عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

سامي عبد العال: الفلسفة أسلوب تفكير

"الفلسفة أسلوب تفكير أكثر من كونها شيئاً آخر ..."

الأسلوبُ في الفلسفة يفتح آفاقَ الحياةِ أمام العقول الحُرة، سواء أكان تساؤلاً أم حواراً أم بحثاً عن غاية أم طرحاً لإشكالية ... هذا الوضع هو " الجين الأول " للفلسفة في حياة المجتمعات الإنسانية. لا تُوجد مسافةٌ تُذكر بين الحياة والمعنى. العالم مليء بالمعاني ونحن البشر من يكتشفها ويخترعها اختراعاً. لا أحد بإمكانه العيش بلا معنى. أنْ تعيش هو أمرٌ دال على أنك تُجسد المعنى الذي تراه وتشعُر به. فليس الأسلوبُ قدرةً للفلسفة على اختراق ِالفكر السائد فقط، بل رسم خطوطٍ موازٍية أكثر رحابةً. ولا يعد وقوفاً خارج الواقع تجاه الأحداث والبشر. إنه إمكانية التفكير الطلْق لفهم أحوال المجتمع والثقافة والتاريخ، مُشكِّلاً بصمةً مميزةً دون كل الجوانب الأخرى.

الأسلوب يعيدُ عقارب الفلسفة إلى زخمها الحي، حيث كانت ممارسة مباشرةً متماهيةً مع كافة أنشطة الحياة. الفلسفة هي علامة الوجود الحر داخلنا. ذلك قبل أنْ يغيب التفلسف في أنفاق البراهين والحجاح والتأويلات والأدلة والمقولات والمعايير والايديولوجيات. فهذا التراكم التاريخي قد أخفى روح الفكر ونبض التجارب خلف المصطلحات ووارى تلقائية الطبيعة البشرية الثرى. أخطر ما حدث في تراث الانسان هو قمع دفقات الحياة في عروق الأفكار بعناوين شتى. فتبدو يابسةً كأغصان جافةٍ لا تنتظر إلاَّ هبوب الرياح حتى تسقط. بالغ الضرورة أن تتنفس الفلسفة هواء الحرية الطازجة. وفي كل مرةٍ تتنفس الفلسفة هكذا حريةً، كانت أفكارها مؤثرةً وقادرةً على اختراق الحواجز والاسوار. ومع اختفاء هذه السمة تتقهقر وراء ممارسات لاعقلانية. وهذا يفسر انزواء الفلسفة في بيئات لا تمتلك حرية طازجة. ربما تخضع للدراسة وقد ينقب عنها الباحثون .. فلا مانع، ولكن لا يُسمح لها بأنْ تمارس أسلوبها الحُر.

الأسلوب الفذ يُحدث سيولةً لما تجمد وتكلّس من أفكارٍ. لا لشيء إلّا لتحرير العقل من قوالبه الجاهزة. التفلسف مفادّه أنْ تَجد طريقاً ملائماً لإبداع المعاني وممارسة الحياة. أي الممارسة الفلسفية حينما تعبر عن إمكانية التأثير وإبتكار الرؤى اتصالاً بحياتنا الحرة. من ثمَّ لا يتقلص الاسلوب داخل مناورات التعبير والبلاغة والمنطق، بل يتجاوز الحدود القصوى ومقاومة القيود واعياً بالتغيير. ويستحيل فصل الفلسفة عن إيقاع الحياة التي انتجتها، لأنَّ الحياة نسغ يمد التفلسف بتفاعلاته. وكل الفلسفات التي تعاند الفناء بها شيء من فنون الحياة الخطيرة. لأنَّ خوض غمار الحياة مجازفة لا تنتهي. المغامرة، التمرد، الابداع، الجنون، الانطلاق، الخيال، الشغف، الأمل، الشقاء، البؤس، الألم، الحب ... جميعها معالم تحمل روحاً حيّاً ما. وكل فلسفة تفسحُ مجالاً لأبعادٍ كهذه ستواصل مسيرتها مع الزمن.

