مدخل: ليس من قبيل المبالغة القول إننا نعيش في زمنٍ تتوارى فيه الكرامة الإنسانية عن الأنظار، لا بالضرورة عبر انتهاكاتٍ ممنهجةٍ تُراقَب وتُسَجَّل، بل عبر تآكلٍ يوميٍّ تغيب في طياته الرحمة واللطف والإحسان والتعاطف والاحترام، ويُصبح التعامل مع الٱخر وكأنه طبيعةٌ ثانية للإنسان, حيث المجتمعات العربية المعاصرة لم تعد مجرد مجتمعاتٍ تعاني من ظواهر الفظاظة أوقسوة الأخلاق، بل هي، وبكل ما يحمل هذا الوصف من دقةٍ وبؤس، مجتمعٌ للغلظة؛ بمعنى أن الغلظة لم تعد سلوكًا فرديًا عابرًا أوطبعًا شاذًا، بل تحولّت إلى بنيةٍ ثقافية واجتماعية تُعيد إنتاج نفسها، وتُشرّع نفسها، وتُكافئ من يُعيد إنتاجها، وفي هذا المسار، تُصبح الكرامة الإنسانية، لا ضحيةً ظاهرةً، بل مفهومًا مُهدَّرًا، يُحتفظ به في خطب المؤسسات الدينية والسياسية والثقافية والاعلامية، بينما يُنهَك في فضاءات الحياة اليومية بلا رقيب ولا حسيب.
كما أن المشكلة لا تبدأ من فكرة الناس أصبحوا أقلَّ لطفًا، بل من أن اللطف نفسه بات موضعَ ريبةٍ واتهام، حيث في مجتمع الغلظة، يُنظر إلى اللطف على أنه خللٌ في الحساب، أوضعفٌ في الشخصية، أوتزييفٌ في النوايا، وهذا الانقلاب في الأحكام يُفضي إلى حقيقةٍ مُرّة: أننا لم نفقد الأخلاق ببساطة، بل استبدلناها بنظامٍ بديل من التبريرات، يُحوّل القسوة إلى "حزم"، والوقاحة إلى "صراحة"، والاحتقار إلى "خبرة بالحياة".
هذا النظام التبريري يُشكّل، في جوهره، دفاعًا انفعاليا عن الكرامة المُزيّفة، تلك التي يُحاول الفرد المحافظة عليها عبر إذلال غيرها الٱخر، فالكرامة هنا تُفهم بشكلٍ مموه: ليست اعترافًا بالذات من خلال الاعتراف بالآخر، بل تأكيدٌ للذات من خلال إنقاص الآخر، إنها كرامةٌ في حالتها السلبيةٌ، تُبنى على أنقاض كرامة الغير، وهوما يُفسّر معادلة معادلات في ثقافتنا الجماهيرية: أن أكثر الناس حرصًا على "الكرامة" في الخطاب العام هم أنفسُهم الذين يُمارسون إذلالها في الخاص.
تشريح الغلظة وتمويه الكرامة
الغلظة في هذا السياق ليست غيابًا للأحاسيس، بل هي غيابٌ لبنيةٍ معرفية تستطيع أن تُميّز بين القوة والقسوة، بين الثقة والتعالي، بين الكرامة والتعنّت، فما يُسمّيه علم النفس الاجتماعي وعلوم العصبيات "سلوك التعاطف" ليس مجرد فضيلةٍ نبيلة تُضاف إلى السلوك، بل هوبنيةٌ عصبية واجتماعية ضرورية للتماسك الإنساني، كما ان اللطف، تُظهر الأبحاث، أنه ينشّط مناطق في الدماغ مرتبطة بالأمان والمكافأة، ويُقوّي المسارات العصبية التي تجعل الارتباط الاجتماعي ممكنًا ومُستدامًا، بمعنى أعمق، اللطف ليس رفاهيةً، بل هوآليةٌ بيولوجية واجتماعية تُمكّن الإنسان من الاعتراف بالآخر كموضوعٍ لا كأداة، وهوبالضبط المعنى الجوهري للكرامة الإنسانية، كما أنه من يتخلّى عن هذا النسيج، لا يفقد فقط أدبًا، بل يفقد القدرة على بناء علاقاتٍ إنسانيةٍ تستحق هذا الاسم.
