أقلام فكرية
حمزة مولخنيف: إبستمولوجيا الحدود.. متى يتوقف العقل عن الفهم ويبدأ في إنتاج التأويل؟
ما من فعل معرفي يخلو من حدود كما لا يعرف نهر جريانه دون ضفاف. لكن المفارقة التي شغلت الفكر الإنساني منذ تأمله الأول لذاته تكمن في أن الحدود نفسها تلك التي ترسم إمكانات الفهم وتقييداته، هي ذاتها التي تفتح الباب أمام أوسع أجنحة التأويل. فالعقل حين يصطدم بما لا يمكن إدراجه في شبكته المفاهيمية أو إخضاعه لآلياته السببية لا ينزوي عاجزا بل ينقلب شاعرا لا يتوقف عن السؤال بل يغير شكل السؤال. وهنا يبرز السؤال الإبستمولوجي الأكثر إلحاحا، أين يكمن الخط الفاصل بين لحظة الفهم التي يظن فيها العقل أنه يمسك بجوهر الأشياء ولحظة التأويل التي يدرك فيها أنه لم يعد يفهم بل يبتكر معاني تحل محل المعرفة الغائبة؟ هذا السؤال ليس مجرد استفسار منهجي حول نظرية المعرفة بل هو نبض الفلسفة ذاتها في صراعها الأبدي بين طموحها إلى اليقين واعترافها المزدوج بهشاشة كل يقين.
لقد حاولت الإبستمولوجيا الكلاسيكية وخاصة في صورتها الكانطية أن ترسم حدودا صارمة للعقل ميزت بين ما يمكن معرفته ضمن شروط الخبرة الممكنة وما يظل خارج تلك الشروط في مملكة الأفكار المتعالية التي لا سبيل إلى البرهان عليها. لكن هذه الحدود التي كانت تهدف إلى حماية العقل من أوهامه الميتافيزيقية، كشفت عن حقيقة أعمق، وهي أن العقل لا يعيش في عزلة صافية عن لغته وتاريخه وجسده. فالهرمنيوطيقا الحديثة من شلايرماخر إلى غادامير وريكور بينت لنا أن كل فهم يحمل في طياته أفقا تأويليا سابقا وأن الموضوعية الساذجة ليست سوى وهم جميل نختبئ وراءه حين نعجز عن مواجهة نسبيتنا التاريخية. وإذا كان الأمر كذلك فإن الحدود الإبستمولوجية لم تعد أسوارا نصل إليها ونتوقف بل أصبحت مرايا نرى فيها انعكاس أسئلتنا لا إجابات العالم.
هذا المقال يسعى إلى مقاربة هذه الإشكالية من زاوية لاهثة لا ليرسم فاصلاً جامدا بين الفهم والتأويل، وإنما ليحفر في تلك المنطقة الرمادية حيث يتوقف العقل عن الادعاء بفهم موضوعي ويبدأ بوعي أو بغير وعي في نسج نسيجه التأويلي الخاص. سنتتبع هذه اللحظة التحولية عبر عدد من المحطات الفلسفية الكبرى، من كانط إلى نيتشه مرورا بهوسرل إلى هايدغر ومن فوكو إلى دريدا محاولين أن نلتقط تلك النبضة الخفية التي تحول القارئ إلى مؤلف والمشاهد إلى رسام والعالم إلى شاعر. سنرى أن الفهم ليس نقيض التأويل بل هو تأويل متحجر وأن التأويل ليس فوضى اعتباطية بل هو فهم يتذكر حدوده. وسنحاول أن نطرح احتمالاً قد يكون مقلقا للعقل الغربي ربما يكون التأويل هو الحالة الطبيعية للعقل والفهم مجرد استراحة قصيرة بين تأويلين.
