عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

علي أسعد وطفة: الخلاص الإنْسانيّ المنْتظر في فلْسفة فالتر بنْيامين

"الخَلاصُ لا يَأْتي مِنَ المُسْتَقْبَلِ فَقَطْ، بَلْ مِنَ الِاسْتِجابَةِ لِنِداءِ الماضي"

" إِنَّ مَهَمَّةَ النَّقْدِ هِيَ تَفْجيرُ الِاسْتِمْرارِ الوَهْمِيِّ لِلتّاريخِ"

فالتر بنيامين

***

يخصص فالتر بنْيامين (Walter Benjamin 1892-1940) (1) في نظريته النقدية فسحة واسعة للبحث عن الخلاص الإنْسانيّ والمصالحة الربانية، ويتّسم فكْره بالطّابع الخلاصيّ الّذي يتمثّل في البحْث عنْ طريقةٍ للخلاص الوجوديّ الّذي يحرّر الإنْسانيّة منْ أزماتها الوجوديّة الّتي تتمثّل في مظاهر الحرْب والظّلْم والبؤْس والقمْع والقهْر والاغْتراب. وفي هذه الرّؤْية الخلاصيّة يرى في الفنّ طريقًا مهمًّا لخلاص الإنْسان.

وليس سرّاً أن بنْيامين استوحي فكرة الخلاص من التصورات المسّيانيّة الدينيّة اليهوديّة (Jewish Messianism)(2)، ومع ذلك لم يبق أسير هذه الرؤية الدينية إذ قدّر له أنْ يتجاوز هذه المسّيانيّة ليبْني نظريّةً عميقةً حوْل فكْرة الخلاص الإنْسانيّ. وتخْتلف رّؤْيته هذه للخلاص عنْ فكْرة الخلاص اليهوديّ الّتي تضع أملها في عودة المسيح المنْتظر (Messiah) لينشر الحقّ والخيْر والسّلام؛ وغنيٌّ عن البيان أنّ الخلاص اليهوديّ يدْعو إلى الصّبْر وتحمّل المعاناة بصمْتٍ وأناةٍ بانْتظار المخلّص الكوْنيّ الموعود؛ وهي بذلك تخْتلف عن اليوتوبْيا الثّوْريّة الخلاصية عند كارل ماركس وإرنست بلوخ (E. Bloch) وهربرت ماركوز، الّذين قاموا بعلْمنة فكْرة الخلاص المسيحي فاعتمدا الفكْرة الّتي تقول بأنّ البشريّة يمْكن أنْ تتحرّر عبْر قوّة الثّوْرة، وليْس بقوّة المسيح المنْتظر (3).

وممّا لا شكّ فيه أنّ فكْرة الخلاص متجذّرةٌ في الدّين، وخصوصًا في اليهوديّة والمسيحيّة. فالخلاص يقوم على تحرير العالم والمجْتمع والإنْسان من الخطيئة والضعف والنّقْص أو اللّااكْتمال. وهٰذا يعْني، منْ منْظورٍ دينيٍّ، أنّ البشر والأشْياء في الواقع «آثمون» أمام الله، وأنّ الخطيئة هي خرْقٌ للأمانة الإلٰهيّة ورفْضٌ آثمٌ لتعاليم الله المقدّسة (4).

ويمْكن تقْسيم الخلاص الدّينيّ إلى خلاصٍ دنْيويٍّ في هٰذا العالم، وخلاصٍ أخْرويٍّ في العالم الآخر. فكلٌّ من المسيحيّة والبوذيّة تعْتقدان أنه لا يمْكن للإنْسانيّة أنْ تنْتزع نفْسها من الخطيئة إلّا في ملكوت السّماء. أمّا اليهوديّة، فترى أنّ البشريّة يجب أنْ تجد خلاصها في هٰذا العالم، منْ خلال «مخلّصٍ» أوْ «مسيحٍ منْتظرٍ». ولذا فهي تعْتبر المعاناة عقابًا إلٰهيًّا للْمذْنبين وتكْفيرًا عنْ خطاياهمْ (5).

