عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

مراد غريبي: الفعل الفلسفي ما بعد إدغار موران.. "الفكر المعقَّد وأصداؤه"

"إنّ التفكير في التعقيد ليس ترفاً فكرياً، بل هو ضرورة وجودية في عالم لا تكفيه الأجوبة البسيطة."... إدغار موران

مفتتح: حين استهل إدغار موران مشروعه الفكري الكبير المتمثّل في "المنهج" بأجزائه السبعة الممتدة بين عامَي 1977-2023م، لم يكن يضع حجر أساس نظرية فلسفية صماء، بل كان يحفر شقوقاً واسعة في جدران المعرفة المعاصرة، حيث استلهم موران من موقعه الاستثنائي على تخوم العلوم الطبيعية والإنسانية والاجتماعية معاً، أنّ الأزمة الحقيقية للحضارة الغربية ليست أزمة موارد أو تقنيات، بل هي في جوهرها أزمة نمط تفكير، او كما عبر في الكثير من محاضراته بالقول، أزمة عجز البشر عن إدراك ما ينسجون بأيديهم من شبكات تتعقد تدريجيا.

لذلك فكرة التعقيد (la pensée complexe) لم تكن مجرّد نمط تحليلي نقدي، بل كانت نداء صريح لإعادة النظر في طريقة التفكير ذاتها؛ في العلاقة بالمعرفة، بالطبيعة، بالثقافة، بالدين، وبالإنسان بوصفه كائناً كونياً قبل أن يكون كائناً اجتماعياً.

هكذا طرح موران مفارقة جوهرية: كلّما تطور العلم وتعددت تخصّصاته، ازداد عجزنا عن فهم الكلّ، وهو عجز ليس تقنياً بل بنيوي، يسكن في عمق المنطق الذي نبني به أسئلتنا قبل أن نبني أجوبتنا.

غير أنّ موران، الذي رحل عن عالمنا بعد ان تجاوز المئة عام بأربعة سنوات وكان لا يزال يكتب ويُحاضر بنفَس لا يخبو، لا يمكن أن يقال عن سيرته نهاية مسار بل إنها نقطة انعطاف حادة وجادة في ٱن واحد، لا لشيء سوى لأن السؤال عن الأبحاث الفلسفية التي جاءت في سياق وأثر أبحاثه ومشروعه عموما، توصلنا إلى حقل خصيب، جدلي، مضطرب وحيّ، يسعى إلى استيعاب إرثه أو تجاوزه أو الحوار معه — وأحياناً الثلاثة في آنٍ واحد.

فكرة التعقيد في الفلسفة المعاصرة

لقد نال مفهوم التعقيد شرعيته داخل الدراسات الفلسفية والإنسانية من خلال إسهامات ادغار موران، بعد أن ظلّ هذا المفهوم حكراً على العلوم التجريبية ونظرية الأنظمة، بيد ان الفلسفة المعاصرة احتضنت هذا المفهوم ورامت الى توظيفه في سياقات بالغة التنوّع، بلغت درجة تجاوز -في أحيان كثيرة- ما تصوره موران ذاته حين صاغ مفاهيمه الأولى.

فبرونو لاتور الفيلسوف القاري في فرنسا صاحب مسيرة تفكيك الثنائيات الكبرى التي أرّقت موران (الطبيعة/ الثقافة، الذات/ الموضوع) ولعل أهم إضافة للاتور هي البعد السوسيولوجي والأنثروبولوجي من خلال نظريته في "الفاعلية الشبكية"، متجاوزاً الحدود التقليدية بين الإنسان وغير الإنسان، وبين المختبر والمجتمع، لأن الأشياء عند لاتور ليست خاملة، إنّها تفعل وتُشكّل وتُقاوم، تماماً كما كان موران يُلحّ على أنّ الطبيعة ليست مادة صامتة أمام مشرط العالِم.

وعلى ذات المسار، سارت إيزابيل ستانغرز نحو إعادة تأهيل العلم بوصفه ممارسةً تُشارك فيها الكائنات والبيئات لا مجرّد عقل بشري مسيطر في كتابها الجريء "إعادة تعزيز العلم"، لقد استعادت ستانغرز روح التساؤل التي جعلت موران يُصرّ على أنّ العلماء يبنون عالمَهم قبل أن يكتشفوه، لامناص ان ثمّة خيط خفيّ يصل موران بستانغرز ولاتور، الا وهو الرفض المشترك لأسطورة المراقب المحايد، والإصرار على أنّ المعرفة فعل تشابك، لا فعل استخراج، وهنا تبرز حدة فلسفة موران وٱثارها في الفلسفة المعاصرة.