كل فعل معرفي هو عبور، وهذا العبور لا يكتمل إلا إذا اصطدم بحد. فالحدود ليست نقاط توقف بقدر ما هي شروط للإمكان مثلما أن ضفاف النهر هي التي تصنع جريان الماء لا ما يعيق عنه. والعقل الإنساني منذ أقدم محاولاته لفهم العالم لم يجد نفسه قط في حالة نقاء تام أو انكشاف كامل بل كان دائما معلقا بين إضاءات المعرفة وظلالها وبين ما يمكن قوله وما يجب التكتم عليه بصمت تأملي. لكن السؤال الحقيقي ليس عن حدود المعرفة فحسب وإنما عن تلك اللحظة العصية على التحديد الدقيق التي يتحول فيها السعي نحو الفهم إلى إنتاج غزير للتأويل. متى يكف العقل عن كونه قارئا للنص العالمي ويصبح مؤلفا له؟ متى ينقلب الأفق إلى مرآة؟
التمييز الكانطي بين الظاهرة والشيء في ذاته قد يكون أكثر من مجرد تقسيم إبستمولوجي، إنه رسم لأول خريطة جادة للحدود التي يعجز العقل عن تجاوزها دون أن يقع في أوهام الميتافيزيقا. كانط في نقده للعقل الخالص لم يقل لنا إننا لا نستطيع معرفة العالم، وإنما قال إننا لا نستطيع معرفته إلا كما يظهر لنا عبر قوالبنا القبلية للزمان والمكان وفئات الفهم. هذا التحول الكوبرنيكي جعل من العقل لا مجرد متلق سلبي للمعطيات الحسية بل مشاركا نشطا في بناء الموضوع. لكن اللافت أن كانط نفسه توقف عند لحظة حرجة، العقل حين يحاول التفكير في الكليات المطلقة مثل النفس والعالم والله يخرج عن حدود خبرته الممكنة ويبدأ في إنتاج جدالات لامتناهية وتناقضات بنيوية لا يمكن حلها معرفيا لأنها ليست أخطاء في التفكير وإنما نتائج حتمية لتجاوز العقل لحدوده. هناك في تلك البقعة الجرداء من التفكير الخالص يتوقف الفهم الذي يشتغل بمقادير محددة وعلاقات مادية ويبدأ التأويل الذي يولد عوالم بأكملها من أسئلة لا يمكن الإجابة عنها يقينا.
لكن التأويل هنا ليس خطيئة أو وهنا في الجهاز المعرفي، وإنما هو بالضبط ما يجعل الإنسان إنسانا. لأن الحيوان يعرف حدود عالمه دون أن يعرف أنها حدود، بينما الإنسان هو الكائن الوحيد الذي يمكنه أن يتأمل حدوده كحدود أي أن يقف على حافة نفسه ويتساءل عن ما وراءها. لذلك لم يكن التأويل ترفا بل قسرا بنيويا، عندما يصطدم العقل بما لا يمكن فهمه وفق آليات الفهم المعهودة (التعريف، القياس، السببية، التصنيف)، فإنه لا يتوقف كما تتوقف الآلة بل ينخرط في فعل إنتاجي من نوع خاص. هذا الفعل الإنتاجي هو التأويل بوصفه فن تعويض العجز المعرفي بالقدرة السردية.
ونصل هنا إلى المفارقة المركزية، كل فهم هو بالأصل تأويل، لكن ليس كل تأويل فهما. هذه الجملة التي قد تبدو تلاعبا لفظيا تكشف عن بنية أعمق في العلاقة بين العقل وعالمه. هانز جورج غادامير في كتابه "الحقيقة والمنهج"، أوضح كيف أن كل فعل فهم يتضمن أفقا مسبقا، أي مقدمات غير منقحة نابعة من تاريخية المفسر ولغته وانتماءاته. الفهم عند غادامير ليس تكرارا لنية المؤلف ولا انطباعا سلبيا للنص على المتلقي وإنما هو اندماج آفاق بين ذات فاهمة وموضوع مفهوم. هذا الاندماج يحتوي دائما على عنصر تأويلي لأن الحقيقة لا تُعطى كشيء جاهز بل تُنتج عبر التفسير في حلقة هرمنيوطيقية لا نهائية. لكن غادامير حافظ على فكرة أن التأويل يمكن أن يكون فهماً صحيحاً بمعنى أنه ليس اعتباطيا بل مقيدا بتقاليد المعنى التي تسبق أي تأويل فردي.
