أقلام فكرية

حمزة مولخنيف: إبستمولوجيا الشهادة في العصر الرقمي

من الثقة الإنسانية إلى المصداقية التقنية

منذ أن وعى الإنسان ذاته بوصفه كائنا ناطقا، لم تكن المعرفة فعلا فرديا خالصا، ولا نتاجا معزولا لتجربة ذاتية مكتفية بذاتها، بل تشكّلت دائما داخل نسيج علائقي كثيف، قوامه القول والسماع والتصديق والتكذيب والاعتماد على الغير. ولعل الشهادة بهذا المعنى، تمثّل أحد الأعمدة الخفية التي قامت عليها البنية المعرفية للإنسان، حتى جاز القول كما يلمّح ديفيد هيوم، إن معظم ما نعتقد أننا نعرفه ليس ثمرة تجربة مباشرة، بل أثرٌ لما قاله لنا الآخرون. فالمعارف التاريخية والوقائع السياسية والأحداث العلمية، بل حتى تفاصيل الحياة اليومية، تصلنا في الغالب عبر وسيط إنساني ينقل ويؤكد ويزعم ويشهد. ومن هنا، لم تكن إبستمولوجيا الشهادة هامشا في نظرية المعرفة، بل قلبا نابضا فيها، وإن ظلّ طويلا في الظل، لصالح نماذج معرفية مجّدت الرؤية والتجربة والاستدلال الفردي.

لقد تعاملت الفلسفة الكلاسيكية منذ أفلاطون وأرسطو مع الشهادة بشيء من الريبة الصامتة. فأفلاطون وهو يؤسس هرميته المعرفية الشهيرة، جعل المعرفة الحقّة متعلقة بالتذكر العقلي وبالارتقاء من الظن إلى العلم، فيما ظلت الأقوال المنقولة عرضة للشك، لكونها تحاكي المحسوس المتغير. أما أرسطو وإن اعترف بأهمية المألوف والمشهور في بناء البرهان الخطابي، فإنه لم يمنح الشهادة مقام اليقين البرهاني، بل أبقاها في حقل الظن المعقول. غير أن هذا التوجس لم يمنع الشهادة من الاستمرار كشرط عملي لا غنى عنه للمعرفة الإنسانية، لأن الإنسان كما يقول أرسطو نفسه، «حيوان مدني بالطبع»، والمدنية هنا ليست فقط تنظيما سياسيا، بل شبكة تبادل معرفي وأخلاقي.

ومع الفلسفة الحديثة تعمّق هذا التوتر. فقد جعل ديكارت من الشك المنهجي بوابة للمعرفة اليقينية، وأوصى العقل بأن لا يقبل شيئا إلا إذا كان واضحا متميزا حاضرا بذاته للذهن. وهنا، تبدو الشهادة معرفة من الدرجة الثانية، لأنها تعتمد على ثقة غير مضمونة في الغير. ومع ذلك فإن ديكارت نفسه لم يستطع في حياته اليومية ولا في مشروعه العلمي، الاستغناء عن المعارف المشهود بها من تاريخ الأمم إلى نتائج التجارب إلى أخبار الجغرافيا. هذا التناقض العملي سيجد صداه لاحقا عند جون لوك، الذي ميز بين المعرفة والاعتقاد، واعتبر الشهادة أساسا معقولا للاعتقاد، وإن لم تبلغ مرتبة العلم الصارم. غير أن لوك في الوقت ذاته، ربط قوة الشهادة بموثوقية الشاهد وبعدد الشهود وبانسجام الخبر مع التجربة، فاتحا بذلك الباب أمام تصور معياري للشهادة لا يلغيها، لكنه يقيّدها.

أما ديفيد هيوم فقد ذهب أبعد في تحليل الأساس النفسي والاجتماعي للشهادة. فهو يقرّ بواقعية فلسفية لافتة بأن البشر مضطرون إلى تصديق الشهادة، لأنهم عاجزون عن التحقق الفردي من معظم الوقائع. غير أن هذا التصديق في نظره ليس فعلا عقلانيا خالصا، بل عادة ذهنية تشكّلت عبر التجربة، حيث نلاحظ غالبا توافق أقوال الناس مع مجرى الأحداث. ومن هنا، تصبح الثقة في الشهادة نتاجا لاحتمال راجح، لا يقينا منطقيا. ولعل هذا التحليل الهيومي بما يحمله من نزعة تشكيكية معتدلة، سيؤسس لاحقا لنقاشات معاصرة حول عقلانية الاعتماد على الغير، وحول ما إذا كانت الشهادة مصدرا أصليا للمعرفة، أم مجرد اختزال عملي لمصادر أخرى.