نقطة انطلاق

الاسلوب بهذا المعني شكَّل نقطةَ انطلاق جامحة للفلسفة في تاريخ الإنسانية. لأنَّ الفيلسوف كائن حُر قد فَكّر واكتشف نمط حياته بطريقة مختلفةٍ. الاختلاف هو أساس التفلسف دون مقارنةٍ. أصلاً ... لا نستطيع المقارنة بسهولةٍ بين الفلسفة وغيرها، لأنَّ عمل الفلسفة ليس من طبيعته التماثل مع الأعمال الأخرى. والطريقة هي قدرة الفيلسوف على شق رؤى مغايرة أمام الوجود البشري. حيث يأخذ في اكتشاف امكانياته كما لو لم تُكتشف من قبل. ليس الأمر أنَّ هناك افكاراً (غريبة أو مألوفة). ولكن أصبحت الأفكار تعرضُ نفسَها بصورةٍ مبتكرةٍ. وغدت أنماط الحياة تتجلى مع تطور التفكير الفلسفي، لأنَّ الأخير كان متصلاً بكيفية العيش وحركة الواقع وفنون الحياة. ومن ثمَّ كان الاسلوب اسلوب حياةٍ بالمقام الأول في مستواه العام أو الخاص. ومنه رسم الفيلسوف موقعاً آخر للإنسان، سواء أكان في الأنظمة الاجتماعية أم السياسية أم سواها.

الفيلسوف عضوياً إلتحم بتفاصيل البشر، كابد ظروف المجتمع وتحولاته، فهو أحد الكائنات التي تعيش مع الآخرين. لم تكن هناك قوة تستطيع انتزاعه من بين الناس. لأنه رأى أنَّ مهمته هو تجديد تصوراتهم الحياتية. وفتح طرق مبتكرة لفهم الواقع. وهذا الأخير نتاج التفاعل الحي داخل المجتمع . وإذا كان الفيلسوف يتكلم بعبارات مغايرةٍ، فلأنه رأى أبعد وأعمق من سواه. الحوار والنقاش ولدّا الفلسفة عبر الأسواق والساحات المفتوحة والمنتديات العمومية والمناقشات الحرة. وهي بهذا الميلاد كانت البذرة الخطيرة في تربة أنظمة التسلط والقهر باتساع رقعة المجتمعات. لأن مركزية التفكير كانت محل صراع ونزاع متواصلين. ولم يظن أحدٌ أن يكون ثمة كائن آخر يضع هذا المركز في نظام الحياة بما هو كذلك. وأن يستشعر خطورة انتزاعه من الإنسان كإنسان. فوضّعه الفيلسوف وفقاً لضوابط وقوانين من جنس ما هو عام. وليس ثمة ما يرسي هذا القوانين إلاَّ العقل الحر. وكانت القوانين والآليات عصيةً على الاختطاف أو المصادرة. لأنه كيف سيتم سرقة العقل؟!

طوال تاريخ الفلسفة كان الأسلوب بمثابة الوسيط الذي تطل من خلاله على العالم. لكم عبر الأسلوب عن وجود الأفكار وعن شكل حيواتنا وتأثيرها في المجتمعات المختلفة. ولعلَّ ما كونته الفلسفة من زخم فكري واستفهامي ظل بارزاً نتيجة تلك الخاصية الفذة. لأنَّ وجود الفلسفة في الثقافات التقليدية شيء شاذ وغير قابل للتأقلم وعسير على الهضم الفكري. وتلك معالم أي فلسفة تستحق هذا الاسم، فلا يوجد أسلوب بإمكانه أنْ يتعشق فكرياً مع المحيط الذي يعمل خلاله. نظراً لكونّه عاملاً على الخلفيات التي تنتج الثقافة من جهةٍ ويطرح بدائل مغايرةٍ من جهة أخرى.