لكن الحد الفاصل بين الفهم والتأويل يبدأ في الاهتزاز حين نصل إلى حدود النظرية الفهمية ذاتها. ميشيل فوكو في "الكلمات والأشياء"، أظهر كيف أن العصور المعرفية المختلفة (الإبستمات) تنتج حقائقها وأنساقها الداخلية وفق قواعد تشبه النحو العميق لا يدركه عادةً من يعيش داخلها. حين كان عصر النهضة يعتقد أنه يفهم العالم من خلال التشابهات والمحاكاة، كان في الواقع ينتج تأويلاً عميقًا لما يعتبره حقيقة مكشوفة. وحين جاءت الحداثة الكلاسيكية بنظام التمثيل والطبائع البسيطة كان التأويل قد تغير جذريا لكنه ظل متخفيا تحت عباءة الفهم الموضوعي. فوكو يدفعنا إلى سؤال جذري هل عرف العقل البشري يوما من الأيام حالة فهم خالصة خارج كل تأويل؟ الجواب ربما يكون بالنفي لكن هذا النفي نفسه يفرض علينا إعادة تعريف الفهم لا كحالة نصل إليها بل كحد ننحوه.
وربما يمكننا استعارة مفهوم "الدوزا" من علم الصيدلة، حيث الحدود بين العلاج والسم ليست خطا جامدا بل منطقة عتبة. كذلك الأمر بين الفهم والتأويل، هناك منطقة رمادية حيث يتوقف العقل عن استقبال المعنى بوصفه معطى ويبدأ في بنائه بوصفه مغامرة. هذه المنطقة هي بالضبط ما يسميه جاك دريدا بـ"اللعب اللامحدود للدال" في مقابل "المعنى المتعالي" الذي تهرب منه الكتابة الغربية دائما. دريدا عبر نقده لمركزية المنطق الصوتي وهيمنة الحضور، أرانا كيف أن كل نص يحمل في طياته شروط إمكان نقضه وكيف أن كل تأويل يتضمن بقايا من المعنى لا يمكن اختزالها إلى فهم واحد نهائي. لكن هذا لا يعني الفوضى التأويلية بل الانضباط العالي في التعامل مع غياب معنى نهائي ونهائي.
لكن السؤال يظل ملحا، متى نقول إن العقل قد توقف عن الفهم وبدأ في إنتاج التأويل؟ اللحظة الفارقة ليست لحظة اليأس المعرفي أو الانهيار الإبستمولوجي بل اللحظة التي يصبح فيها السؤال أكثر كثافة من الإجابة وتصبح فيها طاقة السؤال وقودا للتفكير بدلا من أن تكون مجرد عتبة مؤقتة نحو جواب. هايدغر في "الكينونة والزمان"، ميز بين الفهم بوصفه نمطا وجوديا أصليا للدازاين (الكائن البشري) وبين التأويل بوصفه تطويرا لهذا الفهم. لكنه أيضا أشار إلى أن الفهم الحقيقي يتضمن بالضرورة شعورا بالقلق إزاء الكينونة نفسها وذلك القلق هو الذي يدفع إلى وضع الأسئلة الجوهرية وليس إلى القناعات المطمئنة. بمعنى آخر يتوقف العقل عن الفهم بمعناه السطحي (استيعاب المعلومات وتصنيفها وربطها سببيا) ويبدأ في إنتاج التأويل حين يدرك أن الحقيقة ليست شيئا يمتلكه بل شيء يُسأل عنه إلى ما لا نهاية.
إن العقل البشري ليس جهاز حاسوب يعالج معلومات واردة بقوانين ثابتة بل هو كائن حي يتغذى على الأسئلة ويضعف حين تخبو. وأسوأ ما يمكن أن يحدث للمعرفة هو وهم امتلاك الإجابات النهائية، ذلك الوهم الذي يوقف التساؤل ويحول التأويل إلى عقيدة جامدة. ولهذا نجد أن أعظم عصور الفهم البشري كانت أيضا أعظمها إنتاجا للتأويل، عصر النهضة عندما أصر على تأويل النصوص الكلاسيكية بدلا من مجرد حفظها؛ عصر الأنوار عندما تأول البشر كيانهم السياسي والاجتماعي عبر عقود اجتماعية وهمية لكنها أنتجت ثورات عظيمة؛ العصر الحديث عندما اكتشف فرويد أن تأويل الأحلام قد يكون أكثر دلالة على الحقيقة النفسية من كثير من الوقائع الملموسة.
