أقلام فكرية
أحمد الكافي يوسفي: مئوية ابن رشد.. هل من رشدية مغايرة؟
مقدّمة: في سبيل رشدية مغايرة.. ابن رشد بين النص والتاريخ والراهنية
تمرُّ الأمة الإسلامية والعربية اليوم بالذكرى التاسعة لميلاد أبي الوليد ابن رشد (1126-1198م)، تلك الشخصية التي غدت علما من أعلام الفلسفة الإسلامية، وجسرا معرفيا بين الشرق والغرب، ورمزا للعقلانية في وجه التعصب. غير أن إحياء هذه الذكرى لا يعدو ان يكون طقسا احتفاليا جامدا، أو استعادة نوستالجية لماضٍ ولّى، بل فرصة لإعادة طرح سؤال جوهري: هل من رشدية مغايرة؟
إن السؤال عن "المغايرة" في الرشدية ليس سؤالا هامشيا، بل هو مدخل إبستيمولوجي لفكّ الاشتباك بين "ابن رشد الأيقونة" الذي تم تدجينه في الخطابات الرسمية والتقليدية، و"ابن رشد الفيلسوف" الذي هزّ أركان اليقينيات السائدة في عصره. فالرشدية التي نحتفي بها ليست تلك التي تُختزل في شروح أرسطو، أو تلك التي تُستعمل كشهادة حسن سلوك للعقل الإسلامي أمام الغرب، بل هي الرشدية كـ "مشروع تحرري"، وكـ "منهج نقدي"، وكـ "تجربة التزام" واجهت فيها الفلسفةُ واقعَ الدم والسلطة والتكفير.
إن القراءة السائدة لتراث ابن رشد غالباً ما وقعت في فخّ "التقديس" أو "الاستشراق"، فإما حوّلته إلى مجرد ناقل للحكمة اليونانية، أو اختزلت فكره في إشكالية التوفيق بين الدين والفلسفة بمعناها السكولاستيكي الضيق. أما "الرشدية المغايرة" التي تسعى هذه الدراسة إلى استكشافها، فهي تلك التي تنظر إلى ابن رشد كفيلسوف "مقلق"، مفكرٍ لم يرضَ بالوصاية، ورفض أن يكون الفلسفةُ مجردَ زينةٍ للنخبة، بل جعلها واجبا وجوديا وشرعياً لكل ذي عقل. إنها رشدية لا تفصل بين النظر والعمل، ولا بين النص والواقع، ولا بين الحقيقة والحياة.
إن راهنية ابن رشد اليوم لا تكمن في تكرار مقولاته، بل في استلهام "روحه النقدية" لمواجهة تحديات العصر: من صعود الخطابات التكفيرية التي تستبيح الدم باسم المقدس، إلى أزمة العقل العربي الذي يتراوح بين القطيعة مع التراث والغرق فيه، وصولا إلى الحاجة الماسة لتأسيس فلسفة حياة تدافع عن الكرامة الإنسانية والحرية الفردية في وجه الاستبداد السياسي والديني. إن ابن رشد، في قراءتنا هذه، ليس فيلسوف الماضي فقط، بل هو فيلسوف المستقبل؛ لأنه علّمنا أن "الحق لا يضاد الحق"، وأن العقل هو الكون المشترك بين البشر، وأن التكفير هو دائماً غطاء لصراعات السلطة وليس دفاعاً عن العقيدة.
تنطلق هذه الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن فكر ابن رشد يحمل في طياته "بذرة مغايرة" لم تُستثمر بعدُ بالكامل في الوعي العربي المعاصر. ولأجل تفكيك هذه البذرة واستنطاق دلالاتها الراهنية، ستنقسم الورقة إلى ثمانية محاور متداخلة، تبدأ بتجسيد تجربة الالتزام عند ابن رشد كفعل وجودي وليس تأملا مجردا، لتنتقل بعد ذلك إلى رصد الخيط الناظم بين الرشدية وعصر الأنوار، مؤكدة أن العقلانية الحديثة مدينة لهذا الجسر المعرفي. ثم تغوص الدراسة في سوسيولوجيا النكبة والتكفير، كاشفةً الآليات السياسية وراء إقصاء المفكرين، مرورا بتأسيس الصلة بين الحكمة والشريعة.