ومع عصْر التّنْوير (Enlightenment)، بدأ الإيمان الدّينيّ يتفكّك تدْريجيًّا، وقدْ تغيّر مفْهوم البشر عن الخطيئة ومآلاتها تدْريجيًّا. فقدْ نظر المفكّرون إلى الخطيئة بوصْفها نوْعًا من النّقْص والتّناقض، ورسموها على صورة بنْيةٍ فكْريّةٍ واجْتماعيّةٍ لا عقْلانيّةٍ، بدلًا منْ كوْنها شرًّا أخْلاقيًّا. وهذه الفكْرة عن الخلاص تنْبع أكْثر من الحيْرة والتّأمّل في العالم الخارجيّ، وهو الأمْر الّذي دعا النّاس إلى فهْم العالم بصورةٍ مخْتلفةٍ تمامًا عن المنْظور الدّينيّ (6).

فالعالم، بعْد إزالة السّحْر عنْه (Disenchantment)، فقد معانيه الإنْسانيّة، ولمْ يبْق فيه سوى الوجود المجرّد، ومنْ ثمّ أصْبح بحاجةٍ إلى نظامٍ آخر يمْنحه المعْنى. وهٰذا الصّراع بيْن الطّلب على المعْنى وبيْن التّجْربة الحياتيّة الفعْليّة جعل المفكّرين يبْحثون عنْ مهْربٍ أوْ خلاصٍ. فالجذْر الاجْتماعيّ لفكْرة الخطيئة هذه يأْتي من الاضْطهاد الطّبقيّ الّذي يتمثّل في عمليّة السّيْطرة الّتي تمارسها الطّبقة السّائدة على الطّبقات المحْرومة. وهٰذا يعْني أنّ المحْرومين يحْتاجون إلى التّحرّر من المعاناة. وهمْ غالبًا يبْحثون عن الخلاص هذه المرّة، ليْس في صورةٍ دينيّةٍ مسيحيّةٍ، بلْ في طبيعة النّضال ضدّ القهْر الطّبقيّ، وفي خضمّ الصّراع بيْن الطّبقات المضْطهدة والطّبقات المضْطهدة، وقدْ أصْبح المبْدأ الثّوْريّ ضدّ الظّلْم والقهْر، إلى حدٍّ كبيرٍ، المصْدر الأساسيّ لفكْرة الخلاص (7).

في النّظريّة اليهوديّة للخلاص، يميل تاريخ العالم نحْو الدّمار، ويبْعث منْ جديدٍ عبْر الدّمار، ولٰكنْ لا أحد يدْري ما هي طبيعة هٰذا الانْبعاث منْ جديدٍ، إذْ هلْ سيكون مضيئًا أمْ مظْلمًا، فذٰلك أمْرٌ غيْر معْروفٍ. وهٰذا يعْني أنّ الخلاص يأْتي في لحْظةٍ معيّنةٍ منْ لحظات الانْقطاع التّاريخيّ، والشّيْء الوحيد الّذي ينْبغي فعْله هو اغْتنام فرْصة الخلاص هذه، ويتّضح هنا أنّ الرّؤْية اليهوديّة للخلاص تنْطوي على منْظورٍ مخْتلفٍ للتّاريخ التّقدّميّ.