حتى باتت أصالة الفلسفة شيئاً مختلفاً عما جاورها من ممارسات إنسانيةٍ أخرى. تبقى المعرفة معرفةً محكومةً بأطر انتاجها، وتبقى المعلومات كماً مرناً قابلاً للتشكيل والاستعمال، وتظل الثقافة قادرةً على ترسيخ آليات وقوانين السلوك، غير أنّ الفلسفة وحدها لا تبقى في هذه المكانة، لأنها تترك أثراً بعيداً بحكم الإمكانية القصوى التي تحملها. إمكانية أن تقدم طريقاً غير مألوف للتفكير الجذري إزاء قضايا الوجود والحقيقة والإنسان. فهي أسلوب لا يريدك أنْ تكون كما يُراد لك، بل أن تشكل بنفسك ما تتطلع إليه وما تتمرد إزاءه. إنَّ التطلع والتمرُد يشكلان أسلوب الفكر المبدع على الأصالة. ولذلك تحاول كل ثقافة السيطرة على هاتين: (الخيال وحركة الفكر) ضماناً لربط العقول بمرجعيات ثابتة.

في حين تمثل الفلسفة أسلوباً ماهراً لهدم هاتين النقطتين دون توقفٍ. هدم منتج لا هدم إفناء، إعادة بذر واستزراع لا اقتلاع. إنها تتساءل حول الإمكانيات والقوى الصامتة التي لم تُستنطق بعد. وما لم تشحذ الفلسفة خيالاً جموحاً في حياة الناس، فليست أكثر من بوقٍ لمجتمع يردد صداه. وما لم تحرر الفلسفة حركة الفكر إلى اقصاها، فلن تكون غير حيلةٍ خادعةٍ لأدوار المرجعيات الغالبة في المجتمع. لا تقدم الفلسفة (علفاً ثقافياً)، ولا تصنع نماذج مغلقة، بل تصقل أساليبنا لاكتشاف فضاءات حرة. حتى أنها لا تقول لنا ماهية الفضاءات المقترحة، ولا تحدد أمامنا محظورات، ولكنها تُقوّي إرادة التفكير دون حدودٍ. الاكتشاف مختلف عن الصناعة، الاول أنت ما تتطلع إليه ليأخذك الشغف والاندهاش والحيرة وصولاً إلى الجديد. أمَّا الصناعة، فهي عملية تاريخية للمجتمعات تتجاوز حدود الأفراد. هكذا أشعلت الفلسفة فتيل الدهشة لدى الانسان على مر العصور. لانها دهشة خلق وابداع لا دهشة موقف.

أساليب الفلسفة

عبرت الفلسفات الكبرى عن خطورة أساليب التفكير وأنماط الحياة في تراث المجتمعات ... بهذا المعنى سقراط كان اسلوباً، أفلاطون كان اسلوباً، الفارابي كان اسلوباً، ابن عربي كان اسلوباً، الحسين بن منصور الحلاج كان اسلوباً، أبو حيان التوحيدي كان أسلوباً، فريدريك نيتشه كان اسلوباً، إيميل سيوران كان اسلوباً، جاك دريداً كان اسلوباً، جاك لا كان كان اسلوباً، سلافوي جيجك كان وما زال اسلوباً، جان لوك ماريون كان اسلوباً. وعلينا أن نغير فهمنا لمعنى الأسلوب ومفاهيمه وتأويلاته الفلسفية. فالاسلوب في الفلسفة ليس وسيلةً، لكنه فضاء حُر قائم بذاته، مهارة كبرى يستعملها الفيلسوف لنحت أفكاره التي يحياها.

لا يُقصد بالاسلوب طريقة الكتابة والتدوين المادي للأفكار ، ولكنه إمكانية التأثير والقدرة على طرح القضايا وابداع الحياة كأنّها لم تُوجد من قبل. الأسلوب يكشفُ شيئاً أصيلاً لدى الإنسان. أسلوب الفيلسوف يجسد طاقات المعنى العميق، الجوانب المجهولة من الوجود، وبجانب تفكيره الخصيب في الثقافة واللغة والمجتمع.

