أقلام ثقافية
نايف عبوش: وهج الربيع.. وتأجيج تجليات الحس المرهف
حين يطل علينا الربيع ببهائه الساحر، فإنه لا يأتي مجرد فصل عابر بين شتاء قارس، وصيف لاهب، بل يحضر بوصفه حالة وجدانية متوهجة، تلامس اعماق الروح، قبل أن تلامس معالم الطبيعة، وتوقظ في وجدان الإنسان حسه المرهف، الذي طالما ظل كامنا، تحت وطأة البرد، وعكرة الطقس، قبل حلول فصل الربيع.
وهكذا يظل الربيع بوهجه الساحر، ذلك الفصل الزاهر، الذي يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ومعالم محيطه، ويمنح الأشياء ألقا جديدا، حتى تبدو له، وكأنها قد خلقت من جديد.
ففي فصل الربيع، تتبدل ملامح الأرض، فتكتسي ربوعها بحلة خضراء يانعة، وتتفتح الأزهار بألوانها الزاهية، ناشرة عطرها الزاهي، نسيما هادئا، ينشر عبق الحياة، في كل الأرجاء.
ولاريب إن هذا التحول المدهش في معالم الطبيعة، ليس مجرد مشهد جمالي، وحسب، بل هو ومضة صرخة تدعو إلى التأمل، وإعادة اكتشاف التفاصيل الصغيرة في عوالم محيطنا، والتي غالبا ما تغيب عن اهتماماتنا في خضم زحمة الأيام.
ولعل الحس المرهف، يجد في الربيع، فضاءه الأرحب، حيث تتضاعف قدرة الإنسان على التفاعل، والتلقي، ليصبح أكثر انتباها لزقوفة العصافير، وأكثر تأثرا بحفيف أوراق الشجر، وأكثر انشدادا لعبق الزهور، وارحب تقبلا لضوء الشمس اللطيف، وهو يتسلل عبر اغصان النباتات، حيث لا تعود الطبيعة مجرد فضاء واسع للحياة، بل تتحول إلى شريك حميم في مشاركة تفاعلات التجربة الشعورية.
وفي هكذا أجواء خلابة، تتوهج المشاعر الإنسانية، ويزدهر الحس المرهف، حيث يميل القلب إلى النقاء، وينثال الحس وجدا انفعاليا، مكتضا بمشاعر الحب، ليعيد الإنسان من خلاله، ترتيب وضع ذاته، ويمنح نفسه فرصة إضافية، للبدء من جديد.
وهكذا يوقظ الربيع في النفس، نزعة الإبداع، فيجد الأديب في تفاصيل مرئياته، مادة خصبة للبوح، والابداع، ويستلهم من ألوانه وإيقاعاته، صوراً نابضة بالحياة، حيث الإبداع، بطبيعته، يحتاج بيئة متوهجة، تتسم بالتجدد والانفتاح، وهو ما يتيحه فصل الربيع بسخاء، لاسيما وأن سحر الربيع يكمن في قدرته على إحياء ما قد خمد في الوجدان من حس، ويبعث الأمل في النفوس، حتى في أحلك اللحظات، ليذكرنا بأن التغير ممكن، وأن الجمال قد يولد من رحم الكرب، وأن لكل شتاء نهاية، مهما طال امده.
ويظل الربيع بهذا الوهج المتالق، مرآة للحس المرهف، يعكس أدق الانفعالات وأجملها، ويمنح الإنسان فرصة ذهبية، يصغي من خلالها، إلى هواجس ذاته، ويعيد اكتشاف عوالمه، برؤية جديدة، أكثر صفاء، واوسع دهشة.
***
نايف عبوش