يعْتقد بنْيامين أنّ البنى الفكْريّة والاجْتماعيّة والثّقافيّة للإنْسان جميعها تعاني منْ أزماتٍ خانقةٍ، وأنّ الجذْر الأساسيّ لهذه الأزْمة يكْمن في التّطوّر اللّاعقْلانيّ للْعقْلانيّة الإنْسانيّة نفْسها. ولذٰلك، نحْن بحاجةٍ إلى وضْع حدٍّ خلاصيٍّ للأزمات الّتي أوْجدتْها العقْلانيّة الأداتيّة. ويرى، في هٰذا السّياق، أنّ ما يجْعل الفعْل «مسّيانيًّا» مسيحيًّا خلاصيًّا لا يكون في تحْقيق العدالة بيْن الطّبقات وإلْغاء التّقْسيم الطّبقيّ للْمجْتمع، بلْ يكون في الانْفتاح على الذّاكرة الفنّيّة الحيّة للإنْسانيّة. غيْر أنّ هٰذا التّصوّر للخلاص الفنّيّ لا يعارض الماضي بالمسْتقْبل وفْق تصوّرٍ خطّيٍّ للزّمن، وذٰلك هو التّصوّر الّذي يرْفضه بنْيامين صراحةً، بوصْفه الأساس الكامن وراء نظريّة التّقدّم (8). وهنا يقيم بنْيامين تصوره عن الفعْل «المسّيانيّ» أو الخلاصيّ بطريقةٍ تخْتلف عن التّصوّرات المارْكْسيّة التّقْليديّة الّتي ترْبط الخلاص بالمسْتقْبل فقطْ، أيْ منْ خلال العمل على تحْقيق المجْتمع الشّيوعيّ في نهاية التّاريخ. وهٰذا يعْني أنّ الفعْل الخلاصيّ الحقيقيّ عند بنيامين لا يسْتمدّ معْناه منْ كوْنه خطْوةً نحْو «يوتوبْيا مسْتقْبليّةٍ»، بلْ منْ كوْنه فعْلًا يسْتجيب لنداءات الماضي وذكْراه. فالخلاص البنْيامينيّ ليْس انْتظارًا لمسْتقْبلٍ مثاليٍّ، بلْ هو إنْصافٌ للْمقْهورين والمنْسيّين وضحايا التّاريخ الّذين جرى قمْعهمْ وإسْكاتهمْ تحْت مطارق ضرْب السّيوف وطعْن الخناجر وومض البنادق. فالتّاريخ لا يكْتبه إلّا المنْتصرون الّذين يدْفنون معهم معاناة المهْزومين تحْت سرْديّة «التّقدّم». ولذٰلك يصْبح الوعْد المسّيانيّ بالخلاص فعْل تذكّرٍ واسْتعادةٍ لحقوق الضّحايا، ومحاولةً جادّةً لإنْقاذ ما تمّ طمْسه أوْ تشْويهه في الماضي. وعلى هذه الصّورة ينْفتح الفعْل «المسّيانيّ» (الوعْد بالخلاص) على «الذّاكرة التّاريخيّة». فالذّاكرة هنا ليْستْ مجرّد تذكّرٍ عاديٍّ للْمعْلومات والأحْداث، بلْ هي موْقفٌ نقْديٌّ وأخْلاقيٌّ من التّاريخ؛ إنّها اسْتحْضارٌ للْمعاناة المكْبوتة الّتي تجاهلتْها الحضارة الحديثة. ومن الواضح أنّ بنْيامين يرْفض العلاقة الخطّيّة بيْن الماضي والحاضر والمسْتقْبل، أيْ وفْق الفكْرة القائلة إنّ الإنْسانيّة تتقدّم باسْتمْرارٍ منْ مرْحلةٍ أدْنى إلى مرْحلةٍ أعْلى. فهو يرْفض هٰذا التّصوّر «الخطّيّ» للزّمن؛ لأنّ نظريّة التّقدّم، في رأْيه، تخْفي الكوارث والعنْف الّذي قامتْ عليْه الحضارة الحديثة. فكلّ انْتصارٍ حضاريٍّ يخْفي وراءه ركامًا من الضّحايا.