ولا تكتفي الدراسة بالبعد التاريخي، بل تمدّ جسورا نحو الحاضر من خلال مقارنة بين منشور المنصور واغتيال الطاهر الحداد الاجتماعي، لتثبت استمرار آليات الوصاية عبر القرون. كما تتوقف عند الاستقبال الغربي للرشدية، محللةً تأثير ابن رشد في الديمقراطية والمساواة وحقوق المرأة، وهو الجانب الذي غالبا ما يتم تغيبه في القراءات المحلية. لتختم الدراسة بتأملات حول راهنية الرشدية في أفق الكونية، مؤكدة أن الإرث الرشدوي الحقيقي هو منهج مفتوح للتحرر من الأوهام، وانتصار لسيادة العقل كشرط لا غنى عنه لأي نهضة مستقبلية.
إنها، في النهاية، دعوة لقراءة "مائية" لابن رشد؛ قراءة لا تغرق في تفاصيل التاريخ الجاف، ولا تطير في تجريدات الميتافيزيقا البعيدة، بل تجري كنهر معرفي يربط بين المنبع الأندلسي والمصب الكوني، لعلنا نستعيد من خلال هذه الامكانية ل"الرشدية المغايرة" ثقتنا بأن الفلسفة ليست رفاهية، بل هي ماء الحياة، ومن منعها عن قوم كمن منع عطشان عن شرب الماء.
المحور الأول: تجربة الالتزام عند ابن رشد
تُعد تجربة ابن رشد نموذجا لـ "تجربة الالتزام"؛ فالتفكير عنده ليس تأملا مجردا، بل هو فعل مسؤول يهدف إلى تحرير المجتمع من الوصاية والاضطهاد والتمويه. ابن رشد لم يكن مجرد شارح للنصوص فقط، بل كان مفكرا ملتزما بقضايا عصره، يرى أن الفلسفة مشروع من أجل النّاس لا ضدهم، مما جعل استقلاليته في الرأي سببا في مواجهته لسلطة العوام والساسة.
فالفلسفة، في هذا السياق الرشدي، التزام وجودي واجب وهو ما يبرز من خلال قول ابن رشد في فصل المقال: "فإن النظر في كتب القدماء واجب بالشرع، لأن معناه عند الشرع هو النظر في الموجودات واعتبارها من حيث هي دالة على الصانع. هذا التعريف يحول الفلسفة فعلا ضروريا و نشاطا أساسيا، فهي "واجب شرعي" ومسؤولية وجودية.
هذا القول الفلسفي الواجب بالشرع يعبّر عن الاستقلالية وله ثمنه: ابن رشد دفع ثمنا باهظا لاستقلاليته الفكرية. فقد تم نفيه وحرق كتبه، ليس لأنه هاجم الدين، بل لأنه دافع عن حق العقل في النظر الحر. هذا هو جوهر الالتزام: أن تدافع عن المبدأ حتى لو كلفك ذلك التضحية بكل شئ.
وعليه، لم يكن ابن رشد فيلسوفا في برج عاجي. لقد كان قاضيا وطبيبا وفيلسوفا، أي أنه عاش في قلب الواقع السياسي والاجتماعي. التزامه لم يكن خطابيا بل وجوديا، مارسه في كل أدواره. ليس الفيلسوف هنا مفارقا لعالم الناس متعاليا عن واقعهم وما يجول في خاطرهم ويعتمل في عقولهم من اسئلة واحراجات بل مهموم بهمومهم وهو ما يبرر هذه "الغرضانية" الفلسفية القائمة بالجوهر على "البيان والتبيين" لذلك يعتبر ابن رشد ان غرضه من الكتابة هو أن يبين أن الفلسفة ليست مخالفة للشريعة، بل هي صديقتها وأختها الرضيعة
اذن، الغرضانية الفلسفية الرشدية في خدمة النّاس عبر خدمة الحقيقة، لا في خدمة السلطة أو التقاليد. هذا ما جعله يرفض التلفيق او التوفيق السطحي بين الدين والفلسفة، ويدعو إلى فهم يقوم على التأويل بالعودة إلى الأصل تأسيسا لقول فلسفي مغاير. هذا المحور الأول يؤسس لفهم الالتزام عند ابن رشد كـ "مشروع وجودي" واجب بالشرع وليس كموقف عابر.
