أقلام ثقافية
ناجي ظاهر: الكاتب والعصر
تناقلت وكالات الانباء ووسائل الإعلام المنتشرة في جميع أنحاء العالم، يوم الأحد الثالث عشر من نيسان العام الماضي ٢٠٢٥، خبر وفاة الكاتب البيروفي ماريو فارغاس يوسا، الحاصل على جائزة نوبل للأدب عام ٢٠١٠ ،وذلك بعد أن نعته عائلته في اليوم ذاته، وقد تلا نعيه هذا العشرات والمئات من الأخبار التي نقلت نعي رؤساء دول، سياسيين ورجالات ادب، وذلك ضمن إشارة واضحة لأهمية هذا الكاتب الادبية، وتركته التي تمثلت في أكثر من ثلاثين كتابا، وقف في طليعتها انتاجه الروائي، ذلك الإنتاج الذي قدمه خلال عمره المديد، الذي قارب التسعين عاما. ومما تردد بعد رحيل هذا الكاتب الذي يعتبر من أهم كتاب عصرنا، أنه كاتب جاد.. قد تختلف معه في هذا الرأي أو ذاك، إلا أنك لا تمتلك الا ان تحترمه وتحترم ما تركه من إرث ادبي، تغلغل إلى أعماق النفس الإنسانية، ضمن إطار متخيل أسسه صاحبه على معاينات شخصية وتجارب انتصبت في صلبها صورة الكاتب العصري الحداثي، الذي يلامس جل قضايا العصري ببراعة واقتدار.
تعود علاقتي الأدبية بماريو فارغاس يوسا (٢٨ آذار ١٩٣٦- ١٣ نيسان ٢٠٢٥)، إلى نحو العقدين من الزمن وقد لفتني وآثار اهتمامي، بعد قراءة العديد من أعماله الروائية والأدبية عامة، أنه قدم بحياته وإنتاجه صورة للكاتب العصري، ابن هذا الزمان ورفيق قضاياه الحارقة والملحة، مدركا تمام الإدراك للعملية الإبداعية الادبية، وهو ما دل عليه انتاج الادبي الروائي اولا، وإنتاجه الادبي ممثلا في المقالة الأدبية الرصينة ثانيا.
سأحاول فيما يلي تقديم صورة عامة لعلاقتي الأدبية به، ولن التزم بالترتيب الزمني، الكرونولوجي، لهذه العلاقة، وذلك لمقتضيات الكتابة الأدبية ذات الترتيب المنهجي أو المنطقي كما اراها. من هكذا منطلق سأشير اولا إلى كتاباته الأدبية العامة، وسوف أتوقف قليلا عند كتابه "رسائل إلى روائي شاب"، هذا الكتاب الذي تحدث فيه عن أهم ما تتطلبه الكتابة الروائية، سواء من ناحية الايقاع الروائي والشخصيات أو من ناحية أهمية الشكل ممثلا بالحبكة، وهي التتابع المنطقة للأحداث، أو من ناحية التناول العام للقضايا الهامة في المجتمع، لكن بأسلوب يذكر بمقولة الكاتب الأمريكي ارنست همنجواي، صاحب رواية الشيخ والبحر، عن أهمية أن يتعامل الكاتب، اثناء كتابته عمله الروائي على اعتبار أن ثلثيه يقومان تحت الماء، في حين لا يرى القارئ الا الثلث البارز فوق الماء، بالضبط كما يحدث في الحياة اليومية المعيشة خلال تعاملنا نحن بني البشر فيما بيننا. قراءة هذا الكتاب شجعت على قراءة كتب اخرى. في السياق ذاته برز من بينها كتاب، طرح فيه السؤال المثير حول السبب الذي يدفعنا لقراءة الادب والروايات. لن أتوقف أكثر عند هذا الكتاب واقترح على من يريد أن يتعمق في قراءة ما خلفه كاتبنا المبدع من أعمال أدبية انطباعية صرف، أن يبحث عنها ليقرأها، فهي تستحق المتابعة والقراءة، وبإمكاني القول إن من يقرأها يربح الكثير، ويدخل في ابسط الحالات إلى عالم يوسا المستحق، فاهما، واعيا ومدركا، وهذه لعمري هي متطلبات القراءة الأساسية والجادة.
قراءتي هذه لنثريات ماريو فارغاس يوسا، كانت الاولى، بعدها قرأت عددا غير قليل من رواياته منها امتداح الخالة ودفاتر دون ريغوبيرتو. بما أنني اكتب هنا مقالة وداعية لهذا الكاتب واريد لها أن تعرف من لا يعرفه به، فإنني اكتفي فيما يلي بالتوقف السريع عند ثلاث من رواياته، لم اكتف بقراءتها فقط، وانما اقترحت أيضا، على اكثر من صديق اديب أو متأدب قراءتها.
