الوجود غير ما تطلبه الأسماء الإلهية من صورها. فاعرف نفسك أيها السامع، تعرف ربك، ولا تر النقوش وجهلت دورها." هذا القول يفتح أفقا جديدا لفهم علاقة الإنسان بالعالم: ليس العالم مجرد موضوع ننظر إليه، بل هو مظهر من مظاهر ما نحمله في أنفسنا. نيتشه لم ير في الفرس مجرد حيوان يعاني، بل رأى صورة لمعنى الألم الذي كان يعيشه في داخله. ويضيف ابن عربي في موضع آخر: "فالعالم كله مرايا، والأشخاص مرايا بعضهم لبعض، والصور المنعكسة فيها لا تخرج عن عين من هو لها." في ضوء هذا القول، تصبح حادثة تورين أكثر وضوحا: الفرس كان مرآة لنيتشه، والرؤية كانت انعكاسا لروحه التي أنهكها البحث عن المعنى.

أما أبو حامد الغزالي، فيقرب المسافة أكثر بين معرفة النفس ومعرفة الله. يقول الغزالي في إحياء علوم الدين: "من عرف نفسه عرف ربه. فإنك إذا تأملت جسدك وجدت فيه من العجائب ما يدل على صانع حكيم، وإذا تأملت قلبك وجدت فيه من المعاني ما يدل على عالم قدير." هذا القول يربط بين المعرفة الذاتية والمعرفة المتعالية. الإنسان لا يصل إلى الحقيقة الكبرى إلا من خلال الغوص في حقيقته الصغرى. نيتشه، في لحظة انهياره، كان في أعمق حالات معرفة الذات، لكنها معرفة مؤلمة، معرفة بلا وسائط، معرفة تكشف عن العجز لا القدرة. ويستطرد الغزالي في مشكاة الأنوار موضحا علاقة القلب بالرؤية: "القلب هو اللطيفة الربانية التي هي محل النظر والمعرفة، وهو الذي يعرف الله، وهو الذي يخاطب ويعاتب، وهو الذي يثاب ويعاقب." إذا كان القلب هو محل المعرفة، فإن رؤية نيتشه للفرس لم تكن رؤية بصرية فقط، بل قلبية. قلبه هو الذي رأى، وقلبه هو الذي انكسر حين لم يعد قادرا على احتمال ما رأى.

في أفق آخر، يقول النفري في المواقف: "يا عبد انتقل بقلبك عن القلوب التي لا تراني… فانظر قلبك فإن كان من بيوتي فهو حرمي." النفري لا يدعو إلى البحث عن الله في الخارج، ولا في الصور، ولا في المفاهيم، بل في موضع الرؤية ذاته: القلب.

القلب الذي يرى بلا حجاب، لا لأنه قوي، بل لأنه مكشوف. لوحة الرجل والفرس، وحادثة نيتشه، وقول الرفاعي، تلتقي كلها هنا: في لحظة سقوط الأقنعة. في لحظة يرى فيها الإنسان نفسه دون زينة، دون ادعاء كمال.

ما تقدمه هذه النصوص مجتمعة هو تأويل جديد للحادثة: الألم ليس مجرد شعور عابر، بل هو موضع الرؤية الأعمق. حين يبلغ الألم مبلغه، تسقط الحجب، وتنكشف الحقائق. نيتشه لم يكن مجنونا في تلك اللحظة، بل كان صافي الرؤية إلى حد لا يحتمل. الغزالي يرى في الألم موعظة: "واعلم أن الألم كلما اشتد، انكشف به من الغطاء ما لا ينكشف بالراحة." وابن عربي يرى في الألم تجليا للصفات الإلهية: "الألم رحمة في صورتها، فإنه يكفر الخطايا ويزكي النفوس."

ربما القلب الذي يصير حرما، كما يقول النفري، هو القلب الذي لا يهرب من الألم حين يراه، ولا يحوله إلى فكرة، ولا يبرره باسم الحكمة، بل يحتضنه، كما احتضن نيتشه الفرس، ويصمت. في ذلك الصمت، تبدأ الرؤية. اللوحة، في النهاية، ليست عن نيتشه، ولا عن الفرس، ولا عن تورينو. اللوحة عن كل إنسان يرى صورته في عيون المتألم، فيقف عاجزا، لكنه لا يهرب. يقول الرفاعي: "الإنسان يبحث عن مرآته في كل شيء، حتى في إيمانه." ونحن، في بحثنا عن المعنى، لا نجد أجمل من تلك المرآة التي لا تكذب: مرآة الألم، حين يكون صادقا.

***

د احمد عابر

 

في المثقف اليوم