أقلام فكرية
كريم الوائلي: كيف نقرأ التراث؟.. من الإدراك إلى التأويل.. رحلة النص عبر القارئ
تدل القراءة لغويًّا على الجمع، والضم والتفقه، والتلفظ والإبلاغ، ويدل التلفظ على إخراج الوحدات الصوتية من الجهاز النطقي، ويشتمل على الفهم الأولي البسيط الذي نهدف إلى تحديده، غير أنَّ القراءة تخرج إلى دلالة أخرى تعني الفهم «التفقه» والتوصيل « الإبلاغ »(1)، والأخيرة تتضمن الفهم أصلًا، إذْ كيف يمكن التوصيل دون فهم ووعي لما في الخارج والذات سواء بسواء، ومن ثم فإنَّ القراءة تعني تتبع الرموز اللغوية، ووعي دلالاتها وإدراك معانيها، بعد وعي طبيعة الأنظمة اللغوية ـــ صوتية وصرفية ونحوية ودلالية ــــ التي تتضمنها أي لغة، وهذا يعني أيضًا أنَّ القارئ يكيف هذه الرموز « على نحو نسقي ليدركها في قران دون غيره، في الوقت الذي تقوم فيه الرموز بتوجيه حركة القارئ ـــ خلال فعل الإدراك ـــ إلى أحد القرانات المدركة »(2)، بمعنى أنَّ الذات تتفاعل مع النص المقروء وتقدم ناتجًا من تجادلهما .
إنَّ القراءة ليست فعلًا فيزيولوجيا يتأتى بإحداث الوحدات الصوتية عبر النطق بحسب ما تقتضيه الأنظمة اللغوية لأي لغة فحسب، وإنما القراءة، سواء أكانت قراءة للعالم بوصفه وجودًا يقع خارج الذات الإنسانية، أم نصًّا بوصفه تشكيلًا لغويًّا تعني الفهم، ومن ثم فإنّها تمثل نشاطًا معرفيًّا ذهنيًّا يختلف ويتفاوت بحسب رؤية القارئ وبحسب طبيعة النظر إلى العالم والنص، والزاوية التي يصدر عنها .
فالقراءة في ضوء هذا الفهم مُولّدٍة للمعاني وكاشفة للصور التي يتضمنها العالم والنص، ومن ثم فإنّها- بحسب علي حرب- « تعيد انتاج المقروء »(3) فكأنَّ المقروء ــــ عالمًا أو نصًّا ــــ موجود، ويصبح بعد القراءة موجودًا آخر، لأنَّ القراءة ليست نقلًا للمقروء، أو إحضارًا له، إذْ يضفي القارئ على المقروء رؤيته، وذاته، وخصوصيته، ويتولد من العلاقة بينهما مركب جديد، ليس هو المقروء تمامًا، وليس هو القارئ بما هو عليه، وإنّما هو مركب منهما معًا بكيفية خاصة، ولذلك تتفاوت القراءات لاختلاف القراء، وكأنَّ المقروء ثابت قبل القراءة، وتتغير صورته ومعانيه ودلالاته بفعل عملية القراءة التي ترتبط بخصوصية القارئ ورؤيته .
ويمكن القول تجاوزًا إنَّ النص قبل القراءة يعرف استقرارًا نسبيًّا في دلالته ومعانيه، ولكنه ـــ في الحقيقة ـــ استقرار متوهم، إذْ لا وجود حقيقي للنص إلا في أثناء قراءته، نعم هناك وجود موضوعي فيزيقي للنص خارج الذات الإنسانية ــــ متمثلًا في الكتب ــــ التي أنتجته، أو تسعى الى قراءته، ولكنه وجود هامد، وإن وجوده الفعلي يتحقق عبر قراءته .
وليست هناك قراءة صحيحة وقراءة خاطئة، وإنما هناك قراءة ممكنة يحتمل النص دلالاتها، ويعكس القارئ رؤيته ومواقفه في اثنائها، وهناك قراءة غير ممكنة، لعدم احتمال النص دلالتها، ولاسيما القراءة الإسقاطية التي سيأتي الحديث عنها .
إنَّ قراءة النص بمعنى فهمه تتضمن الأبعاد الآتية:(4)
1 ـــ الفهم المباشر دون حاجة إلى تفسير أو تأويل .
2 ـــ التفسير، حين يستعصي الفهم المباشر نشأت الحاجة إلى الانتقال إلى فهم آخر يقتضيه السياق وقرائن اللغة، فإنَّ كلمة الوحي حين ترد دون سياق أو قرينة لغوية لها دلالة تختلف عن معناها في قوله تعالى: « وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنْ اتَّخِذِي مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنْ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ »(5).