لذٰلك لا يكون الماضي عنْد بنيامين شيْئًا انْتهى، ولا المسْتقْبل مرْحلةً منْفصلةً عنْه، بلْ يتداخل الماضي بالحاضر في «لحْظةٍ خاطفةٍ» يمْكن فيها اسْتعادة إمْكانات التّحرّر المنْسيّة. ومنْ هنا تأْتي فكْرته الشّهيرة عنْ «التّاريخ ضدّ فكْرة التّقدّم»: فالْمهمّة ليْست السّيْر بثقةٍ نحْو المسْتقْبل، بلْ إيقاظ الوعْي بالمظالم الماضية وإنْقاذ ذكْراها. وبهٰذا المعْنى، تصْبح المسّيانيّة عنْد بنْيامين خلاصًا للذّاكرة لا وعْدًا بالتّقدّم، وإنْصافًا للضّحايا لا احْتفاءً بانْتصار التّاريخ، وهي إذ ذاك تأتي قطْعًا مع الزّمن الخطّيّ الّذي يأخذ مسارًا تصاعديًّا دائمًا نحْو الأفْضل. وقدْ لا تتحقّق اليوتوبْيا أبدًا، لٰكنْ ما يمْكن تحْقيقه هو التّذكّر المسْتمرّ للْقمْع الماضي، والتّأمّل الدّائم في وحْشيّة الإنْسان.

وتعْكس عبارة «التّاريخ ليْس متّصلًا» رؤْية بنْيامين النّقْديّة لفكْرة التّاريخ التّقْليديّة، ولا سيّما الفكْرة الّتي ترى أنّ التّاريخ يسير بصورةٍ متّصلةٍ ومتدرّجةٍ نحْو التّقدّم. ولٰكنّ بنْيامين يرْفض النّظر إلى التّاريخ بوصْفه خطًّا مسْتقيمًا ومتجانسًا، تنْتقل فيه البشريّة باسْتمْرارٍ منْ مرْحلةٍ أدْنى إلى مرْحلةٍ أعْلى. وحين يقول إنّ «التّاريخ ليْس متّصلًا»، فهو يقْصد أنّ التّاريخ مليءٌ بالانْقطاعات والكوارث والهزائم والعنْف، وليْس مسارًا هادئًا ومتراكمًا للتّقدّم. فالتّاريخ الرّسْميّ غالبًا ما يخْفي معاناة المهْزومين والمقْموعين، وهو التّاريخ الّذي يشكّل سرْديّة المنْتصرين. وعلى هٰذا الأساس يرى بنْيامين أنّ التّعامل مع التّاريخ بوصْفه سلْسلةً متّصلةً تقدمية يؤدّي إلى تبْرير القمْع والقهْر والظّلْم والإبادات والمذابح التّاريخيّة والهزائم الثّوْريّة. وتتضمن هذه الرؤيا تصورا يجْعل كلّ ما حدث في التاريخ من مآسي كان ضروريًّا وطبيعيًّا في سبيل «التّقدّم». وهنا تصْبح الحروب والاسْتعْمار والاسْتغْلال والقهْر، وحتّى المذابح، مجرّد مراحل في مسيرة الحضارة، بدلًا منْ أنْ تكون كوارث إنْسانيّةً. وممّا لا شكّ فيه أنّ نقْد بنيامين موجّهٌ إلى الفكْر التّاريخيّ الحديث الّذي يؤْمن بفكْرة «التّقدّم الخطّيّ»؛ أيْ الاعْتقاد بأنّ الزّمن يتحرّك دائمًا نحْو الأفْضل. وعلى خلاف ذٰلك، يرى بنيامين أنّ هٰذا التّصوّر يخْدم الطّبقات المهيْمنة؛ لأنّه يجْعل النّظام القائم يبْدو نتيجةً طبيعيّةً للتّاريخ، لا نتيجة صراعاتٍ وهيْمنةٍ. ويبْني على ذٰلك أنّ الطّبقات المهيْمنة في الماضي لا تزال تهيْمن في الحاضر. فالقوّة المسيْطرة لا تكْتفي بالسّيْطرة الاقْتصاديّة والسّياسيّة، بلْ تفْرض أيْضًا طريقةً معيّنةً لفهْم التّاريخ. ومنْ ثمّ، فإنّ كتابة التّاريخ التّقْليديّة تصْبح أداةً أيْديولوجيّةً تخْفي أصْوات الضّحايا والمهمّشين. ويؤسّس بنْيامين دعْوته الصّريحة إلى قراءةٍ مخْتلفةٍ للتّاريخ تقوم على قراءةٍ جديدةٍ تنْظر إلى الماضي منْ زاوية المنْكوبين والخاسرين والمهْزومين والمعذّبين والقابعين ظلْمًا في مدافن القهْر والظّلْم والاسْتبْداد؛ وهي قراءةٌ تكْشف ما تمّ قمْعه أوْ نسْيانه.