إن التأويل إذا جاز التعبير هو العقل حين يصير شاعر نفسه. ليس لأن الشعر أقل دقة بل لأن الشعر هو الكيفية الوحيدة التي يمكن بها للغة أن تقول ما لا يمكن قوله في لغة العلم المباشرة. كان الفيلسوف بول ريكور قد أدرك هذه النقطة بعمق حين ربط الهرمنيوطيقا بعلم الظواهر مقترحا أن التأويل ليس هروبا من الحقيقة بل مسارا نحوها حين تكون الحقيقة في طور الانكشاف لا في طور الحضور المكتمل. ريكور تحدث عن "الصراع من أجل التأويلات" وعن كيفية الحسم بين تأويلات متنافسة بناءً على قوتها التفسيرية وقدرتها على إدماج أكبر قدر من المعطيات، لكنه لم يدّع قط أننا نصل إلى تأويل نهائي وشامل. الفهم عند ريكور هو تأويل ناجح، والتأويل الفاشل هو الذي يدعي أنه ليس تأويلا.
ربما يكون الفلاسفة الصينيون القدماء، وخصوصا تقليد الطاوية مع تشوانغ تزو، قد عبروا عن هذه المعضلة بأبسط وأعمق صورة. حكاية الفراشة الشهيرة، حلم تشوانغ تزو أنه فراشة وعندما استيقظ لم يعد يعرف إن كان تشوانغ تزو حلم أنه فراشة أم أن فراشة تحلم الآن هي تشوانغ تزو. هذه الحكاية لا تتحدث عن الشك الديكارتي الذي يبني اليقين على الشك وإنَّما عن حالة من التماهي بين الذات والعالم يتوقف عندها الفهم المزدوج (أنا هذا أو ذاك) ويبدأ تأويل لا نهائي حيث الحدود بين الكائنات لم تعد جوهرية بل علائقية. الحدود عند تشوانغ تزو ليست نقاط توقف بل مفاصل انتقال ومهارة الحكيم ليست في تحديدها بدقة بل في الحركة داخلها دون أن يلتصق بها.
إذا عدنا إلى سؤالنا الجوهري متى يتوقف العقل عن الفهم ويبدأ في إنتاج التأويل؟ الجواب ليس في ساعة معلومة على ساعة المعرفة بل في بنية السؤال نفسه. العقل الذي يطرح هذا السؤال قد تجاوز بالفعل حدود الفهم التقليدي ودخل منطقة التأويل. لأنه لا يمكن فهم متى يتوقف الفهم من داخل الفهم نفسه تماما كما لا يمكنك رؤية ظهر عينيك دون مرآة. المرآة هنا هي التأويل ذاته لا نعرف أننا توقفنا عن الفهم إلا حين نبدأ في إنتاج تأويل عن هذه التوقف وهو تأويل قد يكون هو الفهم الحقيقي الوحيد المتاح لنا ككائنات تاريخية لغوية محدودة بوقتها وجسدها ولغتها ولكنها غير محدودة في قدرتها على السؤال والحيرة والتأمل.
ويمكن النظر إلى مسألة الحدود بين الفهم والتأويل من خلال عدسة فلسفة العقل المعاصرة. دانييل دينيت وغيره من فلاسفة العقل الطبيعاني حاولوا تفسير الظواهر العقلية بما فيها التفسير والتأويل من خلال نموذج تطوري تكيفي. وفق هذا المنظور، العقل البشري نتاج آليات تكيفية معقدة تطورت لحل مشكلات البقاء والتكاثر في بيئة طبيعية واجتماعية. ولكن المثير أن نفس هذه الآليات التي كانت تكفي لإنتاج فهم عملي للعالم (كمعرفة مكان الماء وأين تختبئ الحيوانات المفترسة) هي التي أصبحت تطمح بعد تطور حجم القشرة الدماغية إلى تفسير ظواهر لا حاجة عملية ملحة لفهمها، كالموت، الكينونة، اللانهائي، الوعي نفسه. هناك حيث تتوقف فائدة الفهم الأداتي للبقاء ويبدأ التأويل شاعرا وجدانيا وتأمليا.