حول فلسفة التربية

لايمكننا إغفال أشدّ مجالات تأثير موران في الفلسفة المعاصرة بعمق وسعة، فلسفة التربية. ومن طالع كتابه الشهير ""المعارف السبع الضرورية لتربية المستقبل" (2002م) ترجمة عزيز لزرق ومنير الحجوجي، صدرت عن دار توبقال للنشر (المغرب) باتفاق مع منظمة اليونيسكو، هذا الكتاب أثار موجات من الإصلاحات الفكرية والتربوية على امتداد القارات، إذ أدرك موران أنّ مشكلة التعليم الحديث ليست في نقص المعلومات، بل في وفرتها غير المُنظَّمة، في التجزيء الذي يُخرج متخصصين لا يفهمون العالَم الذي يشرحونه.

فيهذا الخطّ سار المفكر البرازيلي إنريكي ليف الذي وسّع مفهوم التعقيد ليشمل البيئة والمعرفة البيئية، معيداً صياغة سؤال التربية ضمن أزمة الحضارة الكوكبية، عند ليف التعليم الحقيقي هو ذلك الذي يُعيد ربط الإنسان ببيئته الكوكبية، ويُعلّمه قراءة ترابط الأنظمة لا استنزافها واستدمارها.

كما تشكلت في أمريكا اللاتينية حركة فكرية واسعة تُعرف بـ"الأبستيمولوجيا الجنوبية" على يد بواڤينتورا دي سوزا سانتوس، التي تُعيد طرح السؤال عن هيمنة المعرفة الغربية وتستعير من موران فكرة أنّ المعرفة المجزّأة عاجزة عن مواجهة التحديات الإنسانية الكبرى، بينما سانتوس ذهب أبعد من موران حين طالب بـ"علم اجتماع الغياب"، أي التساؤل عمّا أُسكت وأُقصي من معارف الجنوب الإنساني خارج دائرة الاعتراف الأكاديمي الغربي، وهنا تبرز إثارة فلسفة ادغار موران لدفائن العقول عبر العالم..

محاورة موران أو تجاوزه؟!

تأثير ادغار موران ليس ذو بعد واحد، كونه استنهض بعض المفكرين إلى مناقشة أطروحاته بجرأة أو إعادة بنائها على أسس مختلفة أذكر منهم:

1.  سلافوي جيجيك: على الرغم من اختلاف خلفيته الهيغلية واللاكانية، يلتقي مع موران في نقد الوعي الحداثي المتمركز حول الذات، مع اضافته لفكرة عامة جدا أنّ التعقيد وحده لا يكفي دون إعادة إدخال السياسة والتناقض الجذري في المعادلة. عند جيجيك، الفكر المعقّد دون فعل سياسي يخاطر بأن يتحوّل إلى استسلام فلسفي مُبهج.

2.  برنار ستيغلر: الفيلسوف الفرنسي الذي شيد جسراً بين التفكير التقني والتفكير في الزمن والمجتمع، تخصص في جزئية الحضارة الصناعية لدى ادغار موران ليطرح سؤال "الدواء" — كيف يمكن للتقنية ذاتها أن تحمل سُمّها وترياقها معاً.

فالرقمنة عند ستيغلر ليست قدراً محتوماً، بل هي معركة على ذاكرة الإنسانية وانتباهها. وهذا تحديدا سؤال مركزي لدى موران بامتياز: كيف نُفكّر في التقنية دون أن نستسلم لها؟

3.  دونا هاراوي: في مشروعها المتعلق بـ"الأجناس المتشابكة" وفلسفة ما بعد الإنسانية، أعادت هاراوي رسم الحدود بين الأنواع والتقنيات والبيئات بأسلوب موران مع إختلاف جذري في اللغة، شعارها الشهير: "نحن لم نكن بشراً قطّ بالمعنى النقي" هو وجه آخر لرفض موران ثنائية الإنسان/الطبيعة، لكنّه وجه أكثر تجذّراً وأعمق استفزازاً لليقينيات الإنسانوية الكلاسيكية.