هل توجد مساحة حرة للتفلسف دون الأساليب المجسدة له؟

الأمر واضح أنَّ هؤلاء جميعاً جاءَ تفلسفُهم بمثابة الفكر الحي المُقام بالأسلوب ذاته. أي تشكلّت الأفكار وأخذت طريقها في التكوين عبر الأساليب الحرة ليس أقل. وكذلك يصح العكس وفقاً للسياق: (إنه الأسلوب المتجسد في الفكر الحر). لعلَّ ما يُمثله أسلوبُنا ضمن نطاق التفكير هو امكانيتنا بأنْ نشكل أفكاراً وحيوات مدهشة. وحده الإنسان من يستطيع الاندهاش. وأخطر ما يميزه هو قدرته على انتاج الدهشة. أي أنَّ كل أسلوب هو طريقة اكتشاف معنى، أحد ضروب التواجد المبدع في العالم.

ليس الأسلوب بعيداً عن منطق الأفكار إلاَّ بمقدار ما ينتجها ويجعلها قابلة للتبرير. ليس الاسلوب سطحاً أملس، بل هو عمق الأعماق معبراً عن طبيعة الطرح وقوة الرؤية وكشف الحقائق وصياغة التصورات. ولا يشكل الأسلوب برقاً خاطفاً سرعان ما ينطفيء، ولكنه يبقى سحاباً قوياً فائضاً بالوابل إنْ أراد. وقد يشكل عاصفةً تلوح في الأفق وتزحزح ما يعترضها من مسائل ومعضلاتٍ. وعليه سيكون الأسلوب بمثابة المحدد العام لما يتطارحه الفيلسوف من مفاهيم ودلالات وطاقات للمعنى في الحياة.

البعض يتعامل فلسفياً مع الأسلوب على أنه الطريقة المعبرة عن جوهرٍ ما منفصل عنها، وهذا خطأ شائع على نطاق واسعٍ، كأنّ هناك لباباً داخلياً عصياً على الوصف أو ماهية غامضة بمنأي عن التناول!! الأسلوب الفلسفي لا يُنتزع عن مضمونه وإلاَّ لغدا قالباً جامداً يصعب التخلص منه. وبخاصة أن الفلسفات تطرح أفكاراً خارج المألوف. كيف للأسلوب أن يشكل قيداً عليها؟! كما أن اساليب الفلسفة تتشكل في موضوعاتها. فهي ليست أدوات بل قضايا ومشكلات. يعاد اكتشافها، لأنها محل لمعان أعمق. المعنى هو ال الذي لا يفضل الغاية عن الوسيلة. إنه يضمن عدم وجود فجوة ويجد المادة هي الموضوع وهي الفكر في الآن.

الأسلوب هو مزج التفكير مع متطلبات الفعل انتاجاً للمعنى، فتبدو الأفكار طازجة وقادرة على الاقناع، بل قد تزداد تأثيراً. ليست المشكلة فيما إذا كان الاسلوب مناسباً أم لا، بل فيما يستطع تجسيده من إضافات مبتكرة. لأن الفلسفة تعتمد على ابتكار الرؤى والنفاذ إلى مساحات الحياة واستكشاف عوالم مجهولة من المعنى والوجود. بعض الناس يعتقد أن الفلسفة صناعة المرفهين تحليقاً خارج السرب.

و هذا أحد أسباب اهدار التفكير في مجتمعاتنا الإنسانية. لأن الفلسفة لا تكون حرةً إلاّ حين تكون الأفكار على حافة المصير. أي أما أن تفكر بكل طاقتك أو أن تساق إلى حتفك بصيغة الجمع وسط زحف القطيع. التفكير بطلاقة أو الموت لانقاذ المجتمعات من التخلف. الموت يعبر عن حلول الغسق وانحطاط الواقع وضياع الحضارة. وكل الحضارات كانت حاملة لبذور أسلوبية في غاية الأهمية بهذا المضمون. لأن اسلوب الفلسفة يبلور نمط الحياة الأكثر تحرراً.