ليس هذا نقصا في العقل وإنما دليل على قوته الزائدة عن حاجتها التكيفية المباشرة. العقل البشري هو العضو الوحيد في الكائن الحي الذي يتجاوز وظيفته البيولوجية. العين لا تحاول رؤية ما وراء الطيف الكهرومغناطيسي لكن العقل يحاول فهم ما لا يمكن فهمه وهذا المحاولة نفسها ليست فشلا بل بطولة معرفية. والفارق بين العبقري والمجنون قد يكون في الضبط الدقيق لهذه العلاقة، العبقري يعرف متى يقف عند حد الفهم ويبدأ بإنتاج تأويل معترف بجماليته وعمقه، والمجنون لا يعترف بحدود أصلاً فيخلط بين الفهم والتأويل دون أن يميز.
إن العقل الإنساني كسفينة بلا مرساة في محيط لانهائي لا بد لها أن تخلق جزرها الوهمية كي تستريح قليلاً قبل أن تخرج في رحلة جديدة. الفهم هو تلك الجزر التي نعيش عليها والتأويل هو البحر نفسه. يمكننا أن نعيش على الجزيرة ونظن أنها كل العالم لكننا سنفتقد رهبة العمق ونداء المسافة. كما يمكننا أن نسبح بلا كلل دون أن ننزل أبدا إلى أي يابسة لكننا سنغرق حتما. الحكمة الإنسانية ليست في اختيار أحدهما على الآخر بل في معرفة متى تلامس القدم أرض الفهم ومتى تغامر الأشرعة في بحر التأويل. وهذه المعرفة لا تأتي من كتب ولا من صيغ جاهزة بل من حدس مكتسب عبر القرون من تجربة البشر مع حدودهم.
وما نسميه "التأويل" ليس عجزا معرفيا ولا تراخيا منهجيا بل هو اسم آخر لفعل العقل حين يواجه ما يتعذر عليه فهمه فيقرر عدم التخلي عن السؤال وإنما تغيير طبيعة السؤال نفسه من سؤال عن الماهية إلى سؤال عن المعنى، من سؤال ينتظر جوابا إلى سؤال ينتظر تأويلاً آخر. وتمتد سلسلة التأويلات إلى ما لا نهاية لا لأن العقل فاشل وإنما لأن اللامتناهي لا يمكن إحاطته بفهم محدود لكن يمكن السير فيه بقدرة إنسانية خالصة على الحلم والتساؤل وابتكار العوالم. عند الحدود القصوى لكل إبستمولوجيا لا نجد جدارا من الطوب والخرسانة بل نجد سؤالاً حيا ينظر إلى نفسه في مرآة اللغة.
ذلك السؤال الحي الذي ينظر إلى نفسه في مرآة اللغة ليس مجرد دهشة عابرة وإنما هو البنية العميقة لكل علاقة معرفية ممكنة. فاللغة تلك الوسيط الذي نظن أنه أداة للفهم هي في الحقيقة أول حدود العقل وأكثرها خداعا. لأننا حين نعتقد أننا نفهم شيئا ما فإن ما نفهمه حقا هو طريقة كلامنا عنه لا جوهره الغائر. لودفيغ فيتغنشتاين في مراحل فلسفته المتأخرة وتحديدا في "تحقيقات فلسفية"، قلب الطاولة على كل تصور ساذج للفهم اللغة ليست صورة للعالم كما كان يعتقد في "الرسالة المنطقية الفلسفية"، بل هي مجموعة من الألعاب اللغوية المختلفة التي لا تشترك في جوهر واحد بل في تشابهات عائلية متداخلة. الفهم عند فيتغنشتاين المتأخر ليس حالة ذهنية داخلية بقدر ما هو القدرة على الاستمرار في لعب اللعبة بشكل صحيح. وإذا كان الأمر كذلك فإن حدود الفهم ليست حدود ما يمكن تصوره بل حدود ما يمكن قوله ضمن لعبة لغوية معينة. حين ينتهي معنى الكلمة من استخدامها في سياق محدد، يبدأ التأويل الذي يحاول أن يستعير الكلمة من لعبة إلى أخرى، كمن يحاول أن يلعب الشطرنج بقواعد كرة القدم. هذا الاقتراض ليس مستحيلاً بل هو مصدر الشعر والمجاز والاستعارة، ولكنه أيضا مصدر كل سوء الفهم العميق والخلافات العقيمة.
