أقلام ثقافية
عماد خالد رحمة: أل التعريف بين العهد والجنس والاستغراق
دراسة لغوية ونحوية في ضوء آراء البصريين والكوفيين
تُعَدُّ (أل) من أشهر الأدوات الداخلة على الأسماء في العربية، وهي أداة ذات وظائف دلالية ونحوية دقيقة، تتجاوز مجرد التعريف إلى الإسهام في بناء المعنى وتحديد المقصود من الكلام. وقد أفاض النحاة واللغويون في بيان أحكامها وأنواعها، حتى أصبحت من أكثر أبواب النحو اتصالًا بعلم الدلالة والبلاغة والتفسير.
وقد ذهب جمهور النحاة، وفي مقدمتهم علماء المدرستين البصرية والكوفية، إلى أن (أل) ليست على مرتبة واحدة في الاستعمال، بل تتنوع بحسب المقاصد والسياقات، ومن أشهر أنواعها: أل العهدية، وأل الجنسية، وأل الاستغراقية.
أولًا: أل العهدية
هي التي تدخل على الاسم للدلالة على شيء معلوم ومعهود بين المتكلم والمخاطب، بحيث ينصرف الذهن إليه عند ذكره دون غيره.
وقد سمّاها النحاة أل العهد لأنها تشير إلى معهود سابق، سواء أكان معهودًا في الذهن أم في الذكر أم في الحضور.
1- العهد الذهني
وهو أن يكون الاسم معروفًا في الأذهان دون أن يسبق له ذكر في الكلام.
فإذا قيل:
«قال الرسول»
انصرف الذهن مباشرة إلى رسول الله محمد بن عبد الله؛ لأن هذا الاسم معهود في الذهن الإسلامي، ولا يحتاج إلى قرينة لفظية تسبقه.
وكذلك إذا قيل:
«جاء المدير»
في مؤسسة معينة، فإن السامعين يفهمون المدير المعروف لديهم، لا أي مدير آخر.
وقد أشار سيبويه إلى أن التعريف قد يكون مستندًا إلى علمٍ سابق في ذهن المخاطب، فيكفي ذلك لتعيين المراد.
2- العهد الذكري
وهو أن يُذكَر الاسم أولًا نكرة، ثم يُعاد معرفًا بـ(أل).
ومن أبلغ أمثلته قوله تعالى:
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۚ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ ۖ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾.
فقد وردت كلمة «مصباح» أولًا نكرة، ثم أعيدت معرفة بـ(أل)، فكانت أل للعهد الذكري؛ لأن المقصود هو المصباح المذكور سابقًا.
ويرى البصريون أن هذا النوع من أقوى أنواع التعريف؛ لأن المرجع اللفظي حاضر في الكلام نفسه، بينما يجيز الكوفيون التوسع في هذا الباب حتى في المواضع التي يضعف فيها العهد اللفظي إذا دل عليه السياق.
3- العهد الحضوري
وهو أن يكون المشار إليه حاضرًا وقت الكلام.
كقولك لمن أمامك:
«أكرم الضيف»
وأنت تشير إلى شخص حاضر.
فالضيف هنا معلوم بالمشاهدة لا بالذكر السابق.
ثانيًا: أل الجنسية
هي التي تدخل على أسماء الأجناس للدلالة على حقيقة الجنس وماهيته، دون قصد فرد معين من أفراده.
فإذا قلنا:
«الأسد أقوى من الثعلب»
فليس المقصود أسدًا بعينه ولا ثعلبًا بعينه، وإنما المراد أن جنس الأسد أقوى من جنس الثعلب.
وكذلك قولنا:
«الذهب معدن نفيس»
فالمراد حقيقة الذهب وجنسه.
وقد عدّ البصريون هذا النوع من أوسع أبواب الدلالة؛ لأنه يتناول الماهية المجردة، بينما رأى بعض الكوفيين أن الفرق بين الجنسية والاستغراقية قد يضيق أحيانًا تبعًا للسياق.
ويقول علماء الدلالة إن أل الجنسية تجعل الاسم دالًّا على الحقيقة الذهنية للجنس، لا على أفراده المتعددة.
ومن أمثلتها أيضًا:
الإنسان كائن اجتماعي.
الحصان حيوان نبيل.
النخلة شجرة مباركة.
فالحديث هنا عن طبيعة الجنس وخصائصه العامة.
ثالثًا: أل الاستغراقية
هي التي تدل على شمول جميع أفراد الجنس واستغراقها دون استثناء.
وتُسمّى أيضًا أل الشمول؛ لأنها تعمّ كل ما يندرج تحت الاسم.
ومن أمثلتها قوله تعالى:
﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾.
فالمراد جميع الخلق، لا بعضهم.
وكذلك قوله تعالى:
﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾.
فالمراد جميع الناس؛ ولذلك استُثني بعد ذلك أهل الإيمان والعمل الصالح.
ومن شواهدها أيضًا:
«أكرم العلماء»
إذا أريد جميع العلماء.
وقد ذكر ابن هشام الأنصاري أن من علامات أل الاستغراقية صحة حلول كلمة «كل» محلها، فإذا استقام المعنى كان ذلك دليلًا على الاستغراق.
فنقول:
الإنسان فانٍ = كل إنسان فانٍ.
الخلق لله = كل الخلق لله.
موقف البصريين والكوفيين من أنواع (أل)
تميّز البصريون بالدقة المنهجية في التفريق بين أنواع (أل)، فجعلوا لكل نوع ضوابط دلالية محددة، وأكدوا ضرورة التمييز بين العهد والجنس والاستغراق بحسب السياق.
أما الكوفيون فكانوا أكثر ميلًا إلى التوسع في التأويل، ويرون أن السياق هو الحاكم الأكبر في تحديد وظيفة (أل)، ولذلك قد تتداخل عندهم بعض الحدود الفاصلة بين الجنسية والاستغراقية.
ويرى المبرد أن المعنى هو الأساس في تمييز الأنواع، بينما يؤكد الفراء أهمية القرائن والسياق في توجيه الدلالة.
الخاتمة
إنَّ (أل) ليست مجرد أداة تعريف تُلحق بالأسماء، بل هي أداة دلالية رفيعة تكشف عن دقائق المعنى ومقاصد المتكلم. فهي تارةً تُحيل إلى معلومٍ معهود في الذهن أو الذكر أو الحضور، فتكون عهدية، وتارةً تدل على حقيقة الجنس وماهيته فتكون جنسية، وتارةً تستغرق جميع الأفراد فتكون استغراقية. ومن هنا تتجلّى عبقرية العربية في قدرتها على توظيف حرفين صغيرين لصناعة فروق معنوية واسعة، تجعل من النحو علمًا للمعنى قبل أن يكون علمًا للإعراب، وتجعل من الدلالة روحًا تسري في بنية اللغة فتمنحها الدقة والثراء والبيان.
***
بقلم: عماد خالد رحمة - برلين