3 ـــ التأويل: وهو مرحلة متقدمة في فهم النص، تعني إخراج اللفظ من معناه الحقيقي الذي يدل عليه الفهم المباشر، أو سياقاته، إلى معناه المجازي، ولذلك فإنَّ التفسير بيان وضع اللفظ حقيقة كتفسير الصراط بالطريق والتأويل إظهار باطن اللفظ ... فالتأويل خاص والتفسير عام فكل تأويل تفسير وليس كل تفسير تأويلًا.
وتتركب عملية القراءة من ثلاثة مكونات: القارئ، والمقروء، وناتج القراءة، وقد يوحي ترتيب هذه الأبعاد أولية القارئ، بمعنى فاعليته، وانفعالية النص، إذْ تكون القراءة مجرد نتيجة لعملية ميكانيكية تتماثل فيها النتائج والمقدمات، وليس هذا صحيحًا في الواقع، لأن ثمة جدلًا بين القارئ والمقروء، يتولد ناتج القراءة من تفاعلهما المحتدم وتصارعهما بفعل العلاقات المتشابكة والمعقدة والمتداخلة، ويشتمل كل من عنصري عملية القراءة« القارئ / المقروء» على خصائص ينماز بها، وإن إغفال هذه الخصوصية وإدراك أهميتها يقود بالضرورة إلى فهم سلبي لعملية القراءة والنتائج المتولدة منها، بمعنى أنَّ إغفال هذه الخصوصية أو التهوين من قيمتها وأهميتها، يعني هيمنة أحد طرفي عملية القراءة على الآخر، فإما أنْ تكون الذات فاعلة إزاء موضوعها، إذْ تلغي المقروء، أو تقرأه خارج دلالاته وسياقاته، وأما أنْ يهيمن المقروء على القارئ، فيتحول إلى مجرد ناقل، وكلا الأمرين يعني ناتجًا سلبيًّا، يلغي أحد طرفي المعادلة، ويقدم قراءة أقل ما يقال عنها إنّها قراءة سلبية .
وقد تكون القراءة السلبية ذاتية تتخذ من التراث وسيلة دفاعية يؤكد فيها القارئ ذاته، إذْ يستعيد المعايير النقدية التراثية ويضخم من جوانبها الإيجابية، ويحاول إسقاطها على الحاضر، والمستقبل، والهدف من ذلك الاحتماء بالتراث في مواجهة تيارات معاصرة، وعلى الرغم من سلبية هذه القراءة فإنّها في الوقت نفسه يمكن أنْ تسهم في بداية لقراءة نقدية واعية، لأنها تستبعد الجوانب السلبية في عصور الانحطاط، والأهم من هذا أنها تحذر من الانسياق وراء القراءة الشكلية والسقوط في الانجازات المستوردة، غير أنَّ التوقف عند هذه الغاية لن يحقق جديدًا، لأن التراث النقدي يمارس سلطته على الحاضر والمستقبل، وهذا ما حصل فعلًا في القراءة الإحيائية التي هيمنت فيها الأصول القديمة على النقد المعاصر، وأصبحت غاية مقصودة لذاتها .
ولا تختلف القراءة الرومانسية عن هذه القراءة السلبية، إذْ تمثل هذه القراءة قطيعة معرفية مع التراث، إذْ يعتمد الناقد اصولا نقدية مستوردة ليست من صنع حاضره، ولا من تراثه، وبذلك يستبدل حاضره وماضيه بحاضر نقدي للآخر .
ويمكن تبني قراءة تتفاعل فيها الذات بموضوعها، إذْ يدرك الناقد أنَّ لتراثه حضورًا قديمًا محددًا بسياقاته التاريخية والاجتماعية والمعرفية، وله حضور معاصر خاص بزمن القراءة الحالية وملتحم برؤية القارئ المعاصر وثقافته، ويتأسس على الوصل والفصل، إذْ يجعل « المقروء معاصرًا لنفسه على صعيد الإشكالية والمحتوى المعرفي والمضمون الأيديولوجي، و(ويجعل) المقروء معاصرًا لنا، ولكن فقط على صعيد الفهم والمعقولية »(6).
***
الدكتور كريم الوائلي
.....................
(1) محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، دار صادر- بيروت، الطبعة الثالثة ،1994، مادة: قرأ، 1/128 - 133.
(2) جابر عصفور، قراءة التراث النقدي، ص 18.
(3) علي حرب، هكذا اقرأ ما بعد التفكيك، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005، ص 10 وما بعدها.
(4) يُنظر بالتفصيل: كريم الوائلي، الخطاب النقدي عند المعتزلة، وزارة الثقافة، بغداد، 2001، ص 5 وما بعدها.
(5) سورة النحل، آية: 68.
(6) محمد عابد الجابري، نحن والتراث، قراءة معاصرة في تراثنا الفلسفي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الرباط، 1993، ص 11.