ويمكننا أن ندرك لماذا تبدأ التأويلات الكبرى في الظهور بالضبط عند النقاط التي يفشل فيها التواصل العادي. حيث تتوقف القدرة على الاتفاق حول معنى مشترك لا يختفي السؤال بل يتضخم. وتصبح النصوص المقدسة والظواهر الغامضة والتجارب الحدية مثل الموت والحب والوعي حقولاً خصبة للتأويل لأنها تقع بالضبط على الحافة حيث تنكسر ألعابنا اللغوية المعتادة. نقرأ نصا دينيا قديما فنجد أن معانيه المباشرة (الفهم الحرفي) إما مستحيلة التطبيق في زماننا أو متناقضة مع قيمنا الحالية. هنا يتوقف العقل عن القبول البسيط ويبدأ عملية تأويلية معقدة، يبحث عن معانٍ باطنة ورموز وإشارات ومقاصد خفية. هذه العملية ليست انحرافا عن النص بل هي بالضبط ما يبقي النص حيا. لأن النص الذي يفهم تماما دون حاجة لتأويل هو نص ميت لم يعد يتكلم بل يُستشهد به كوثيقة في متحف.
سار هذا المنحى نحو أقصى تجلياته عند إيمانويل ليفيناس الذي جعل من "وجه الآخر" تلك الحدود الأخلاقية التي يتوقف عندها أي فهم موضوعي ويبدأ تأويل مسؤول. ليفيناس رأى أن محاولة فهم الآخر هي في جوهرها عنف معرفي لأن الفهم يصنف الآخر ويضعه في قوالب جاهزة ومن ثم يلغى غرابته واختلافه الجوهري. الآخر بصفته آخرا لا يمكن فهمه بل يمكن فقط الاستجابة له والتأويل في اتجاهه من دون امتلاكه. هذه نقطة فائقة الحساسية، العقل الغربي منذ أرسطو اعتاد على أن الفهم هو احتواء المختلف تحت مفاهيم كلية. لكن ليفيناس يقلب المعادلة، العقل الأخلاقي الحقيقي يبدأ حيث يتوقف الفهم الموجي، حيث نتوقف عن محاولة جعل الآخر مثلنا أو فهمه من داخل أطرنا ونبدأ في الاستماع إليه دون فهم مسبق. وهذه الاستماعية نفسها هي تأويل أخلاقي خالص، تأويل لا يهدف إلى اكتشاف معنى مخفي بل إلى بناء علاقة مسؤولة مع ما لا يمكن اختزاله إلى ذاتنا.
إذا أمعنا النظر في تاريخ الأفكار سنجد أن أعظم التحولات الإبستمولوجية حدثت عندما توقف العقل عن اعتبار حدود الفهم عيبا واعتبر أنها رصيدا. لنتأمل هنا ثورة كوبرنيكوس، لم يفهم حركة الكواكب أفضل من بطليموس بل توقف عن محاولة فهمها بوصفها حركات حقيقية كما تبدو للعين وبدأ في تأويلها من موقع مختلف. التأويل الكوبرنيكي لم يقل لنا أين الشمس والكواكب "حقا"، بل بنى نموذجا جديدا تمكن بواسطته من تقديم تفسيرات أبسط وأكثر اتساقا داخليا. هل كان كوبرنيكوس يفهم الكون أكثر من سابقيه؟ أم أنه كان يؤوله بشكل أكثر فعالية؟ السؤال نفسه يظهر مدى اصطناعية الحدود التي نحاول رسمها.