ضمن الترتيب غير الزمني المذكور آنفا، اتحدث فيما يلي عن روايته الكبيرة حفلة التيس، فهذه الرواية تتحدث عن شخصية الحاكم الطاغية، وتتمحور حول شخصية دكتاتور جمهورية الدومينيكان رفائيل تروخيو، الذي تم اغتياله عام ١٩٦١، وتتوزع أحداثها على ثلاثة محاور، كل من أصحابه وشخوصه، يرى ذلك الديكتاتور من زاويته الخاصة به. كما هو معروف فإن موضوع الديكتاتور شغل حيزا خاصة فيما خلفه كتاب أمريكا اللاتينية، ابتداء من رواية السيد الرئيس للكاتب الغواتمالي ميجيل استورياس، انتهاء برواية الأنا الأعلى للكاتب اوجينو روا باستوس، التي تدور حول شخصية الديكتاتور السياسي خوسيه دي فرانتا الذي حكم الارغوي، في المنتصف الاول من القرن التاسع عشر، مرورا برواية خريف البطريرك للكاتب الكولومبي جابريل غارسيا ماركيز، التي تدور حول دكتاتور طاغية عجوز متخيل استقى ماركيز مواصفاته من أكثر من طاغية من طغاة جمهوريات الكاريبي.
الرواية الثانية التي وددت التوقف عندها هي البطل المتكتم، وهي رواية تتعرض لموضوع، بات هاما وملحا مع ظهور مجموعات المافيا الاجرامية، العنيفة القتالة، هو موضوع الخاوة، واذكر بالمناسبة أنني كنت قد أعدت مؤخرا، قراءة هذه الرواية، وبادرت الى كتابة مقال تعريفي بها، نشر قبل رحيل صاحبها يوسا، بعدد قليل من الايام. هذه الرواية، تدور حول رجل اعمال، اجتهد فتمكن من الانتقال من سائق شاحنة متواضع الحال إلى صاحب شركة نقليات ناجحة. هذه الرواية أيضا تتوزع على ثلاثة محاور، يتنقل مبتدعها يوسا، فيما بينها بمهارة وبراعة لافتين، وينتهي كعادته بالربط فيما بينها بيسر وسلاسة كاتب متمرس، بإمكان من يريد التوسع في القراءة عن هذه الرواية، قراءة ما كتبته عنها في هذه الصفحة قبل فترة وجيزة.
الرواية الثالثة والأخيرة التي أود التوقف عندها، هي رواية الفردوس على الناصية الاخرى. هذه الرواية تطرح السؤال عن كينونة اليوتوبيا/ العالم المثالي أو الفردوس، اهو في المساواة ام في المجتمع البدائي، وخلال المحاولة الدائبة للإجابة على هذا السؤال، يلتقي القارئ وجها لوجه بالمدعوة فلورا تريستان، التي كرست حياتها لإنصاف المرأة والانتصار لقضيتها في الوجود والمساواة، وفي المقابل يلتقي قارئ الرواية بالفنان التشكيلي بول غوغان صاحب لوحات تاهيتي المعروف لكل محبي الفنون التشكيلية في شتى بقاع العالم، وبحثه الدائب عن الحياة البدائية في جزيرة تاهيتي. في هذه الرواية الفاتنة يتألق يوسا في ابتكار عالمه المتخيل، ويكاد قارئها يلتقي بشخوصها، خاصة غوغان كما تخيله مؤلفها، اقول يكاد يلتقي به شخصيا وان يلمسه بالعين واليد. ولعل يوسا بهذا يحقق افضل ما يطمح إليه الكاتب الروائي، وفق الرؤية الخاصة للكاتب الانجليزي البارز دي. اتش. لورنس. صاحبة الرواية ذائعة الصيت عشيق الليدي تشاترلي.
في المجمل يمكننا القول، أن ماريو فارغاس يوسا، تمكن باقتدار وبراعة نادرين، من خلق عوالم متخيلة قريبة من عالمنا، بكل ما مار فيه من أحداث ووقائع، وذلك برؤية فنية رفيعة المستوى.. رؤية تعتمد الوعي والسرد العميق الراقي، وهو ما أهل رواياته مجتمعة تقريبا، لأن تتحول بيسر وسهولة، إلى افلام سينمائية رائعة يشاهدها الناس في شتى بقاع العالم، بالضبط كما فعل القراء، على اختلاف انتماءاتهم وطبائعهم..
***
ناجي ظاهر







