عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

حاتم حميد محسن: المشاكل الفلسفية في القوانين المرتكزة على أساس ديني

ماهي المشاكل الفلسفية المتصلة بتشريع قوانين مرتكزة على الدين؟ في الإسلام هناك تاريخ قانوني طويل ومعقد، وهذا قاد الى نقاشات هامة في العالم الإسلامي حول الأساس الذي ترتكز عليه القوانين والى أي مدى يمكن تغيير تلك القوانين. الإسلام السني انقسم الى اربع مدارس قانونية رئيسية، وهناك أيضا مدارس مختلفة في الفكر الشيعي. نجد هناك ايضا مختلف الاتجاهات للطقوس والعقوبات، وبالأخص، في كيفية الحكم في الدعاوي. بعض المدارس تقبل القياس والسوابق، مدارس أخرى لا تقبل بذلك، او على الأقل حذرة من الابتعاد عن رسالة القانون. بالنهاية، نجد في العالم الإسلامي، ان مصدر القانون هو كلمة الله كما جاءت في القرآن، وأيضا في الأقوال التقليدية للنبي وأصحابه التي سميت الحديث. مع ذلك تمييز هذه المصادر لا يخلو من الغموض. المقدس ذاته يُفسر بعدة طرق مختلفة، وان (الصيغ المتعددة) لأقوال النبي وأصحابه هي عرضة للنقاش من حيث أصالتها ونطاقها وتفسيراتها. ان أصل هذه النصوص بعيد زمنيا عن وقتنا الحالي، وكذلك ملاءمتها للعصر الحديث أيضا محل نقاش.

ان سؤال إصلاح القوانين بالطبع هو سؤال ينطبق على جميع التقاليد القانونية. عموما، القوانين تتغير مع تغير الزمن، لكن هناك قضية خاصة بالنسبة للقانون الديني، لأنه، عندما يؤسس الله القواعد، فهي لا يُفترض ان تكون مرشدا مؤقتا لكيفية العيش، وانما الله هو الخالق لنا وأيضا يعرف ما هي مصلحتنا، وعندما يؤسس قواعد للسلوك فهي تمثل قواعد لكل الازمان ولكل الأماكن. وطالما انها تأتي من الله فهي تكون قواعد مثالية، ولهذا من الصعب تغييرها عندما تبدو غير ملائمة او لا تنسجم مع العصر الحديث. لذلك فان فلاسفة القانون في العالم الإسلامي يرون بان لا شيء يمكن تغييره وان القواعد التي تأسست في البداية يجب الحفاظ عليها بصرف النظر عن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي طرأت منذ ذلك الحين. هم يبنون هذا الموقف على النقاش المبكر في العالم الإسلامي الذي بدأ في القرن الثامن الميلادي حول الموضوعية والذاتية في القانون والأخلاق. هل القانون صحيح لأن الله أسسه صحيحا، ام ان الله أسسه صحيحا لأنه صحيح بذاته وبشكل مستقل؟ (في الغرب يسمى هذا مأزق يوثيفرو، طبقا لما جاء في الحوار الافلاطوني).

الرؤية الموضوعية تقوم على ان الله يحتاج معرفة ماذا ينبغي ان يكون عليه القانون – كما لو ان قواعد الاخلاق مستقلة موضوعيا عن الله وهو مطلوب منه اتّباعها أخلاقيا. اما، الذاتيون جادلوا بان ما هو أخلاقي هو كل ما تأسس من جانب الله، ولا وجود لطريقة مستقلة لمعرفة ذلك. لا وجود لمصدر آخر لسلطة أخلاقية او قانونية. لذلك، يجب على المرء ان يطيع ما حدده الله كقانون بدون مسائلته او تغييره. هذا كان نقاشا ساخنا في الإسلام المبكر واستمر بتأثيره الهام على الفقه وفلسفة القانون في الثقافة الإسلامية. في الماضي مال الذاتيون (الاشاعرة) للفوز ضد الموضوعيون (المعتزلة)، لكن اليوم انقلبت الصورة في العديد من السلطات القضائية.