وبالتوازي مع ذلك يقف التحول الدارويني كأحد أكثر الأمثلة إدهاشا على هذه الحدود المتداخلة. قبل داروين كان العقل يحاول فهم تنوع الكائنات الحية من خلال أنماط ثابتة وأشكال مثالية أفلاطونية أو غائية مسيحية. وكان الفهم هنا يعني التعرف على دور كل كائن في سلم الوجود أي أن الفهم كان في الحقيقة تأويلاً لاهوتيا متخفيا. داروين توقف عن هذا النوع من الفهم وبدأ تأويلاً جديدا، كل الكائنات نتاج عمليات تطورية عمياء ليس لها هدف أو غاية سوى التكيف مع بيئة متغيرة.
إن داروين لم يفهم الحياة بشكل أفضل لأنه أزال المعنى المقصود منها. ومن جهة أخرى أمكننا أن نقول إنه فهمها بشكل أعمق لأنه حررها من أساطير الغائية. وهذا تماما لب إشكاليتنا، كل تأويل يقدم نفسه كفهم أعمق وكل فهم يتبين عند التحليل أنه تأويل لإرث سابق.
ولعل الموقف الأكثر جرأة في هذا الصدد هو موقف نيتشه، ذلك الفيلسوف الذي جعل من الإرادة للقوة أصل كل معرفة وتأويل. نيتشه لم يتردد في القول بأن ما نسميه حقيقة هو مجرد "جيش متحرك من الاستعارات والمجازات والكنايات". أي أنه لا يوجد فعل فهم بريء بل هناك دوما منظور وتأويل يخدم قوى حيوية معينة. العلم نفسه عند نيتشه هو تأويل منهجي يسعى للسيطرة على الطبيعة عبر تبسيطها واختزالها إلى قوانين قابلة للحساب. لكن نيتشه لم يقع في فخ النسبوية المطلقة بل ميز بين التأويلات القوية والتأويلات الضعيفة، فالقوية هي التي تعترف بحدودها وتستمر في النمو والتجاوز، والضعيفة هي التي تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة وتتحول إلى عقيدة جامدة. في سياقنا هذا يتوقف العقل عن الفهم (بالمعنى الساذج) ويبدأ في إنتاج التأويل الصحي حين يعترف بمنظوريته الذاتية دون أن ييأس من إمكانية الحقيقة تماما كما يدرك البحار أنه لن يصل إلى قاع المحيط لكنه لا يتوقف عن الإبحار.
كل هذا يقودنا إلى إعادة النظر في مفهوم "الحد" نفسه. فالحد ليس خطا نرسمه على الخريطة مرة واحدة وإلى الأبد بل هو عملية مستمرة من التخطيط والمحو وإعادة التخطيط. العقل لا يصل إلى حد ثم يتوقف وإنما هو يخلق حدوده كلما تحرك مثل دائرة الضوء التي تلقيها مصباح في ليلة مظلمة، والضوء نفسه ينتج الظلمة التي تنتهي عندها رؤيته. بهذا المعنى ليس هناك "خارج" مطلق للعقل لأن العقل هو الذي يعرف ويؤول وكل ما نقوله عن "خارج" المعرفة هو بالفعل جزء من المعرفة (أو التأويل). هذا هو درس هيغل الأعظم، اللامتناهي الحقيقي ليس ما هو خارج المتناهي بل هو المتناهي في عملية تجاوز نفسه باستمرار. العقل لا يلتقي بالحد كحائط يصطدم به وإنما كحافز لإعادة تعريف ذاته.