أسلوب التفلسف يحدد اختلاف المفكرين والفلاسفة وأصحاب الرأي والسياسيين وأعلام المجتمعات، إنّه تباعاً يميز أفكارهم ويرسم إطار تأثيرها على نطاق واسعٍ. لا يؤثر الفيلسوف في متلقي أفكاره إلاّ بقدر ما يكون صاحب أسلوب نوعي عما سواه. قوة منطق التفكير الذي يشعر متلقيه بإثارة الأسئلة التي تُراود عقولهم. إنها قوة الطرح كوسيط من التفاصيل التي يجد فيها المجتمع فضاءً للتغيير، ويجد فيها الفرد مساحة للتطور والتنوع.

ولكن هل أسلوب الفلسفة مؤثر إلى هذه الدرجة؟ هل يمكن تطوير الأفكار طالما لدينا طرائق مميزة في طرحها؟ ما إطار الأسلوب فلسفياً من تلك الزاوية؟ أيُّ جديدٍ قدمه فيلسوف صاحب أسلوب في هذا السياق؟ ما السلبيات التي عساه أن يقع فيها فيلسوف طالما أن الأسلوب له قوة الفعل؟! هذه الاسئلة تعبر عن تطور الأسلوب في الفلسفة وتراجع دوره الحيوي. وبدلاً من أنْ يكون أسلوب الفلسفة غدا أسلوباً في الفلسفة. أي يبحث الدارسون والقراء عن أدوات دراسة الفلسفة لا الأسلوب كفعل حي. والبون شاسع تماماً، تحولت الفلسفة نفسها إلى أداة لا نمط حياة وفكر ورؤى للعالم. وهذا أمر يرجع إلى الحداثة التي أسست لمفهوم المجتمع بمعناه الحديث. نظام يخضع لمركزية سلطة ويجب حكمه بآليات خادمة لها. واعتبرت الأساليب أدوات تطبيق لا ابداع طرق جديدة في الحياة والعيش.

داخل / خارج الفلسفة

ليس الفكر منعزلاً عن الأسلوب. لأنَّ كل فكر فلسفي يحمل أسلوبه الخاص ويصح لبوجه الآخر: أن كل أسلوب مميز يستند إلى فكر مختلفٍ. فهما شيء واحد لا شيئان منفصلان بالضرورة. وقد درجت ألفاظنا العامة على التمييز بينهما دون مبرر إلاّ من تقليد موروث. الفكر الذي يغير يحتاج إلى إمكانية الطرح والتّحقُق. وليس ثمة ما نريد الوصول إليه دون أسلوب التفكير تجاه موضوعاته. الأسلوب يعني الطريقة، آليات العمل الفكري، بلورة التصورات والمفاهيم، إثارة القضايا، اختراق المألوف، تحقيق الأداء، إبلاغ الرسالة والمعنى، أدوات الطرح، تعميق المعاني، كشف المضمون لما هو قائم. الاسلوب يهدف إلى إنشاء محتوى قادر على مخاطبة عقولنا وأفعالنا جنبا إلى جنب.

وهذا معناه أنّ كل أسلوب هو طريقنا للتفكير الحقيقي، لا مجرد موضوع مطروح حيادياً. الأسلوب هو الفكر نفسه خلال معطياته التي يريدها. أنه ينحت مساراً باحثاً عن موضع قدم. وليس الطرح من نسيج العلاقة بين اللفظ والمعنى على طريقة الأدباء، ولا ثنائية الروح والجسد على غرار المتصوفة، ولا مفارقة التنظير والتطبيق فيما يري السياسيون، ولا بتراتب القيم والممارسة على شاكلة مواعظ رجال الاخلاق ولا على غرار الكهانة والطاعة في الأديان. ولكن أسلوب الفلاسفة يبلور محتوى الفكر والحياة كمادة للتناول، إنه (استراتيجية قائمة بذاتها) لا محض إلقاء تجاه موضوعات على مرمى النظر. كذلك لا يتعامل أسلوب الفلاسفة مع الأفكار كأنّها معطيات برانية، لكونه في اللحظة التي يعبر فيها هو يفكر ويعيد تشكيلها. وحينما يفكر، فإنَّه يغير نمط التعقل تجاه العالم بشكل متزامن لا متعاقب. ثم إن الفكر هو المجرى الحقيقي للحياة المعيشة. والحياة لا تعطينا كلمة نهائية، ولكنها عملية تجريب متواصل وادهاش ممتد.