المحور الثاني: الرشدية وعصر الأنوار
ثمة خيط رفيع يربط بين الرشدية وعصر الأنوار الأوروبي: فالرشدية اتسمت بالعقلانية والنهج البرهاني المستند إلى التجربة الطبيعية ورفض الوثوقية، بينما قام عصر الأنوار على مفهوم "النور الطبيعي" (العقل) والاستقلالية عن كل أشكال الوصاية. يمثل هذا التقاطع امتحانا لحرية التفكير في مواجهة الظلامية، حيث مهدت الرشدية الطريق للعقلانية الحديثة التي تجلت لاحقا في فكر فولتير وروسو.
ان الرشدية اللاتينية هي جسر معرفي نحو الأنوار اي انها ليست مجرد فصل من فصول تاريخ الفلسفة الوسيطة او تاريخ الفلسفة عامة، بل كانت قوة فكرية أربكت السلطة الدينية وفتحت الطريق أمام العقل النقدي في صيغته الحديثة.
ههنا يمكن ان نلحظ علاقة ما بين فولتير والرشدية من خلال نقد التعصب باسم العقل، فإذا كان فولتير قد حارب التعصب الديني باسم العقل، فإنه يواصل المعركة التي بدأها ابن رشد قبله بستة قرون. كلاهما آمن بأن الحرية الفكرية شرط لا غنى عنه للتقدم الإنساني وان العلاج لداء التعصب هو العقل والتفكير والنظر الفكري.
هذا المحور يؤكد أن الرشدية لم تكن "مرحلة وسيطة" منسية، بل كانت مختبرا فكريا اختُبرت فيه قيم العقلانية والنقد والواقع الخ....
المحور الثالث: النكبة والتكفير
تكشف الوثائق التاريخية عن وجهين لنكبة ابن رشد: فالمنشور الرسمي (يعقوب المنصور) استعمل لغة دينية حادة (إلحاد، أوهام، سموم) لتكفير ابن رشد وإحراق كتبه، معتبرا فكره "هدما للشريعة". بينما تكشف الرواية التاريخية (المراكشي) عن أسباب "خفية" للنكبة، تتعلق بدسائس الحاشية والمنافسات السياسية، مما يثبت أن التكفير غالبا ما يكون غطاء لصراعات السلطة.
التكفير ليس حكما لاهوتيا بريئا، بل هو ممارسة للسلطة التي تهدف إلى استبعاد المنافس من حقل الإنتاج الثقافي، عبر وصمه بـالانحراف لتبرير إقصائه ماديا ورمزيا فاتهام المنصور لابن رشد بـالإلحاد لم يكن نتيجة قراءة دقيقة لنصوصه، بل كان أداة سياسية لتصفية خصم فكري أصبح ثقله المعرفي يهدد هيمنة الفقهاء المقربين من السلطة.