ويظْهر كتاب «جدل التّنْوير" (Dialektik der Aufklärung) أنّ أدورنو قدْ تبنّى رؤْية بنْيامين للتّاريخ الخلاصيّ. فالحضارة الإنْسانيّة لمْ تكنْ دائمًا تقدّميّةً، والرّؤْية الّتي تفْهم التّاريخ فهما ميكانيكيًّا بوصْفه تقدّمًا تتجاهل، في الواقع، الجانب الجدليّ للثّقافة. فالتّاريخ يتطوّر عبْر التّناوب والتّناقض بيْن الحضارة والهمجيّة. والتّاريخ ليْس متّصلًا، والتّعامل معه بوصْفه كذٰلك لا يؤدّي إلّا إلى تبْرير نوْعٍ معيّنٍ منْ تاريخ القمْع. وينْتقد بنْيامين الوضْع القائم آنذاك بقوْله إنّ الطّبقات الحاكمة لا تزال تهيْمن في الحاضر كما هيْمنتْ في الماضي، وهٰذا الأمْر ينْعكس في البناء الخطّيّ، وغالبًا التّقدّميّ، للْفكْر التّاريخيّ والزّمن (9).

في اليهوديّة، تتمّ المصالحة بيْن الإنْسان والإنْسان، وبيْن الإنْسان والشّيْء في الله، ويكون هدف الخلاص تحْقيق هذه المصالحة الأبديّة المنْتظرة. وفي نظريّة اللّغة عنْد بنْيامين، تشكّل لغة الله الأساس لكلٍّ من اللّغة الإنْسانيّة ولغة الأشْياء. ويظْهر التّعارض بيْن الإنْسان والشّيْء عنْدما يحاول الإنْسان تجاوز الله وتسْمية الأشْياء مباشرةً، ومنْ أجْل إزالة هٰذا التّعارض وردْم الهوّة اللّغويّة، ينْبغي أنْ يعود الإنْسان والشّيْء معًا إلى الله. وعلى الرّغْم منْ تأثّر أدورنو بفكْرة الخلاص عنْد بنْيامين، فإنّه لا يقْبل بصورةٍ كاملةٍ بأن الله يشكل منطلقا للمصالحة، بلْ على خلاف ذلك يرى أن اللّغة والفنّ هما العنصران الأساسيان في تحقيق المصالحة الوجودية بين الإنسان والطبيعية كما بين الإنسان والإنسان والله. وتعني المصالحة بيْن الإنْسان والإنْسان، وبيْن الإنْسان والشّيْء، في الله أنّ الله هو المبْدأ الأعْلى للْوحْدة والانْسجام الكامل الّذي تزول فيه الانْقسامات والصّراعات الموْجودة في العالم التّاريخيّ. وهٰذا لا يعْني أنّ الله يقوم بالمصالحة بصورةٍ خارجيّةٍ، بلْ يعْني أنّ الحقيقة الإلٰهيّة نفْسها تمثّل الحالة الّتي تتجاوز فيها التّناقضات والاغْترابات البشريّة. أيْ إنّ البشر، الّذين يعيشون في الواقع داخل علاقات صراعٍ وهيْمنةٍ واسْتغْلالٍ وعداءٍ، يبْلغون في الخلاص حالةً من العدالة والوحْدة والتّآلف. فوجود الله هنا يشير إلى أفقٍ أخْلاقيٍّ وروحيٍّ تنْتهي فيه الانْقسامات البشريّة والصراعات الوجودية. أمّا المصالحة بيْن الإنْسان والشّيْء، فتتمثّل في تجاوز العلاقة القائمة على السّيْطرة والاسْتعْمال. ففي العالم الحديث يتعامل الإنْسان مع الطّبيعة والأشْياء بوصْفها أدواتٍ للْهيْمنة والمنْفعة فقطْ. أمّا في فكْرة الخلاص، فتصْبح العلاقة مع العالم علاقة انْسجامٍ واحْترامٍ وتوافقٍ، لا علاقة إخْضاعٍ واسْتغْلالٍ.

