عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

غالب المسعودي: الكوجيتو المغلق والرادار الجيوسياسي في الشرق الأوسط

التأسيس الإبستمولوجي للكوجيتو والانغلاق الميتافيزيقي

شهد القرن السابع عشر في أوروبا ولادة الفلسفة الحديثة على يد رينيه ديكارت، الذي اتخذ من الشك المنهجي سبيلاً لتشييد أول قضية يقينية صلبة متمثلة في الكوجيتو، "أنا أفكر، إذن أنا موجود". سعى ديكارت من خلال هذا الطرح إلى تأسيس ذات معرفية مستقلة، قادرة على بلوغ اليقين دون الحاجة إلى وصاية لاهوتية أو مرجعيات تقليدية. ومع ذلك، فإن هذا الكوجيتو الكلاسيكي يحمل في طياته بنية "مغلقة" تعزل الذات عن محيطها العياني؛ حيث يوضح الفيلسوف بول ريكور أن الكوجيتو الديكارتي ينغلق على نفسه في لحظة معرفية محددة، مجرِّداً الذات من أبعادها الزمانية، واللغوية، والتاريخية، والغيرية، مما يمنعها من اللقاء الحقيقي بالآخر كما هو في ذاته.

أدى هذا المنحى المعرفي المنعزل إلى نشوء ما يمكن تسميته "ضلالات الكوجيتو"؛ حيث حاول ديكارت استخدام العقل كخط دفاع أول عن الإيمان المسيحي وإثبات الألوهية منطقياً، غير أن النتيجة جاءت على نقيض النية المضمرة. فبترجيحه مسلّمة الذهن البشري وجعل الفكر الذاتي شرطاً لدوام الوجود وبقائه، قطع السبل نحو المعرفة الإلهية المتعالية، لتسقط الحداثة الغربية لاحقاً في أزمة فراغ إتيقي (أخلاقي) وعزلة إبستمولوجية حادة.

تلا ذلك تحول الفلسفة المعاصرة نحو تفكيك هذه المركزية الذاتية؛ إذ انتقد فرانز فون بادر هذا الانفلات الأنطولوجي للأنا عن خالقها، في حين نُظر إلى الكوجيتو بوصفه "جسداً لغوياً" له كينونة ملموسة وليس مجرد فكر خالص. ومهد هذا الطرح للمنعطف البنيوي وما بعد الحداثي الذي عزل الكوجيتو عن عرشه، مستبدلاً محورية الفكر بسلطة اللغة وبنية النص التي تصنع الوعي والواقع الاجتماعي، وتعمل في الوقت نفسه كأداة للهيمنة.

في المقابل، يظهر التاريخ الفكري للشرق الأوسط عجزاً بنيوياً عن إنتاج قطيعة معرفية مماثلة للحداثة الغربية. ففي الحقبة التي كانت أوروبا تؤسس فيها لنهضتها العلمية، كان العالم الإسلامي يعيش غيبوبة منغمسة في تكرار النصوص والصراعات الإمبراطورية بين العثمانيين والصفويين؛ حيث استُخدم الدين كأيديولوجيا لتبرير الهيمنة السياسية والعرقية بدلاً من كونه قوة دافعة للتغيير الثوري. بناءً على ذلك، فشلت أطروحات الإصلاح والجامعة الإسلامية لأنها عجزت عن ابتكار مجال جديد للمسألة السياسية، وتأسيس فضاء حيوي للوجود الإنساني المعاصر، وجاء خطابها حماسياً يثير مشاعر المظلومية دون حيازة أرصدة قوة حقيقية أو طاقة فكرية تصدع السكون المألوف للمنظومات المغلقة.

تجليات الكوجيتو البديل

لقد حاولت الفلسفات النقدية تفكيك هذا المنظور الأحادي المغلق عبر طرح مقاربات بديلة تعيد الاعتبار للفعل، والوجود العياني، والغيرية. وفي هذا السياق، قلبت الفلسفة الوجودية كوجيتو ديكارت رأساً على عقب؛ حين أعلن جان بول سارتر أن "الوجود يسبق الماهية"، ليصبح الشعار، "أنا موجود، إذن أنا أفكر". وذهب مارتن هيدجر إلى تفكيك الكوجيتو مستبدلاً إياه بمفهوم "الدازاين" ليصوغ كوجيتو القلق، "أنا قلق، إذن أنا موجود"، في حين صاغ ألبير كامو كوجيتو التمرد كأداة لمواجهة عبثية العالم، "أنا أتمرد، إذن أنا موجود".