ويوثق عبد الواحد المراكشي في المعجب في تلخيص أخبار المغرب البعد السياسي للنكبة: "وكان سبب نكبة ابن رشد أن ملك البربر –يعني الموحدين– كان يحسده على مكانته عند الخليفة، فأوحى إليه أن في كتب ابن رشد ما يفسد عقائد الناس... فكان ذلك سببا في إحراق كتبه ونفيه"
"النكبة الرشدية" لم تكن حادثة عابرة، بل كانت تعبيرا عن تناقضات تشق الفلسفي والسياسي والديني بل يمكن القول انه عندما أحرق المنصور كتب ابن رشد، كان يحاول محو بديل معرفي ينافس الخطاب الفقهي المهيمن. هذه النكبة او مأساة ابن رشد تتكرر عبر التاريخ ذلك ان كل مفكر يمكن ان يهدد السلطة وهو ما تجلى مثلا مع الطاهر الحداد من خلال الاغتيال الاجتماعي وغيره من المفكرين.
المحور الخامس: التوفيق بين الحكمة والشريعة
في كتابه "فصل المقال"، يضع ابن رشد القاعدة الذهبية: "الحق لا يضاد الحق، بل يوافقه ويشهد له". وبذلك يمكن القول أن التناقض الظاهري بين الفلسفة والدين ناتج عن رأي مبتدع في الشريعة (تأويل خاطئ) أو خطأ في فهم الحكمة. والحل يكمن في "فصل المقال" الذي يثبت مطابقة أصول الشريعة لنتائج العقل البرهاني.
حجر الزاوية في المنهجية الرشدية هو انه لا تناقض بين الفلسفة والدين كما يروج البعض من العامة او السياسيين، فالكون (كتاب الله المنظور) والقرآن (كتاب الله المسطور) صادران عن مصدر واحد، وبالتالي لا يمكن أن يتناقضا في جوهرهما بل لا سبيل الى الله دون تدبر ومعرفة ونظر وعقل للكون او كتاب الله المنظور. اذن، مصدر التضارب هو الخطأ البشري لا الخطأ الإلهي. وبذلك يتم نقل مشكلة التضارب من مستوى النص إلى مستوى القارئ. التضارب لا يوجد في الشريعة ولا في الحكمة، بل ينتج عن قصور في التأويل أو خلل في البرهان، وكلاهما فعل بشري قابل للخطأ. لكن هناك شروط التأويل حتّى لا يكون بابا مفتوحا للفوضى، فالتاويل ليس بابا مفتوحا على مصراعيه فهو واجب على من يمتلك أدوات البرهان (الفلاسفة والعلماء)
المحور السادس: من الخليفة المنصور ومنشوره إلى الطاهر الحداد واغتياله الاجتماعي: استمرار الوصاية والتكفير
عبر ثمانية قرون (من 1199م إلى 1934م)، نجد أن آليات القمع الفكري بقيت متشابهة: فابن رشد عوقب بالإبعاد وإحراق الكتب بتهمة الزندقة، بينما واجه الطاهر الحداد ما أسماه "القتل الاجتماعي" (التكفير، العزل، الطعن في العرض) بسبب كتابه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع". كلاهما أكد أن "التفكير ليس جريمة"، وأن الخروج من الدين قرار فردي لا تملكه المؤسسات، محذرين من تحويل الاختلاف الفكري إلى "فتنة" اجتماعية.
لكن رغم سياسة الحرق والغزل فان ابن رشد والحداد أصرّا على الالتزام بقول الحقيقة دفاعا عن الحياة، ذلك انه "من منع الفلسفة عن قوم كمن منع عطشان عن شرب الماء" كما قال ابن رشد. وكذلك من منع المرأة من حقها كمن منع نصف المجتمع من الحياة اذا استأنسنا بروح الحداد التحررية المضادة للتعصّب والظلاميّة. هنا، ابن رشد والطاهر الحداد يعبران عن نفس الروح التحررية، نفس المعركة ضد التعصّب والاغتيال والحرق الخ...