النية في القانون

هناك نقاش حي حول المدى الذي يمكن فيه تغيير القانون الإسلامي والمبدأ الذي يرتكز عليه. هذا ليس بالضرورة نقاشا قانونيا، وانما هو مسألة فلسفية، تتعلق بماهية المبادئ الأساسية للقانون ومكان وجود سلطة التشريع. الفلاسفة الذين ناقشوا رؤية القانون الإسلامي من خلال نواياه (مقاصد الشريعة) يدخل ضمنهم الشاطبي وشاه ولي الله في الماضي، وفي العصور الحديثة فضل الرحمن و ياسر عودة و طارق رمضان و اديس دوديريا. هناك أيضا وحدة بحوث لمقاصد الشريعة في العربية السعودية تسمى مركز المقاصد. من الواضح ان هذا ليس نقاشا حديثا وانما برز منذ القرون المبكرة للاسلام، وكان قد استُكشف بالتفصيل اول مرة من جانب الشاطبي (القرن الرابع عشر). هذه القضية أصبحت محل نقاش متزايد في الأوقات الحديثة، وطالما ان هناك عدد من الحكومات الحديثة تسمي نفسها إسلامية فهي تتساءل كيف يجب ان ينعكس الإسلام في تشريعاتها. هناك حكومات أخرى تسمي نفسها إسلامية في دساتيرها لكن عليها ان توازن الفقه العلماني مع عناصر دينية. هناك محاولات حديثة لتغيير القوانين القديمة المرتكزة على الدين، وتحتاج لتبرير عملها في كيفية التغيير. عندما تكون القوانين علمانية لا توجد هناك مشكلة في تغيير القانون عندما يتضح انه اصبح قديما او غير متوافق مع الرأي العام. لكن القانون الديني لا يتقادم مع الزمن ولا يحتاج تحديث، ولهذا هناك مشكلة في تغييره، لذا يحتاج المرء الى مبدأ مرتكز على الدين ذاته لإجراء التغييرات في القوانين المرتكزة على الدين. هذا يستلزم محاولة معرفة ما هو هدف القانون في المقام الأول والسؤال حول ما اذا كان تغيير تفسير القانون أفضل طريقة لإدراك ذلك الهدف في الظروف المعاصرة.

هذا قد يبدو صعبا للغاية، بسبب صعوبة فهم هدف الله؟ ومن جهة أخرى، القرآن يشير لسبب القوانين بعبارات عامة: ان القوانين هي لرفاهيتنا وسعادتنا. لهذا اذا لم يعد القانون الموجود يساهم في رفاهية الانسان وسعادته، عندئذ يمكننا استبداله بشيء آخر يحقق ذلك، وسيكون من الأفضل لنا حينها ان نلتزم بنوايا القانون.

اول شيء نحتاج قوله هو الحاجة الى سبب عندما نفكر بالغرض من القانون وطبيعة التشريع، طالما نحن لا يجب ان نعمل شيئا فقط بسبب انه تم العمل به في الماضي، او بسبب ما طُلب الينا عمله وهناك عدة آيات في القران تشجع على التفكير والجدال، وأيضا آيات أخرى تشجع العدالة وترفض الاضطهاد والاستغلال. وهكذا نحن يجب ان نفكر عقلانيا حول القواعد التي تعزز العدالة والسلام وتكافح القوانين التي تعمل العكس. القواعد الجديدة ربما تسير ضد ما موجود سلفا كجزء من التشريع، لكن لا سبب هناك للوثوق بالقوانين السارية فقط لأنها متأسسة جيدا وتقليدية. القرآن ذاته يتحدى دائما التقاليد في زمن النبي ويسعى لإستبدالها بطرق أفضل للتفكير والفعل.