الانفتاح الإنساني والسياسي

دافعت حنة آرنت، بالتوازي مع كارل بوبر، عن مفهوم "المجتمع المفتوح" ورفضت النزعة الكلية الشمولية للأنظمة المغلقة التي تسعى للتحكم الكامل في المجتمع وإعادة إنشائه وفق أيديولوجيتها، مستخدمة رمزية "الواحة المفتوحة" للتعبير عن الليبرالية والقدرة الإنسانية الفاعلة.

كما قدم الفكر الصوفي (كما يتبدى لدى الحلاج والبسطامي) نموذجاً معرفياً خلخل كينونة الهوية المغلقة. فالمعرفة الصوفية تجربة حدسية إلهامية تتجاوز أدوات العقل المتناهي، وتتحرك فيها الهوية كعلاقة انفتاح دائم نحو الآخر؛ إذ لا تسافر الذات نحو كينونتها العميقة إلا بقدر سفرها نحو كينونة الآخر، مما يؤسس لتسامح كوني وانفتاح على الاختلاف المذهبي والديني.

موازين القوى على الرادار الجيوسياسي للشرق الأوسط

بينما يمثل الكوجيتو المغلق البنية الإدراكية المحركة للمشاريع الاستعمارية والإقليمية، فإن "الرادار الجيوسياسي" يعمل كمنصة رصد عينية لتحولات القوة والصراع المادي على الأرض. يحتل الشرق الأوسط موقعاً محركاً في النظام الدولي يجعله بؤرة دائمة للاستقطاب؛ حيث يرصد الرادار حالياً قلقاً متزايداً يتزامن مع وصول تعزيزات عسكرية أمريكية ضخمة تشمل حاملات طائرات وسفناً هجومية إلى المنطقة.

تعد مشاريع الهيمنة الإقليمية، مثل السعي لفرض واقع القطب الواحد العسكري واستثمار الفراغ الناجم عن تحجيم القوى المنافسة، محاولات حثيثة لإعادة هندسة الإقليم بالقوة وتصفية حركات المقاومة والمشاريع المناهضة. وتتبدى هذه الصراعات عسكرياً في السعي الأمريكي لدمج أنظمة الدفاع الجوي والصاروخي الإقليمية، ومراقبة التحركات الباليستية المحتملة عبر شبكات استراتيجية متطورة.

 الاختراقات الأمنية واستراتيجيات التفتيت الداخلي

يرصد الرادار الجيوسياسي ثغرات أمنية هيكلية تعاني منها بعض دول الإقليم؛ فعلى سبيل المثال، تفتقر هذه الدول حتى الآن إلى منظومات رادارية متطورة وقادرة على كشف ومراقبة الطائرات المسيرة والأجنبية التي تخترق مجالها الجوي، مما يجعلها ساحة مستباحة للعمليات الخارجية وفضاءً مفتوحاً للتفاوض والصراع.

يتزامن هذا الضعف التقني مع استراتيجية غربية ممنهجة تعتمد على "الترقيع الجيوسياسي" وتدبير الاحتضار السياسي للدول. تهدف هذه الاستراتيجية إلى الاستفادة القصوى من الخلافات الدينية، والنعرات المذهبية، والإثنية، والعشائرية، لإيصال المجتمعات إلى حالة كارثية يشعر فيها المواطن بأن الخطر الداخلي الناجم عن الاقتتال الأهلي يفوق بكثير حجم التهديد الخارجي الاستعماري. ويتم تفعيل ذلك عبر توظيف جيوش إلكترونية ووسائل إعلام موجهة، فضلاً عن جذب قوى محلية منخرطة في هذا المسار وربطها بأيديولوجيات تدميرية تابعة لشركات أمنية مشبوهة، كمنظمات الحروب الهجينة.