ننتهي، إذن، إلى أن الدرس التاريخي هو أن التحرر يبدأ بكسر حاجز الخوف؛ فابن رشد كسر تابو قداسة التأويل السائد، والحداد كسر تابو قداسة الأدوار الجندرية. كلاهما علّم النّاس أن الحرية تبدأ حين نتوقف عن الخوف من التفكير
المحور السابع: في الاستقبال الغربي للرشدية
ان مشروع تجربة الالتزام من خلال محنة ابن رشد يمكن ان تقرا في اطار نقلة فكرية من "التنوير" العربي إلى الأنوار الفرنسية وهو ما يتجلّى في الاستقبال الغربي لابن رشد: كيف رأى الغرب من خلال ليون غوتيي فلسفة ابن رشد؟ وكيف اثر ابن رشد في الغرب وحداثته؟
إن أطروحة ليون جوتيه تقوم على اعتبار ابن رشد فيلسوف التوفيق بين الحكمة والشريعة
Traité Décisif (Façl el-maqâl) sur l'Accord de la Religion et de la Philosophie suivie de l'Appendice (Dhamina) (GAUTHIER, Léon)
على العكس من ذلك ذهب الاستاذ الجامعي عبد المجيد الغنوشي في دراسة له بعنوان: "التمييز بين الخطاب الفلسفي والخطاب الشرعي عند أبي الوليد بن رشد": ففصل المقال ليست القول الفصل اي الحاسم والاتصال لا تعني التوفيق والانسجام بل الصلة والنسبة، لذلك فالعنوان يعني التمييز بينهما لا التوفيق بينهما، أي التمييز بين الخطاب الشرعي والخطاب الفلسفي مع إثبات ما بينهما من صلة ونسبة ورابطة
وفي هذا السياق النقدي تتنزل قولة ابن رشد الشهيرة الواردة في كتاب الحس والمحسوس والتي رددتها أوروبا اللاتينية أيام نهضتها مشيدة بابن رشد وبعبقريته «يا قوم، لا أقول إن حكمتكم الإلاهية هذه باطلة، ولكني أقول إني إنسان أعلم علما إنسانيا»
هنا يمكن معاينة تاثير ابن رشد، ففي هذا السياق يسال اوغيست كونت ما سبب الثورة الفرنسية؟ حسب اوغيست كونت الذي رفض احتلال الفرنسي للجزائر ودافع عن استقلال الجزائر: الثورة بدأت فعلا يوم اقتحمت العقلانية العربية أوربا في القرن الثاني عشر مع بدايات الحروب الفرنسية، كما ذهب الى ذلك الاستاذ حمادي بن جاء بالله في بعض حواراته.
كما يمطم معاينة الديمقراطية في فلسفة ابن رشد كما ذهب الى ذلك الاستاذ حمادي بن جاء بالله: روسو يقول عن الديمقراطية تصلح لحكم الملائكة و يفضل الارستقراطية الكفْئة اي حكم رجال الحرفة والصناعة . ههنا يمكن ان نعاين ايضا انه منذ ارسطو وافلاطون والفارابي حتى روسو الكل يلعنون الديمقراطية يسمونها المدينة الجماعية الا ابن رشد، ابن رشد في كتابه الضروري في السياسة، الوحيد الذي تحدث فيه عنه عن افلاطون، دافع عن الديمقراطية واعتبرها حكم الأحرار وان رئيس المدينة الحرة سيد الاحرار ورئيس المدينة الظالمة هو عبد عبيده. ان الديمقراطية لا تذم مع ابن رشد، رغم انها ذمت ورفضت من هيردوت حتى روسو الذي يعتبر فيلسوف من فلاسفة الانوار والحداثة الغربية
كما يمكن ايضا ان نعاين المساواة في فلسفة ابن رشد: هذا النظام الديمقراطي يتطلب المساواة بين الجمع بما في ذالك الرجل والمراة، ففي كتاب الضروري في السياسة يقول في "هل يقتصر دور النساء على الانجاب؟ ان النساء من جهة انهن والرجال نوع واحد فانهن بالضرورة يشتركن في الاعمال الانسانية كلها فهن فيلسوفات وحاكمات وقائدات ومحاربات". اذن هناك اقرار للمساواة بين الرجل والمراة في فكر ابن رشد التحرري وفي تجربته في الالتزام بالدفاع عن الحقيقة
