قراءة حول تأثير الإدراك في نشوء الصراع بين الهويات
مدخل: يتشكل هذا المقال من أفكار أساسية: الهوية تعبر عن انتماء إلى عناصر مختلفة (دين، عرق، لغة، طائفة، مذهب، قومية..)، وتكتمل الهوية من خلال إدراك المجتمع لذلك الانتماء، إذ لا يكفي توفر أي عنصر مالم يتحقق شرط الإدراك، ومن ثم ينشأ الاختيار الاجتماعي عبر قياداته النخبوية، لأحد تلك العناصر المتعددة، فتبرز إحدى الانتماءات على حساب الأخرى، وبعد ذلك إما أن تتم إدارة الاختلاف والتعدد بنحو متناسق يحفظ خصوصيات وحقوق الآخرين، أو يحدث الفشل في إدارة الاختلاف بنحو مقصود أو غير مقصود، ليتنامى الصراع والنزاع..
ويمكن تحديد الهوية بما لخصه أحد الباحثين في الموضوع بأنها: (أن الهوية تعبر عن كل من الميزات الفارقة والعلامات المميزة التي تمنح الخصوصية وترسم الحدود بين الديموغرافيا البشرية، وعن السقوف الجامعة ومناطات الاشتراك والاتفاق عند جماعة أو أمة ما. وعموما؛ هي مجمل السمات التي تخص عنصرا أو جماعة دون غيرها، والهوية فلسفيا تراكمية فلا توجد هوية الفرد حتى توجد هوية الجماعة والخلفية الجماعية التي يشغل الفرد مخيطا في نسيجها الكبير، ويعبر المنظور الفلسفي عن الهوية على أنها فرصة المطابقة والتشابه والتي تصنع بتظافرها هوية ثقافية لشعب لا يشركه فيها بكل محدداتها شعب آخر وإن اشترك معه ربما في بعضها. وللهوية مكونات أساسية تحدد ملامحها في كل جماعة أو أمة دون غيرها)[1]، والمشتركات يمكن إجمالها بنوعين من العناصر:
العناصر الثابتة: (اللغة، المكان، الجغرافية، الاقتصاد، التاريخ..)
العناصر المتغيرة: (الدين، المذهب، الثقافة، الوطن، القومية..)
وسبب التمايز ربما يكون نسبيا وضئيلا، لأن التغيير في الفئة الأولى يمكن أن يحدث ولكن بنحو نادر، في حين يطال التغيير –في الغالب- الفئة الثانية، فالصراعات الدينية والمذهبية والسياسة تفضي إلى تحولات في بنية وتكوين الهوية، وهو أحد أبرز تحديات الهوية.
ويمكن تحديد إشكالية الموضوع من نواحٍ عدة:
أولا: صراع الهويات، رغم تداخلها، فالهوية الوطنية يمكن أن تصطدم بالهوية القومية أو الدينية.
ثانيا: مخاوف التبديد، وهو ما يشكل هاجس الهوية المفقودة، وضمور المسمى الثقافي للإنسان، وتلاشي أصالته التي تشير إلى تاريخه وتراثه ومصادر قوته تجاه المجتمعات المباينة.
ثالثا: منعطفات التجديد، وهو ما يطرأ على الهوية من إضافات بنيوية إما بنحو من التراكم التاريخي، او التأثير القسري، وكلاهما محل اختلاف واسع.
يبدأ هذا صراع الهويات من إشكالية تحديد الهوية، وغالبا ما يتم تناول الهوية الوطنية والتي تمثل المحك الحقيقي لصراع الهويات، إذ تتجلى فيها أوجه الصراع بين الدين والعلمانية، وبقية الانتماءات القومية والقبلية، ومدى أولوية كل منها على الآخر، لذلك نجد أن الهوية الوطنية تتبدد وتذوب في الجوانب الدينية أو القبلية أو غيرها من الأطر التي تشكل هوية الإنسان.
الذاتي والموضوعي في تشكل الهوية:
يشير (أنتوني غدنز) إلى الذاتي والموضوعي في تشكل الهويات، فالعنصر الموضوعي –حسب تعبير- هو وجود الاختلاف والتباين في (اللغة او الدين او الثقافة..)، والعنصر الذاتي هو إدراك أفراد الجماعة لهذا الاختلاف والتباين[2]، وطبيعة الإدراك أو طريقته أو كيفيته، هو ما يحدد اتجاه المجتمع، نحو التعايش أو الصدام..
ربما يتجاوز فهمنا للهوية باعتبارها مجموعة من الصفات الثابتة التي يحملها الأفراد أو الجماعات، أواختزالها في مجرد شعور نفسي بالانتماء، لأن الهوية في واقعها تفاعل مستمر بين ما هو قائم في الواقع وما يتشكل في الوعي والإدراك، فهي تتكون من عناصر موضوعية يمكن ملاحظتها ووصفها، وعناصر ذاتية تتصل بطريقة إدراك الإنسان لهذه العناصر وتفسيرها ومنحها قيمة خاصة، فالجانب الموضوعي في الهوية يتمثل في مجموعة الخصائص المشتركة التي تجمع أفراد جماعة معينة، كاللغة والدين والتاريخ والثقافة والعادات والأرض والذاكرة الاجتماعية، وهي عناصر يمكن أن يلاحظها الباحث وأن يصفها وصفا علميا دون أن يدخل في دائرة التقييم أو الانحياز، ووجود هذه العناصر لا يكفي وحده لتكوين هوية حقيقية، إذ قد تتوافر الخصائص نفسها لدى جماعات متعددة من غير أن تشعر جميعها بأنها تمثل كيانا واحدا أو مصيرا مشتركا، وهو ما يدل على أن الوعي عنصر أساس في تشكل الهوية، فالهوية قد تتوفر عناصرها على أرض الواقع، وتبرز وتتشكل من خلال طريقة إدراك تلك الخصائص والعناصر في الواقع.