 الحروب خارج الرادار التقليدي

يسجل الرادار الجيوسياسي نمطاً متصاعداً من الصراعات الهجينة التي تدور تاريخياً "خارج الرادار الجيوسياسي المعتاد" قبل أن تنفجر إلى العلن كأزمات دولية حادة. ويعد تكتيك استخدام المهاجرين واللاجئين كأداة ضغط سياسي واستراتيجي مثالاً حياً على هذه المقاربة النفعية التي تحول الإنسان إلى سلاح في المعركة.

المؤشرات الجيواقتصادية وتأثير الدومينو على الأسواق العالمية

تنعكس هذه الصدامات العسكرية والسياسية بشكل فوري على المؤشرات الاقتصادية وأسواق المال والطاقة العالمية، وهو ما يرصده الرادار الجيوسياسي عبر الروابط التالية:

تذبذب أسواق المال العالمية:

 يتأثر مؤشرا "داو جونز" و"ناسداك" سلباً بالتوترات الجيوسياسية المتصاعدة في الشرق الأوسط؛ حيث تؤدي أخبار الحشود العسكرية الأمريكية وتهديدات إغلاق الممرات المائية إلى تراجع قطاع أشباه الموصلات والأسهم التكنولوجية، مما يدفع المستثمرين نحو الخيارات الدفاعية والتحوطية، لتسود حالة من التقلب والهبوط بدلاً من تسجيل قمم قياسية جديدة.

اضطراب الملاحة وسياحة الأعمال الإقليمية:

 تفرض العمليات العسكرية الجوية إغلاقاً متكرراً للمجالات الجوية في الشرق الأوسط، مما يهدد سلامة الطيران المدني ويدفع شركات السياحة العالمية لإطلاق تحذيرات أمنية صارمة.

شلل البنية التحتية والمنشآت الخدمية:

 يرصد الرادار الجيوسياسي تأثير الدومينو المدمر لهذه الإغلاقات على قطاعات السياحة والفنادق وسياحة الأعمال والمؤتمرات الدولية في المنطقة؛ إذ تتوقف الاستثمارات الفندقية الكبرى وتلغى الفعاليات الإقليمية نتيجة تدهور المناخ الأمني العام.

الاستقرار الإقليمي بين كوجيتو الهيمنة والرصد الذكي

تظهر القراءة المعمقة لتقاطع الفلسفة الإبستمولوجية مع العمليات الجيوسياسية في الشرق الأوسط أن الصراع في الإقليم ليس نزاعاً على الحدود والموارد الطبيعية فحسب، بل هو صدام محوري بين بنى معرفية مغلقة وممارسات عسكرية تسعى لفرض السيادة بالإلغاء. إن استمرار تبني القوى الإقليمية والدولية لـ "الكوجيتو المغلق"، سواء عبر العنف الصهيوني المستند إلى مبدأ القوة البحتة، أو عبر الانغلاق التراثي الإقليمي الذي يعجز عن عصرنة الفكرة الدينية وتأصيل مفاهيم حديثة للوجود السياسي، لن يؤدي إلا إلى تعميق حالة التفتت الداخلي والاستباحة الخارجية.

إن الرادار الجيوسياسي المعاصر، برصده للتحولات التكنولوجية الكبرى كالحرب الإلكترونية المدارية والأزمات الهجينة العابرة للحدود، يثبت أن زمن الهيمنة الأحادية المطلقة قد ولى لمصلحة توازنات دولية شبكية متعددة الأقطاب. ولتجاوز هذا الاحتضار السياسي والترقيع المستمر، يحتاج الشرق الأوسط إلى الانتقال نحو "كوجيتو منفتح" يعيد تأسيس الذات من خلال استبدال الشك المدمّر بالإقرار الأنطولوجي بالحقوق المشتركة.

إن بناء مظلة أمنية إقليمية مستدامة يتطلب دمج أدوات الرصد الذكي مع رؤية فلسفية منفتحة تقطع مع إرث الاستعمار والاستعلاء المعرفي، وتؤسس لتعاون تقني وتنموي يحمي السيادة الوطنية ويحقق السلام الدائم للجميع.

***

غالب المسعودي

في المثقف اليوم