استناداً إلى هذا، رأى فلاسفة مثل فتجنشتين أن الأسلوب مرهون بأثر اللغة، واللغة فكر تحت الاشتغال اليومي. اللغة متصل من المعاني يحقق الأسلوب والفكر معاً. ليس الأسلوب قشرة خارجية ولا يشكل وجوداً خفياً وراء العبارات، ولكنه الشخصية المفهومية المعبرة عن عمق الأفكار. حاول فتجنشين في مرحلة "الرسالة المنطقية الفلسفية Tractatus" أنْ يجعل الاسلوب إطاراً للفكر، حتى من جهة كتابة الرسالة. كتب هذا الفيلسوف صفحاتها (سطراً سطراً) في محاولة طموحة لتدوين الأفكار دون انحراف. أراد فتجنشتين محاصرة اللغة لكيلا تنفرط من المعنى. واعتقاده الجاري أنْ تحديد العباراة هو تحديد للمعنى في ذاته. اختزل الكلمات وقام بضغطها في جمل مقتضبة دالةً من أقصر الطرق. لا يترك الجمل مترهلة وسع التصورات، بل مشدودة إلى توتر عبر حالات من التفكير الدقيق. صحيح أن يقصد مطاردة افراغ المعنى، لكنه انزلق إلى تأكيد الاسلوب المتفرد للفلسفة. أنه لا انفصال بين المعنى والفكر ، بين المادة والصورة، بين الحقيق والدلالة، بين الكلمات والحياة.

أخطر ما أثاره فتجنشتين أن الاسلوب هو طريق الفكر والمعنى . أي في اللحظة التي نعبر فيها عما نفكر إنما يكون التفكير طريقاً للرؤية بما هي كذلك. وتقوم اللغة ليس بدور الناقل كما فهم بعض القراء، ولكن التفكير فعل لغة، فعل تعبير ، فعل معنى، فعل أسلوب يضم جميع هذا. بالتحديد سيكون فعل حياة طالما الإنسان كائن حي. وتلك المرحلة تمثل أصالة الفلسفة لا هدماً لها. على أساس أنَّ شبكة اللغة تجسد حضور المعنى. وهو اعتقاد خارج التحقق المباشر، ولكنه موجود في كل الأحوال، حتى وإنْ حاولنا صياغة العبارات باقتضاب وبصورة دالة. لأن الأسلوب يمثل– فيما يعتقد فتجنشتين– وسيلة احضار لا إشكال، مساحة أصالة لا أداة هامشية.

في مجمل تاريخ الفلسفة: " لا يعد الأسلوبُ وسيلةً مؤقتة، ولكنه فضاء من الحرية ..."، كل فلسفة لا تري في اسلوبها بُعداً كهذا لن تحقق امكانيات اللغة. ولن تكون مجديةً إزاء حركة الواقع. والاسلوب لا يقف عند حدود، لأنَّه قد يصبح هادماً لكل ما يواجهه. قد نطلق على ذلك نقداً أو فكراً متمرداً، غير أنَّ الفلسفة تتجاوز كل حالة هي لها. تقف الفلسفة أبعد وأقرب مما نتصور عن الأشياء في اللحظة نفسها. ذلك نتيجة كون الاسلوب قوةً (داخل / خارج الفلسفة). الفلسفات المؤثرة لا تعود إلى حصونها المظلمة كثيراً. بل هي ضرب من الاكتشاف المتواصل.

***

د. سامي عبد العال – أستاذ فلسفة

 

في المثقف اليوم