وإذا كان علينا أن نحدد لحظة الانتقال من الفهم إلى التأويل فلن نجدها في أي ساعة كونية بل في كل مرة يدرك فيها العقل أن ما يعتبره حقيقة ثابتة ليس سوى تأويل نجح في إخفاء طابعه التأويلي لفترة من الزمن. هذه اللحظة مؤلمة بقدر ما هي محررة، إنها لحظة تفكيك الأوهام التي نصمم بها عقولنا. الفهم المريح يشبه النوم والتأويل اليقظ يشبه الحلم الواعي. وكما أن النائم لا يعرف أنه نائم إلا إذا حلم أنه يستيقظ فإن العقل لا يعرف أنه كان يؤول إلا لحظة يقظة معرفية تأتيه من خارج نظامه. تلك اليقظة نادرة ومؤقتة لكنها ضرورية كي لا يتحول الفهم إلى جمود والتأويل إلى عبث.
لقد حاولنا في هذه الأسطر المتواضعة أن نرسم طوبوغرافيا لهذه المنطقة المتعرجة التي لا تخضع لخرائط يقينية. وجدنا أن كانط كان أول من وضع لافتات تحذيرية عند مداخل الميتافيزيقا وأن غادامير أظهر لنا كيف أن كل فهم يتوسطه التاريخ واللغة، وأن فوكو كشف عن التعسفات التاريخية الكامنة وراء أنساق المعرفة الواضحة وأن دريدا واصل التفكيك حتى اهتزت أسس الحضور والمعنى الثابت وأن ليفيناس وضع التأويل الأخلاقي في مواجهة الفهم الموجي المسيطر. هذه الأصوات المختلفة لم تقل لنا كلمة أخيرة بل قالت لنا شيئا أكثر قيمة، إن السؤال نفسه أي سؤال إبستمولوجيا الحدود هو الجواب الحقيقي. لأن العقل الذي يسأل متى يتوقف عن الفهم ويبدأ في إنتاج التأويل هو عقل حي يمارس بالضبط تلك الحركة الدقيقة بين الإقامة والترحال وبين البيت الهادئ والطريق المفتوح.
وليس أمامنا إلا أن نعترف بأن كل فهم هو تأويل ناجح في نسيان نفسه وكل تأويل هو فهم فاشل في إثبات نفسه. والفارق بينهما ليس فارقا في الجوهر بل في النية والأسلوب والتواضع. العقل الحكيم هو الذي يعرف متى يكتفي بالحدوس العملية دون أن يدعي أنها حقائق مطلقة ومتى ينطلق في رحلات التأويل دون أن يفقد البوصلة تماما. فليس العار في أن نؤول، فالعار في أن نؤول دون أن نعلم أننا نؤول. وما دامت الشمس تشرق كل يوم على بشر لم يفهموا قط لماذا تشرق لكنهم ألفوا قصصا جميلة عن شروقها، فإن هؤلاء البشر لن يكونوا أقل حكمة من أولئك الذين توقفوا عن سرد القصص واكتفوا بالصمت المخيف أمام اللامعلوم. لأن الصمت وإن كان أصدق موقف معرفي فهو أيضا أشدها قسوة على قلب إنسان خلقه السؤال ولم يخلقه الجواب.
وربما يكون العقل البشري في أعمق طياته ليس آلة لفهم ولا معملا لإنتاج التأويل وإنما هو ذلك الكائن الوحيد الذي اكتشف أنه لا يمكنه أن يعيش إلا على حافة نفسه متأرجحا بين يقين مؤقت وشك دائم وبين رغبة في المعرفة وخوف من أنها لن تكتمل أبدا. على هذه الحافة التي ليست خطا بل منطقة حياة بكاملها، يقف كل واحد منا كل صباح حين يفتح عينيه على عالم لم يختر وجوده فيه محاولا أن يفهم قليلاً كي لا يموت من الدهشة ومؤولاً كثيرا كي لا يموت من اليأس. وتدور الأيام وتتوالى التأويلات ويبقى السؤال وحده شاهدا على أن الإنسان وحده بين جميع الكائنات، هو المخلوق الذي فهم أنه لا يستطيع أن يفهم كل شيء، فتلك الهشيمية المضيئة، تلك الجراحة التي لا تلتئم هي بالضبط ما يجعله إنسانا.
***
د. حمزة مولخنيف