غير أن التحول الحاسم في إبستمولوجيا الشهادة لم يقع إلا مع الفلسفة المعاصرة، حين بدأ الفلاسفة يدركون أن نموذج «الذات العارفة المنعزلة» ليس سوى بناء تجريدي لا يصمد أمام الواقع الاجتماعي للمعرفة. فقد أشار فيتغنشتاين في تأملاته المتأخرة إلى أن المعنى ذاته يقوم على الاستعمال الجماعي، وأن الشك الجذري لا يمكن أن يكون شاملا لأن الشك يفترض أرضية من المسلّمات المشتركة. ومن هنا فإن الثقة ليست نقيض العقل بل شرط إمكانه. ويذهب مايكل بولاني في الاتجاه نفسه حين يؤكد أن المعرفة تتضمن دائما عنصرا ضمنيا ينتقل عبر التقليد والتلمذة والثقة في الخبراء. أما توماس كون، فقد أبرز أن العلم نفسه لا يتقدم إلا داخل جماعات معرفية تتقاسم نماذج إرشادية، وأن قبول النتائج العلمية يعتمد إلى حد كبير على الثقة في المؤسسات والمجلات وآليات التحكيم.

في سياقنا هذا، ستظهر إبستمولوجيا اجتماعية جديدة، تجعل من الشهادة موضوعا مركزيا لا هامشيا. فالفيلسوفة ميراندا فريكر مثلا، ستكشف عن البعد الأخلاقي للشهادة، متحدثة عن «الظلم المعرفي» الذي يتعرض له بعض الأفراد حين تُنتقص مصداقيتهم بسبب انتمائهم الاجتماعي أو الثقافي. وهنا، لا تعود الشهادة مجرد نقل معلومات، بل فعلا مشبعا بالقيم، تحكمه علاقات القوة والسلطة والهيمنة الرمزية. ويذهب ألفين غولدمن إلى أن الثقة في الشهادة يمكن أن تكون عقلانية، إذا توفرت شروط موثوقية إجرائية ترفع احتمال الصدق. ومع ذلك فإن هذا النقاش على غناه ظل يدور في أفق إنساني تقليدي، حيث الشاهد إنسان والمخاطَب إنسان والوسيط لغوي مباشر.

غير أن هذا الأفق سيتعرض لزلزال عميق مع بروز العصر الرقمي. فمع الانتقال من المجتمعات الشفوية إلى الكتابية ثم إلى الرقمية، لم يتغير فقط وسيط نقل الشهادة، بل تغيرت طبيعتها ووظيفتها ومعايير تصديقها. ففي الفضاء الرقمي لم تعد الشهادة حكرا على الإنسان الفرد، بل أصبحت تنتج وتُضخّم وتُعاد صياغتها عبر خوارزميات ومنصات وأنظمة ذكاء اصطناعي. وأمام هذا التحول، تبرز أسئلة إبستمولوجية حادة: من هو الشاهد؟ هل هو المستخدم؟ أم المنصة؟ أم الخوارزمية التي تقترح وتصفّي وتروّج؟ وعلى أي أساس نمنح الثقة؟ هل على أساس النية والصدق، كما في الشهادة الإنسانية، أم على أساس الكفاءة التقنية ودقة المعالجة وقابلية التتبع؟.

إن الشهادة الرقمية في أحد وجوهها تبدو منزوعـة عن البعد الأخلاقي الشخصي الذي ميّز الشهادة التقليدية. فحين يشهد الإنسان، فإنه يعرّض سمعته ويضع ذاته موضع مساءلة. أما حين «تشهد» الخوارزمية، فإنها لا تتحمل مسؤولية أخلاقية بالمعنى الكلاسيكي بل تعمل وفق منطق احتمالي تحكمه معايير صُممت سلفا. وهنا، ينتقل مركز الثقة من الشخص إلى النظام، ومن الضمير إلى البروتوكول. هذا ما يدفع بعض المفكرين مثل برونو لاتور إلى القول إننا نعيش داخل شبكات فاعلين غير بشريين، يشاركون في إنتاج الحقيقة دون أن يكونوا ذواتا أخلاقية.