كما يمكن ان نعيان ايضا طبيعة العلاقة مع الآخر المختلف وخاصة من خلال ارساء مبدا ان""النظر كتب في القدماء واجب بالشرع". يقول ابن رشد في فصل المقال:"ينبغي أن نضرب بأيدينا في كتب القدماء بل ان طلب الحكمة واجبة بالشرع حتى لو كانت عند الآخر المختلف او ما يخالفنا في الملّة " ويقول ايضا "فإنه يجب علينا أن ...يستعين في ذلك المتأخر بالمتقدم، حتى تكمل المعرفة به. فإنه عسير أو غير ممكن أن يقف واحد من الناس، من تلقائه وابتدائه، على جميع ما يحتاج إليه" ويقول ايضا: " إن كان غيرنا قد فحص عن ذلك فبيّن انه يجب علينا ان نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدّمنا في ذلك، وسواء كان ذلك الغير مشارك لنا أو غير مشارك في الملة"
المحور الثامن: خاتمة - راهنية الرشدية في أفق الكونية
إن استحضار ابن رشد في مئويته التاسعة ليس مجرد استعادة لذكرى تاريخية، بل هو استدعاء لـ "روح نقدية" لا تزال تشرق في سماء الفكر الإنساني. ربّما تكمن أهمية الرشدية اليوم في ثلاثة أبعاد أساسية: العقلانية كجسر للتواصل، والتسامح القائم على البرهان، والمثقف الملتزم. إن الرشدية اليوم هي دعوة صريحة للتحرر من "الأوهام" والوثوقية، وللتأكيد على أن مستقبل المجتمعات رهين بمدى قدرتها على حماية حرية التفكير والانتصار لسيادة العقل.
الرشدية رمزية من رمزيات تجارب الالتزام التي اثّرت في المشرق والمغرب رغم المنقى . ابن رشد عاش المنفى مرتين: نفيه المادي إلى مراكش، ونفيه الرمزي عبر حرق كتبه. لكن أفكاره هاجرت إلى أوروبا لتصبح وقود نهضتها أو حداثتها.
الرشدية كـ "مشروع مفتوح:
راهنية الرشدية اليوم ليست في تطبيق نصوصه واجترارها، بل في استلهام روحها النقدية لمواجهة تحديات عصرنا: التعصب الرقمي، الاستبداد التقني، أزمة المعنى وهو ما يمكن ان يجعل من ابن رشد ليس فيلسوف الماضي، بل فيلسوف المستقبل.
بهذه المحاور نكون قد قدّمنا قراءة "مائية" لابن رشد: لا تغرق في التفاصيل التاريخية، ولا تطير في التجريدات الميتافيزيقية، بل تجري كـ "نهر معرفي" يربط بين المنبع الأندلسي والمصب الكوني. ربما يمكن القول ان الرشدية اليوم ليست تراثا يُحفظ، بل منهجا يُمارس:
عقلانية نقدية ضد الوثوقية.
تأويل منضبط ضد الفوضى التأويلية.
التزام إنساني ضد الانعزال النخبوي.
كونية منفتحة ضد الانغلاق الهوياتي.
كما قال ابن رشد في ختام فصل المقال: "والله الموفق للصواب"، لكن هذا "التوفيق" الإلهي لا يلغي مسؤولية البشر في البحث عن الحقيقة، بل يفرضها كواجب وجودي.
الدرس النهائي — إن كان للدرس الرشدي أن ينتهي — هو أنه لا حداثة دون عقل، ولا عقل دون حرية، ولا حرية دون شجاعة التفكير. هذا هو إرث ابن رشد: أن نكون "فلاسفة حياتنا" لا مجرد شُرّاح لنصوص الآخرين، وإن كان الشرح ضروريا للتعلم، وربما وسيلة لتمرير رؤى فلسفية عميقة.
***
أحمد الكافي يوسفي - باحث في الفلسفة بين الحداثة والحداثة المغايرة