وفي الخلْفيّة اليهوديّة والفلْسفيّة الّتي تأثّر بها بنْيامين وأدورنو، لا يفْهم الله هنا دائمًا بصورةٍ لاهوتيّةٍ تقْليديّةٍ فقطْ، بلْ أيْضًا بوصْفه رمْزًا لإمْكان المصالحة الكاملة الّتي يفْتقدها التّاريخ الواقعيّ. فعنْدما يكون العالم منْقسمًا، في صورةٍ يكون فيها الإنْسان ضدّ الإنْسان، والإنْسان ضدّ الطّبيعة، والذّات ضدّ العالم، فإنّ «الخلاص» سيكون في اسْتعادة وحْدةٍ مفْقودةٍ، ويعبّر عنْها دينيًّا بأنّها تتحقّق في الله. والمقْصود بأنّ المصالحة «تتحقّق في الله» هو أنّ الله هو القوّة العلْيا الّتي ترْفض الانْقسامات الحادثة في العالم البشريّ. فالعالم التّاريخيّ، بحسب هٰذا التّصوّر، عالمٌ ناقصٌ وممزّقٌ: فيه صراعٌ، وهيْمنةٌ، واغْترابٌ، وانْفصالٌ بيْن الإنْسان والآخرين، وبيْن الإنْسان والطّبيعة. أمّا الله، فيمثّل الكمال والوحْدة الّتي ترْفع فيها هذه التّناقضات.

وفي الفكْر الدّينيّ اليهوديّ، لا تتحقّق المصالحة لأنّ البشر ينْجحون وحْدهمْ في صنْع مجْتمعٍ مثاليٍّ، بلْ لأنّ الخلاص الإلٰهيّ يعيد النّظام الأخْلاقيّ والعدالة إلى العالم. أيْ إنّ الله هو مصْدر الحقيقة والعدالة والوحْدة، ولذٰلك تكون المصالحة النّهائيّة مرْتبطةً به. ويمْكن توْضيح ذٰلك على النّحْو الآتي: في الواقع العاديّ يعادي الإنْسان، والإنْسان يسيْطر على الطّبيعة والأشْياء، والعالم قائمٌ على الانْقسام والقوّة. أمّا في الله، فترْفع حالة العداء، ويعود الانْسجام بيْن البشر، وتصْبح العلاقة مع العالم علاقة سلامٍ لا سيْطرةٍ، وهٰذا هو ما يمْكن التّعْبير عنْه بأنّه الحقيقة الإلٰهيّة الّتي تتجلّى في حالة الخلاص الإلٰهيّ أوْ في النّظام الكوْنيّ الّذي تزول فيه التّناقضات التّاريخيّة. وفكْرة الله تأْخذ بعْدًا فلْسفيًّا في فلْسفة بنْيامين وأدورنو، وذٰلك أنّ الله في هذه الفلْسفة لا يفْهم دائمًا بصورةٍ دينيّةٍ تقْليديّةٍ، بلْ يصْبح رمْزًا لإمْكان «المصالحة» الّتي يفْتقدها الواقع. ولهٰذا تبْقى المصالحة الحقيقيّة شيْئًا لمْ يتحقّقْ بعْد داخل التّاريخ، بلْ تظْهر فقطْ كتلْميحٍ أوْ أملٍ أوْ وعْدٍ بالخلاص.