غير أن هذا التحول لا يلغي الإشكال بل يعمّقه. فالثقة في النظام التقني ليست ثقة بريئة بل ثقة مؤسسية محاطة بالسلطة الاقتصادية والسياسية والمعرفية. وكما يشير يورغن هابرماس، فإن الفضاء العمومي حين يُخترق بمنطق الأنظمة، يفقد طابعه التداولي ويخضع لعقلانية أداتية تُفرغ التواصل من بعده النقدي. وفي هذا الإطار تصبح الشهادة الرقمية عرضة للتلاعب لا عبر الكذب المباشر فقط، بل عبر الإغراق والتكرار وصناعة الإجماع الوهمي، وهو ما يسميه بعض المنظرين «اقتصاد الانتباه»، حيث لا يُكافأ الصدق بقدر ما تُكافأ القابلية للانتشار.

وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة عميقة، فالعصر الرقمي الذي وعد بتوسيع الوصول إلى المعرفة وبدمقرطة الشهادة، قد أنتج في الوقت ذاته أزمة ثقة غير مسبوقة. فانتشار الأخبار الزائفة وتزييف الصور واستنساخ الأصوات، جعل السؤال لا يتعلق فقط بصدق الشهادة، بل بإمكان الشهادة نفسها. وكما يقول جان بودريار، فإننا نعيش زمن المحاكاة حيث لا يعود التمييز ممكنا بين الأصل والنسخة وبين الحدث وصورته. وفي هذا العالم، تفقد الشهادة مرجعيتها الواقعية، وتتحول إلى علامة عائمة داخل سيل من العلامات.

إن هذه الأزمة لا يمكن اختزالها في بعد تقني، لأنها في جوهرها إبستمولوجية وأنثروبولوجية. فهي تمسّ تصورنا للإنسان ككائن قادر على القول الصادق، وعلى بناء الثقة وعلى التمييز بين المعقول والمضلل. ومن هنا، فإن السؤال عن إبستمولوجيا الشهادة في العصر الرقمي هو في العمق، سؤال عن مصير العقل العمومي، وعن إمكان العيش المشترك في عالم تتنازع فيه الحقيقة قوى السوق والسياسة والخوارزمية.

إن أول ما يلفت النظر في الشهادة الرقمية هو انزياح مركز الثقل من «القائل» إلى «الآلية». ففي الشهادة الإنسانية الكلاسيكية، كان السؤال المحوري يدور حول صدق الشاهد وعدالته وكفاءته الإدراكية وقدرته على الضبط والتذكر. هذه المعايير، التي نجد لها صدى واضحا في التراث الفلسفي كما في التراث الفقهي والأصولي الإسلامي، تفترض ذاتا عارفة مسؤولة، يمكن مساءلتها أخلاقيا ومعرفيا. أما في السياق الرقمي فإن الشهادة تمرّ عبر طبقات متعددة من الوساطة التقنية: خوارزميات ترتيب، ونظم توصية، وواجهات عرض، تجعل من المتلقي شاهدا غير مباشر على شهادة لم يُدرك شروط إنتاجها ولا معايير تصفيتها. وهنا، كما يقول بول فيريليو، لا يعود الخطر في الخطأ، بل في السرعة التي تُلغِي إمكان التحقق.

تتخذ الشهادة طابعا احتماليا خالصا. فهي لا تُقدَّم بوصفها قولا يُطالب بالتصديق، بل بوصفها «معلومة» مدعومة بإحصاءات أو نسب مشاهدة، أو عدد مشاركات. وهكذا يتحول معيار الصدق من المطابقة مع الواقع، أو الثقة في الشاهد إلى القابلية للانتشار والتداول. وهذا ما يجعل كثيرا من المفكرين مثل نيل بوستمان، يرون أن التكنولوجيا لا تنقل المعرفة فحسب، بل تعيد تشكيل معاييرها، بحيث يصبح ما هو مرئي أكثر مما هو معقول، وما هو متداول أكثر مما هو صحيح.