التعقيد في مواجهة الأزمات الكبرى

ربّما كانت الأزمات الكبرى — أزمة المناخ، والجائحة، وأزمة الديمقراطيات الليبرالية، وثورة الذكاء الاصطناعي — هي أكثر ما أعاد إدغار موران إلى دائرة الضوء الفلسفي في العقدين الأخيرين، اذ لاحظ الكثير من المفكرين أنّ المقاربات التبسيطية عاجزة عن استيعاب عالم تتداخل فيه الأسباب والنتائج بشكل غير خطّي، عالم حيث تُنتج الحلول المشكلات وتُولّد اليقينيات أشدّ حالات الغموض، حيث انتشرت في هذا السياق دراسات ما بعد الإنسانية ودراسات الأنثروبوسين التي تتقاطع مع روح فلسفة موران في رفض الفصل بين الإنسان والطبيعة، وفي الإلحاح على أنّ الإنسانية تقف أمام منعطف حضاري لا تكفيه العلوم المتخصصة وحدها، بل يستلزم "فكراً يجمع ما يُفرَّق".

والعجيب أنّ موران نفسه، قُبيل بلوغه مئويّته، كتب بعيون فيلسوف يرى حضارته تواجه خيارها الوجودي الأصعب: "إمّا أن تتعلّم التفكير بتعقيد، وإمّا أن تُكمل انهيارها البطيء بكفاءة غير عادية".

العالم العربي شأنه شأن أمريكا الجنوبية وجنوب شرق ٱسيا أيضاً، عرف انتشار العديد من الترجمات لفكر موران الفلسفي، وكذلك قراءات له، وبدأ باحثون في توظيف مفاهيمه ضمن سياق الأزمة المعرفية العربية الراهنة، سائلين بصدق وعلى استحياء: هل يمكن لفكر التعقيد أن يكون مدخلاً لنهضة ثقافية متجدّدة؟ هل نحن قادرون على التفكير في أزماتنا بالتعقيد الذي تستحقّه، بدلاً من حشرها في قوالب أيديولوجية جاهزة؟ هذه الأسئلة لا تزال ملتهبة ولم يجَب عنها بعد، لكن الترجمة العربية لموران تبقى متفرّقة وغير منهجية مقارنةً بحجم إنتاجه الهائل، حيث تأتي دول المغرب العربي خصوصا (الجزائر والمغرب) هما الأكثر اهتماماً بنقله وتدريسه أكاديمياً، فيما لا يزال الجزء الأكبر من "المنهج" — وهو عمله المحوري بأجزائه السبعة ٱخرها منهج المنهج أو طريقة المنهج— ينتظر ترجمة عربية متكاملة ومنقّحة.

ما الذي بقي من موران؟

جدلية إرث موران لاتزال منفلتة فكلّما حاول أتباعه تحويل فكره إلى مدرسة منهجية مغلقة، ثار واستقر على طبيعته كفكر في حالة توتّر دائم مع نفسه، لأن ادغار موران لم يقدم إجابات جاهزة، بل أعاد تشكيل الأسئلة المنهجية، والفلسفة المعاصرة تُدرك ذلك جيداً، لا يمكنك محاكاة موران دون التشكيك في موران ذاته، هذه الفلسفة الخلاّقة — أي بنية الفكر التي تُولّد إمكانية نقدها الداخلي — هي ما يجعل ارث موران حيّاً وجذاباً، لأن الفيلسوف الحقيقي لا يصنع أتباعاً بل يُولّد متسائلين. وفي هذا السياق، تبدو الأجيال الفلسفية التي عايشت موران والتي سوف تكتشفه لا يمكن أن تكون وارثةً له بقدر ماهي متفاعلة مع مشروعه وشاهدة أنه كان ناجحاً تماماً بزرعه للأسئلة التي لا تموت بل تنبت في عقول مؤمنة بالمنهج في التفكير.

الإرث المفتوح

إدغار موران لم يكن شيخ طريقة فلسفية غلق باب التفلسف، بقدرما فتح نافذة على الفعل الفلسفي المستدام، حيث الدراسات الفلسفية التي تأتي بعده لا تُقدّم إجابات نهائية، بل تُصرّ على أنّ السؤال ذاته هو السبيل، خصوصا في عالم يميل نحو النهايات والحتميات والمسطحات الرقمية واختزال المعنى... سيظل تراث ادغار موران ذا حضور قلق ومُلحّ: صوت ينادي إلى التفكير بشجاعة في التشابك، في التناقض، وفي جمال اللايقين.

ما بعد موران ليس تجاوزاً له بالمعنى البزنطي، بل هو مواصلة للمشروع الإنساني الذي أعاد موران صياغته بأرقّ الكلمات وأصدقها: "أن نُفكّر معاً في عالم أصبح أكثر تعقيداً من أن يُحتمل وأجمل من أن يُختزل".

***

بقلم: مراد غريبي - الجزائر

04/06/2026