***

د. علي أسعد وطفة

........................

الهوامش والمراجع

(1) - فالتر بنْيامين (Walter Benjamin 1892-1940): فيْلسوفٌ وناقدٌ ثقافيٌّ ألْمانيٌّ، يعدّ منْ أبْرز مفكّري القرْن العشْرين، وارْتبط اسْمه بالنّظريّة النّقْديّة (Critical Theory) ومدْرسة فرانكفورت (Frankfurt School)، رغْم أنّه لمْ يكنْ عضْوًا رسْميًّا فيها. ولد في برْلين (Berlin) سنة 1892، واهْتمّ بالفلْسفة، والنّقْد الأدبيّ، وعلْم الجمال، وفلْسفة التّاريخ، والثّقافة الحديثة. امْتاز فكْره بمحاولة الجمْع بيْن المارْكْسيّة (Marxism)، والتّصوّف اليهوديّ (Jewish Mysticism)، والنّقْد الثّقافيّ، ممّا جعل كتاباته ذات طابعٍ فلْسفيٍّ وتأْويليٍّ عميقٍ. ومنْ أهمّ مؤلّفاته: "العمل الفنّيّ في عصْر إعادة الإنْتاج الآليّ"  (The Work of Art in the Age of Mechanical Reproduction)، و"أطْروحاتٌ حوْل فلْسفة التّاريخ» (Theses on the Philosophy of History)" ، و«مشْروع الأرْوقة"  (The Arcades Project). انْتحر سنة 1940 أثْناء محاولته الهروب من النّازيّة (Nazism) على الحدود الإسْبانيّة الفرنْسيّة، وأصْبح بعْد وفاته واحدًا منْ أكْثر المفكّرين تأْثيرًا في الفلْسفة المعاصرة والنّقْد الثّقافيّ.

(2)-  المسّيانيّة اليهوديّة (Jewish Messianism): التّصوّر الدّينيّ والفلْسفيّ في التّراث اليهوديّ القائم على انْتظار «المسيح المخلّص» (Messiah) الّذي سيأْتي في نهاية الأزْمنة ليحقّق الخلاص والعدالة، وينْهي المعاناة التّاريخيّة. وكلمة «مسّيانيٍّ» مشْتقّةٌ منْ «المسيح» أو "الماشيح" » (Mashiach) في التّقْليد اليهوديّ، وتسْتخْدم فلْسفيًّا للإشارة إلى: الأمل بالخلاص التّاريخيّ، وانْتظار التّحوّل الجذْريّ للْعالم، ثمّ الإيمان بإمْكانيّة العدالة النّهائيّة.

(3)- TAO Feng. “The Redemptive Dimension in Adorno’s Thought.” Cultural and Religious Studies, Vol. 10, No. 8, August 2022, pp. 401-408. David Publishing. DOI: 10.17265/2328-2177/2022.08.001. Accessed May 25, 2026. https://www.davidpublisher.com/Public/uploads/Contribute/631050bd1f2a8.pdf

(4)- Max Weber. The Sociology of Religion. (Boston: Beacon Press, 1965).

(5) - ibid.

(6)- TAO Feng. “The Redemptive Dimension , Op. cit.

(7)- ibid.

(8)- Matthias Fritsch. The Promise of Memory: History and Politics in Marx, Benjamin, and Derrida. (Albany: SUNY Press, 2005), p. 37.

(9)- ibid , p. 52.