غير أن هذا التحول لا يعني أن الإنسان قد اختفى من معادلة الشهادة، بل يعني أنه أعيد تموضعه داخل شبكة معقدة من العلاقات. فحتى الخوارزميات هي نتاج قرارات بشرية محمّلة بتصورات ضمنية عن الأهمية والموثوقية والاهتمام. وكما يشير ميشيل فوكو، فإن المعرفة لا تنفصل عن السلطة، وأن كل نظام للخطاب يتضمن آليات إقصاء وترتيب. ومن هنا فإن الشهادة الرقمية ليست محايدة، بل مشروطة بأنظمة اقتصادية وسياسية تتحكم في ما يظهر وما يُخفى، وما يُضخَّم وما يُهمَّش.

إن هذا الوضع يفرض إعادة التفكير في مفهوم الثقة نفسه. فالثقة كما بيّن نيكلاس لومان، ليست مجرد شعور نفسي، بل آلية اجتماعية لتقليص التعقيد. غير أن التعقيد الرقمي بلغ حدا يجعل الثقة التقليدية عاجزة عن أداء وظيفتها. فلا يمكن للمستخدم العادي أن يفهم كيفية اشتغال الخوارزميات، ولا أن يتحقق من نزاهتها ولا أن يقيّم تحيزاتها. وهكذا، تتحول الثقة إلى نوع من الإيمان التقني، شبيه بما وصفه جاك إلّول بـ«الأسطورة التقنية»، حيث تُمنح التكنولوجيا سلطة معرفية شبه مطلقة، فقط لأنها تعمل بكفاءة.

غير أن هذا الإيمان لا يصمد طويلا أمام توالي الفضائح المعرفية، من التلاعب بالبيانات، إلى تضليل الرأي العام، إلى صناعة الأخبار الزائفة. وهنا، تنكشف هشاشة المصداقية التقنية حين تنفصل عن المساءلة الأخلاقية. فكما يذكّرنا هانس يوناس، فإن كل قدرة تقنية تستدعي مسؤولية أخلاقية متناسبة معها. وإذا كانت الخوارزميات قد أصبحت فاعلا معرفيا مؤثرا، فإن السؤال لم يعد: هل يمكن الوثوق بها؟ بل: من يتحمل مسؤولية ما تنتجه من شهادات؟.

تبرز الحاجة إلى تصور إبستمولوجي مركّب للشهادة، لا يختزلها في الذات الإنسانية، ولا يفوّضها كليا للتقنية. تصور يعترف بأن المعرفة في العصر الرقمي أصبحت موزعة تشاركية متعددة المصادر، لكنها في الوقت ذاته تحتاج إلى معايير نقدية صارمة. وقد حاول بعض الفلاسفة المعاصرين، مثل لوسي سوشمان وبرنارد ستيغلر، التفكير في هذا المنحى من خلال الدعوة إلى «أنسنة التقنية» أو «تسييس الخوارزمية»، أي إخضاعها للنقاش العمومي وللشفافية وللمساءلة الجماعية.

إن الشهادة بهذا المعنى الجديد، لا يمكن أن تكون مجرد نقل آلي للمعلومة، بل ينبغي أن تُفهم بوصفها ممارسة معرفية تتطلب شروطا تداولية. وهنا، يستعيد تصور هابرماس للفعل التواصلي أهميته، إذ لا معنى للشهادة خارج أفق الاعتراف المتبادل وإمكان الاعتراض وقابلية التبرير. فالشهادة التي لا يمكن مساءلتها ولا الطعن فيها ولا فهم شروط إنتاجها، تتحول إلى شكل جديد من أشكال الهيمنة الرمزية مهما ادّعت الموضوعية.

ومن جهة أخرى، يفرض هذا التحول إعادة النظر في التربية المعرفية ذاتها. فالمشكلة ليست فقط في التكنولوجيا، بل في قابلية الذوات لتصديق كل ما يُعرض عليها. وكما أشار كانط في نصه الشهير عن التنوير، فإن القصور ليس في نقص العقل بل في العجز عن استعماله دون وصاية. وفي العصر الرقمي تتخذ هذه الوصاية شكلا جديدا، وصاية الخوارزمية التي تقرر عنا ما نقرأ وما نصدق وما نهتم به. ومن هنا، تصبح تنمية الحس النقدي والقدرة على التمييز شرطا إبستمولوجيا أساسيا لاستعادة معنى الشهادة.