هذا التحول لا يُفهم بمعزلٍ عن طبيعة الحداثة التي خاضتها المجتمعات العربية. فقد دخلنا عصر الاستهلاك والسرعة والمنافسة المطلقة، من دون أن ندخل فعليًا عصر المؤسسات المدنية والتكافل الاجتماعي والتربية العاطفية العميقة، ولعل ما وصفته السوسيولوجية إيفا إيلوز بـ"الرأسمالية العاطفية" يُقدّم لنا مفتاحًا مُفيدًا: فقد حوّل العصر الحديث العلاقات الحميمة إلى سوقٍ تُدار فيه العواطف كسلع، تُقيّم وتُتاجر وتُستهلك وتستنزف. هكذا إذا كانت المجتمعات الغربية قد خاضت هذا التحول ببطء، ومع بنيةٍ مؤسسية توفر نوعًا من التعويض المدني، فإن مجتمعاتنا استوردت هذا المنطق السوقي بأقصى سرعة، دون أن تستورد معه مستلزمات الوقاية والرعاية، فأصبحت الكرامة نفسها بضاعةً تُمنح بالتقسيط، واللطف "استثمارًا فاشلًا" في اقتصادٍ عاطفي يُكافئ المحاسبة ويُعاقب الإنسانية.
لقد اصبح منح الاحترام بلا مقابل في هذا السوق يُعَدّ سذاجة، والكلمة الطيبة بلا ثمن تُثير الشكوك، وكل عاطفةٍ لا تُردّ بالمثل تُعتبر خسارة، هكذا، لم تعد الكرامة حقًا أوليًا للإنسان، بل أصبحت مكافأةً يمنحها القوي للضعيف حين يشاء، ويمنعها حين يشاء.
غير أن التحليل لا يكتمل ببُعدٍ اجتماعيٍّ اقتصاديٍّ فحسب، بل يتطلّب مواجهةً مع البُعد الديني والثقافي الذي يُعمّق الأزمة، حيث هناك في مجتمع الغلظة ما يُمكن تسميته "التدين المغشوش"؛ تدينًا يتجلى في المظهر ويغيب في المضمون، يُحفّظ الأطفال أن الله كرّم بني آدم، لكنه لا يُحفّظهم كيف يُكرّمون الجار، إن هذا التدين يُنشئ في الناس شعورًا بالتفوق الأخلاقي، دون أن يُنشئ فيهم حدًّا أدنى من التأدب اليومي، والنتيجة أننا نرى أقوامًا يُصلّون ويصومون ويحرصون على البعد عن المحرمات، ثم يُطلقون ألسنتهم كالسيوف على مواقع التواصل، ويُذلّون الموظفين في المؤسسات، ويُحتقرون الفقراء في الشوارع، هذا الانفصال بين الشكل والجوهر، بين الورع المؤسسي والرحمة العملية، يُنتج أنيميا أخلاقيةً خطيرة: يعجز فيها الفرد عن التمييز بين الكرامة المجردة التي تُرفع في الخطاب، والكرامة الملموسة التي تُنتهك في الواقع، أي اننا اصبحنا نُدافع عن الكرامة كمبدأ، وننتهكها كممارسة، ونظن أن التديّن يُغطي على هذا التناقض.
نحوتصورٍ واقعي للكرامة
إن ما يُغيب عن هذا المشهد هوفهمٌ عميقٌ لطبيعة الكرامة نفسها، فالكرامة، في التصور الواقعي الحي الذي نحتاج استعادته، ليست درعًا نرتديه لحماية ذواتنا من الآخرين، بل هي علاقةٌ تبدأ من الاعتراف بالآخر، إنها لا تعني أن أُظهر قوتي لكي لا يستطيع أحدٌ المسّ بي، بل تعني أنني أعترف بأن الآخر، مهما كان، هوكائنٌ مكرم بذاته، وأن إهانته ليست مجرد أذى، بل هونسيانٌ لطبيعة الوجود الإنساني ككل.
هذا المعنى هوما يُضيئه مفهوم الإحسان في التراث الإسلامي: أن تعمل كأنك ترى الله، فإن لم تكن تراه فإنه يراك، هذا الوعي الديني في طياته يجعل اللطف ليس مجرد سلوكٍ مستحب، بل هواعترافٌ عميق بالتكريم الإلهي للإنسان، وهوما يجعل إهانته نوعًا من العقم الوجودي، لا مجرد خطأٍ أخلاقي.
إن مقاومة مجتمع الغلظة لا تكون بالهجوم عليه، بل بالرفض الهادئ للمنطق الذي يُسيّجه، فاللطف في بحرٍ من الغلظة هوأشقّ أنواع المقاومة، لأنه يُصرّ على رؤية الآخر بعينٍ لا تُذلّه، وعلى التعامل معه باعتباره غايةً لا وسيلة. إن استعادة الكرامة الإنسانية لا تعني العودة إلى زمنٍ ماضٍ وهمي، بل تعني إعادة بناء الحس الأخلاقي من جذوره، إنها تتطلّب أن نُدرك أن الكرامة ليست قضيةً كبرى تُحلّ بالسياسة والقانون فحسب، بل هي تفصيلٌ يوميٌّ يبدأ من كيفية نظرك إلى الآخر، وكيفية استماعك إليه، وكيفية احترامك لضعفه قبل قوّته.