لكن هذه قضية معقدة خصيصا لأن الإسلام تبنّى العرف وعادات الجماعة ان لم يكن هناك رفضا لها. أيضا في هذه الأيام، المسلمون عادة يعيشون كأقليات في دول لها طرق مختلفة في عمل الأشياء، وهم طُلب اليهم من بعض القادة لتبنّي تلك العادات اذا لم تنتهك الإسلام. هم يجب ان يسعوا للاندماج في المجتمع المدني ليصبحوا مواطنين . انهم يبقون متميزين لدرجة ما كمسلمين، لكنهم يجب ان يسعوا للارتباط بالمجتمع المدني وتبنّي قوانين وعادات ذلك المجتمع. في الحقيقة، يُعتقد ان القانون الديني قاس وغير مرن، لكن ربما العكس هو الصحيح، حقيقة انه استمر طوال هذه الفترة يجب ان يعني انه قادر على التغيير مع الزمن. والاّ سوف لن يكون موجودا اليوم.

مشكلة أخرى رئيسية في بناء التشريع على القانون الإسلامي هي انه اما عام جدا لدرجة انه لا يشير لأي اتجاه معين، او انه يرتبط بتفسير خاص للنصوص من قبل بعض الجماعات المؤثرة. لنأخذ تحريم الفائدة على القروض مثالا والذي هو واضح جدا في القرآن. ربما يراه بعض المعاصرين انه تحريم للمصالح الاستغلالية وليس للفائدة ككل، طالما ان النظام الاقتصادي العالمي الحديث يرتكز على سندات ذات فائدة، وانه لمصلحة الجميع العيش في اقتصاد حديث. هناك أيضا طرق قانونية لتجنب تحريم الفائدة مثل استبدال الفائدة بتقاسم الأرباح (وهي الطريقة التي تعمل بها العديد من البنوك الإسلامية)، لكن نسبة المشاركة بالربح دائما تحمل تشابها ملحوظا مع أسعار فائدة السوق السائدة على القروض. هذه الطريقة حظيت بموافقة لجنة خبراء القانون الإسلامي التي ترى انها لا تنتهك قاعدة تحريم الفائدة. وبهذا نحن قيل لنا ان النية من حظر الفائدة تتحقق باستخدام أداة مالية للالتفاف على الحظر، لكن هل هذا صحيح؟ أليست هذه طريقة لإعادة وصف الفائدة بحيث تبدو وكأنها ليست فائدة، مع انها في الواقع كذلك؟ لا مجال هنا لمناقشة نظام البنوك الإسلامية بالتفصيل، لكن هذا يعطي فكرة عن بعض المشاكل في فكرة النظر الى نوايا القانون كمرشد للإصلاح القانوني.

وهناك قضية أخرى أكثر خطورة وهي امكانية السؤال عن ما الذي كان يفكر به الله عندما وضع الشريعة؟ على سبيل المثال ما الذي دفعه لتحريم لحم الخنزير؟ الكثير من الناس يأكلون لحم الخنزير ولا يبدو انهم يعانون من نتائج سيئة، مع ذلك المسلمون مُنعوا من تناول هذا والعديد من الأشياء الأخرى أيضا. ربما بعض القواعد ليست هامة جدا بذاتها وانما في دورها في تمييز جماعة معينة عن غيرها. وكما يقال عادة حول القرآن، من غير اللائق ان نتوقع فهم لماذا يصر الله على أشياء معينة: هو يعرف، ولا يوجد هناك سبب للاعتقاد اننا يجب ان نعرف كل شيء .

ان اصلاح الإسلام سوف يستمر، نحن يمكننا معرفة الغاية من القانون الديني ونستخدم هذه المعرفة للنظر في إجراء تغييرات لكي ينسجم القانون الإسلامي مع العالم الحديث. الجدال هنا هو اننا يجب ان نمارس الحيطة قبل الذهاب في هذا الاتجاه. كوننا مخلوقات متناهية، ربما نكون مترددين للادّعاء اننا نعرف كيف يفكر الله.

***

حاتم حميد محسن

...........................

Islam&Philosophy: Islamic Law, Reform&Philosophy, Philosophy Now April/May2026