آراء
فارس حامد: الإدارات العامة والحوض المرصود
من يملأ الحوض ومن ينسب إليه الفضل؟*
تتناقل بعض الحكايات الفلكلورية قصةً عن أميرة فقدت حبيبها، فغرقت في حزن عميق. وكان في قصرها حوض مرصود تقول الأسطورة إنه لا يمتلئ إلا بدموع الوفاء والحب الصادق. تقول الاسطورة ان الأميرة المكلومة بفقد حبيبها قد توسلت آلهة الحب ان تعيد لها حبيبها المفقود فأشترطت الألهة عليها ان تملأ الحوض المرصود بدموع الحب والوفاء والاشتياق حتى يعود الحبيب وتعود الحياة جميلة كسابق عهدها. جلست الأميرة تبكي عند الحوض أياماً وليالي طويلة، تذرف الدموع وتستنزف قواها أملاً في أن يمتلئ الحوض. ومع مرور الزمن أنهكها التعب، ولم يبقَ على امتلاء الحوض إلا القليل. وحين أنهكها السهر والتعب وغلبها النعاس، طلبت من خادمتها أن تجلس مكانها ريثما تستعيد بعض قوتها. وجلست الخادمة عند الحوض، ولسببٍ ما أخذت تبكي هي الأخرى حتى فاض الحوض أخيراً. وتضيف الأسطورة أن الحبيب عاد بالفعل، لكنه وقع في حب الخادمة هذه المرة، لأنها كانت حاضرة عند لحظة اكتمال الحوض وفيضانه. غير أن المفارقة في القصة ان الحبيب المفقود وباقي الناس وهم يرون الخادمة وهي تضع اللمسة الأخيرة، ظنوا أنها صاحبة الفضل في امتلاء الحوض، متناسين أن الحوض لم يمتلئ بدموعها وحدها، بل بسنوات من الألم والدموع التي سبقتها.
هذه الحكاية، بصرف النظر عن صحتها التاريخية، تحمل دلالة رمزية عميقة يمكن إسقاطها على كثير من جوانب الحياة، ولا سيما في مجال الإدارة والقيادة المؤسسية. ففي الإدارة كثيراً ما نشهد ما يمكن تسميته بـ”ظاهرة الحوض المرصود”.
إذ قد يتولى مسؤول أو مدير وضع الخطط، وبناء الأنظمة، وإعداد الكوادر، ومعالجة المشكلات المتراكمة، وتحمل النقد والصعوبات خلال سنوات طويلة. ثم يغادر موقعه بسبب النقل أو التقاعد أو انتهاء المدة القانونية، قبل أن تظهر نتائج جهوده إلى العلن.
ويأتي بعده مسؤول آخر يجد المؤسسة وقد اكتملت فيها معظم مقومات النجاح، فتظهر النتائج الإيجابية خلال فترة إدارته، فينسب إليه الناس الفضل كله، ويحصل على الثناء والتكريم والمكافآت، رغم أن جانباً كبيراً من ذلك النجاح هو ثمرة جهود من سبقوه.
وقد عايشت بنفسي مثالاً واضحاً لهذه الظاهرة. فقد تولت إدارة إحدى المدارس الثانوية مديرة كفوءة وضعت برنامجاً تعليمياً متكاملاً بدأ منذ الصف الرابع الإعدادي، شمل المتابعة الدقيقة والدروس التقوية ورفع مستوى الطالبات العلمي. واستمرت هذه الجهود لسنوات حتى أصبحت المدرسة تمتلك قاعدة علمية رصينة. إلا أن المديرة نُقلت من المدرسة قبل ظهور النتائج النهائية، وجاءت مديرة أخرى تولت الإدارة في المرحلة الأخيرة.
وعندما أعلنت نتائج الدراسة الإعدادية (البكالوريا)، حققت المدرسة تفوقاً استثنائياً، وقُبل عدد كبير من الطالبات في كليات الطب والصيدلة والهندسة وغيرها من التخصصات المرموقة، وهو إنجاز لم تشهده المدينة من قبل بهذا الحجم. فحظيت المديرة الجديدة بالتكريم والإشادة الرسمية، في حين أن جانباً كبيراً من أسباب النجاح كان قد صُنع في عهد سابقتها.
إن هذه الظاهرة لا تقتصر على قطاع التعليم، بل نجدها في مؤسسات الدولة كافة، وفي المشاريع الاقتصادية والإصلاحية والإدارية والتعليمية. فكم من شخص زرع ولم يحصد، وكم من شخص حصد ما لم يزرعه وحده.
ومن هنا فإن العدالة في تقييم الأداء الإداري تقتضي عدم الاكتفاء بالنظر إلى النتائج النهائية فقط، بل دراسة المراحل التي سبقتها، ومعرفة من وضع الأسس، ومن هيأ الظروف، ومن تحمل أعباء البناء الأول. فالإنجاز الحقيقي لا تصنعه اللحظة الأخيرة وحدها، وإنما تصنعه سلسلة طويلة من الجهود المتراكمة.
ولعل الحكمة التي يمكن استخلاصها من قصة الحوض المرصود هي أن القطرة الأخيرة التي جعلت الحوض يفيض ليست أهم من آلاف القطرات التي سبقتها. وكذلك في الإدارة، فإن ظهور النتيجة في عهد مسؤول معين لا يعني بالضرورة أنه صاحب الفضل الوحيد فيها.
خاتمة
التاريخ ينصف أحياناً من حصد، لكنه لا ينصف دائماً من زرع إن الإنصاف لا يقتضي أن نبحث فقط عمّن أعلن النجاح، بل عمّن صنع أسبابه. فكم من يدٍ غرست الشجرة ولم تجلس في ظلها، وكم من عقلٍ وضع الخطة ولم يشهد ثمارها، وكم من قائدٍ ملأ الحوض قطرةً قطرة حتى إذا أوشك أن يفيض غادر المكان، فجاء غيره فنُسب إليه الفضل كله.
لذلك فإن الحكمة تقتضي أن ننظر إلى الإنجازات بعين التاريخ لا بعين اللحظة، وأن نمنح كل ذي فضلٍ فضله، فالأمم والمؤسسات لا تُبنى بالقطرة الأخيرة وحدها، بل بمجموع القطرات التي سبقتها.
***
فارس حامد عبد الكريم
نائب رئيس هيئة النزاهة الإتحادية الأسبق
بغداد في 2026/6/6
.....................
* ملاحظة: مقالي هذا هو اقتراح لنظرية جديدة في علم الإدارة والقانون يمكن تسميتها بنظرية "الحوض المرصود"، مستمداً فكرتها من اسطورة فلكلورية تحمل ذات الاسم".