إن الشهادة الرقمية رغم كل ما تثيره من مخاوف، تفتح أيضا إمكانات جديدة. فهي تتيح تعددية الأصوات وكسر الاحتكار المعرفي وإبراز شهادات كانت مهمشة في الفضاءات التقليدية. غير أن هذه الإمكانات لا تتحقق تلقائيا، بل تحتاج إلى بنية أخلاقية وقانونية تحميها من الانزلاق إلى الفوضى أو التلاعب. وكما يقول أمارتيا سن، فإن الحرية ليست مجرد غياب القيد، بل توافر الشروط التي تجعل الاختيار ذا معنى.

نجد أنفسنا أمام مفترق طرق إبستمولوجي. إما أن نستسلم لمنطق المصداقية التقنية، فنفوض عقولنا لأنظمة لا نفهمها، أو أن نرتد إلى حنين رومانسي للثقة الإنسانية الخالصة، متناسين هشاشتها وتحاملاتها. غير أن الخيار الثالث وهو الأصعب والأكثر خصوبة، يتمثل في بناء نموذج هجين للشهادة، يعترف بدور التقنية دون أن يتخلى عن المطلب الأخلاقي، ويستثمر إمكانات الرقمنة دون أن يفرّط في العقل النقدي.

إن إبستمولوجيا الشهادة في العصر الرقمي تكشف في عمقها، عن أزمة أوسع تمسّ علاقتنا بالحقيقة وبالغير وبذواتنا. فالشهادة ليست مجرد آلية معرفية، بل مرآة لثقتنا في العالم وفي بعضنا البعض. وحين تتصدع هذه الثقة لا يكون الخطر في الجهل فقط، بل في تفكك النسيج الرمزي الذي يجعل العيش المشترك ممكنا. لقد بيّن هذا المسار أن الانتقال من الثقة الإنسانية إلى المصداقية التقنية ليس تطورا خطيا، بل انزلاقا محفوفا بالمفارقات.

فمن جهة لا يمكن إنكار أن التقنية قد وسّعت أفق الشهادة وكسرت احتكار الحقيقة، وفتحت المجال أمام تداول غير مسبوق للمعلومات. ومن جهة أخرى، كشفت عن هشاشة المعايير التي نعتمدها في التصديق وعن قابلية الوعي المعاصر للتلاعب والإغراق. وهنا، يتضح أن السؤال الإبستمولوجي لا ينفصل عن السؤال الأخلاقي والسياسي. فالحقيقة ليست مجرد مسألة تطابق، بل مسألة مسؤولية.

إن استعادة معنى الشهادة لا تمرّ عبر رفض التقنية، بل عبر إعادة إدماجها في أفق إنساني نقدي. أفق يعترف بأن المعرفة فعل جماعي، لكنه يرفض تحويل الجماعة إلى قطيع رقمي. أفق يجعل من الشفافية شرطا للمصداقية، ومن المساءلة أساسا للثقة، ومن التربية النقدية حصنا ضد التزييف. وكما قال سبينوزا فإن الحرية هي معرفة الضرورة. وفي زمن الخوارزميات، تصبح هذه المعرفة أكثر إلحاحا من أي وقت مضى.

إن الشهادة في صيغتها الجديدة ليست نهاية العقل بل امتحانه الأصعب. امتحان يكشف ما إذا كان الإنسان قادرا على العيش مع التقنية دون أن يفقد صوته، وعلى الثقة دون أن يتخلى عن النقد، وعلى المعرفة دون أن يستقيل من مسؤوليته. وفي هذا الامتحان لا تكون الشهادة مجرد نقل للقول، بل فعلا أخلاقيا ومعرفيا يعيد للإنسان مكانته، لا بوصفه مصدرا مطلقا للحقيقة، بل بوصفه حارس معناها.

***

د. حمزة مولخنيف

في المثقف اليوم