فالكلمة الطيبة ليست هديةً بل هي حق، والاحترام ليس مجاملةً بل هوأدنى مستوى من العدالة الاجتماعية، والأدب والأخلاق ليس زينةً بل هوالبنية التي تستقرّ عليها الحضارة.
لذلك المجتمع الفظ ليس مجتمعًا أقوى، بل هو مجتمعٌ يتجمل بالقسوة لأنه يخاف الضعف، كما أن الضعف الحقيقي ليس في اللطف، بل في العجز عن الاعتراف بأن الآخر كائنٌ مكرم.
اما ان نُحافظ على شرفنا في المبادئ الكبرى ونُهدّر كرامة الآخرين في صغائر المعاملات، فهذا هو الداء بعينه، وهوما يستدعي منّا مواجهةً جريئةً مع دفائن الوعي التي صنعت من الغلظة قناعًا للجبن، ومن القسوة ستارًا لفقدان الكرامة. الحضارة لا تُقاس بارتفاع البنايات، بل بقدرة الناس على أن يُحافظوا على كرامة بعضهم البعض في أبسط لحظات التعامل، وأن يقولوا لبعضهم "سلام عليكم"، ويعنون ما يقولون.
إن تقدمًا حقيقيًا لا يبدأ بإصلاح الأنظمة والقوانين والمؤسسات فقط، بل بإصلاح التصورات والنظرات والاستراتيجيات، بتعليم الألباب والعيون أن ترى الآخر كما هو: كائنًا لا يقل كرامةً عن الذات، ولا يزيد عليها، بل يشاركها فيها..
من التربية إلى المواطنة
كما لا شك فيه أن الاعتراف بالداء لا يُغني عن البحث عن الدواء، والتخلص من منطق الغلظة يتطلب خارطة طريقٍ ثقافيةٍ تبدأ من التربية ولا تنتهي بالمؤسسات.
لعل أولى خطوات هذه الخارطة هي إعادة بناء التربية العاطفية في الأسرة والمدرسة، لا بالاكتفاء على تلقين الأطفال "أن يكونوا مهذبين" شكليًا، بل بتعليمهم أن التهذيب هولغة الاعتراف بالآخر، وأن إهانة الإنسان ليست مجرد خطأٍ أخلاقي، بل هي انتهاكٌ لقانون الوجود نفسه، ثم يأتي دور المؤسسات الدينية والثقافية والإعلامية في إعادة صياغة الخطاب بما يُحوّل مفاهيم الإحسان والتعاطف والكرامة والأدب من مفرداتٍ خطابيةٍ إلى ممارساتٍ يوميةٍ ملموسة، فلا يُقبل من خطيبٍ أن يتحدث عن كرامة الإنسان بينما يُمارس في حياته الخاصة إذلالَ من هو أضعف منه، وعلى مستوى الفضاء العام، لا بد من إصلاحٍ إداريٍّ ونفسيٍّ يجعل المؤسسة العمومية، بدءًا من الدرك الأدنى في الإدارات والمؤسسات التربوية والاعلامية والمستشفيات والمصالح الحكومية، فضاءً للتعامل الإنساني لا للذل المُنظّم، فالمواطن الذي يُذلّ في استلام ورقةٍ إداريةٍ لا يُمكن أن يُصدّق أن كرامته مصونةٌ في خطابٍ سياسي، كذلك، يقع على المثقفين والكتاب والمؤثرين في الفضاء الرقمي عبءٌ خاص، فهم مطالبون بأن يُقدّموا نموذجًا للنقد الموضوعي بلا شتم، والاختلاف بلا احتقار، والصراحة بلا إذلال، لأن اللغة العامة تُشكّل في المدى البعيد البنية اللاوعية للمجتمع.
وأخيرًا، لا بد من مبادرةٍ فكريةٍ تُعيد ربط الأدب بالسياسة، والرحمة بالمواطنة، والأخلاق بالحداثة، بما يُنتج تصورًا تنويريًا يعرف أن المجتمع القوي ليس ذلك الذي يُذلّ أفراده، بل الذي يُعلّي من شأن التعامل الإنساني إلى مصافّ القيمة الحضارية الاسلامية الكبرى "التقوى" في معيار الكرامة الإنسانية.
***
أ. مراد غريبي