ومن هنا يظهر البعد الذاتي الذي يمثل الجانب الأكثر حيوية في تكوين الهوية، لأنه يعبر عن إدراك الجماعة لذاتها، وعن شعورها بالانتماء إلى إطار اجتماعي أو ثقافي معين، وعن الصورة التي ترسمها لنفسها في مقابل الآخرين، فاللغة، مثلا، تصبح عنصرا في بناء الهوية عندما يتم إدراكها لتتحول تباعا إلى رمز للانتماء وإلى خزين معرفي للثقافة والتاريخ، وكذلك الدين يؤدي هذا الدور من خلال إدراكه على أنه جزءا من الهوية، بنحو يحدد للمجتمع موقعه بين المجتمعات ويمنحه الوعي بالخصوصية.
ولذلك فإن العلاقة بين الذاتي والموضوعي في تشكل هوية علاقة تكامل، فالعناصر الموضوعية تمثل المادة الخام التي تستند إليها الهوية، بينما يتولى الإدراك الذاتي إعادة تنظيم هذه المادة وإكسابها معناها الاجتماعي والثقافي، ومن دون هذا الإدراك تبقى الخصائص المشتركة مجرد وقائع متفرقة مهملة غير ملحوظة، والإدراك نفسه لا يستطيع أن يصنع هوية مستقرة إذا انفصل عن أسس موضوعية حقيقية، لأن الهوية التي تستند على الانفعال وحده ربما تتحول إلى هوية هشة يسهل توظيفها في الصراعات أو الخطابات التعبوية، والسبب أن الهوية تشكلت عبر إدراك لعناصر وخصائص زائفة أو غير جديرة لأن تكون خصائص مميزة للهوية، كما حدث الصراع الطائفي على أساس غلبة الانتماء المذهبي على الانتماء الوطني.
إدراك الاختلاف وأثره في إدارة التعددية
وتتجلى أهمية هذا التمييز بصورة أوضح عند الحديث عن التعددية، إذ إن التعددية تعني وجود اختلافات بين الجماعات، و أنماط متعددة من الانتماء من المفترض أن تتعايش داخل المجتمع الواحد، فالإنسان يحمل في الوقت نفسه أكثر من دائرة للانتماء، فهو ينتمي إلى دين، ووطن، وثقافة، ومهنة، وأسرة، وجماعة علمية أو فكرية، وهذه الانتماءات لا تتعارض في أصلها، بل يمكن أن تتكامل إذا أُحسن ترتيبها ضمن منظومة متوازنة من القيم، لكنها تتعارض عندما يقع الخلل في طريقة إدراكها وإدارتها.
ومن الخطأ تفسير التعددية على أنها نتيجة حتمية للاختلافات الموضوعية، لأن التجربة الإنسانية تكشف أن مقدار الاختلاف لا يحدد وحده طبيعة العلاقة بين المجتمعات، فكثير من المجتمعات شهدت تعايشا واسعا رغم اختلاف اللغة أو الدين أو العرق، في حين عرف بعضها الآخر صراعات حادة بين جماعات لا تكاد تختلف إلا في تفاصيل محدودة، وهذا يعني أن العامل الحاسم لا يكمن في حجم الاختلاف الموضوعي، وإنما في الطريقة التي يتم قيها إدراك هذا الاختلاف.
ولهذا فإن الهوية قد تتحول من إطار طبيعي للتعريف بالذات إلى أداة للإقصاء، وذلك عندما يطغى العنصر الذاتي على العنصر الموضوعي، بمعنى وجود خلل في الإدارك، فيتم إدراك الآخر على أنه عدو، وتتم إعادة تفسير التاريخ والثقافة والرموز بطريقة تجعل الآخر مصدر تهديد دائم، وفي المقابل، يعد تجاهل البعد الذاتي والاقتصار على المعايير الموضوعية طريقا مفضيا إلى قراءة ميكانيكية للهوية، والإنسان لا يعيش الوقائع كما هي، وإنما يعيش المعاني التي يبنيها حولها، وهنا تبرز مشكلة الإدراك.
ومن هنا فإن إدارة التعددية تبدأ بالاعتراف بوجود الاختلاف، لأن الاختلاف سنة اجتماعية ملازمة للتنوع الإنساني، وتبدأ بنحو أدق ببناء وعي قادر على التمييز بين الحقيقة الموضوعية وبين التصورات الذاتية التي تتكون حولها، فالحقيقة الموضوعية تتضمن اختلاف العرق واللغة والدين..، ويحتاج المجتمع إلى إدراك متوازن لتلك الاختلافات، تجنبا لتوظيفها بشكل سلبي، وكلما ازداد المجتمع قدرة على إدراك هذا التوازن، أصبحت الهوية عاملا للتكامل والتعارف، وليس وسيلة لإنتاج الانقسام أو ترسيخ الصراع.
وعلى هذا الأساس يمكن القول أن الهوية بناء معرفي واجتماعي يتشكل باستمرار من التفاعل بين الواقع والإدراك، بين الخصائص المشتركة والوعي بها، وبين ما هو موضوعي وما هو ذاتي، ومن هنا فإن نجاح المجتمعات التعددية يعتمد على قدرتها على إدارة هذا التفاعل إدارة عقلانية تجعل الاختلاف مصدرا للإثراء الحضاري بدل كونه سببا للتنازع، وتجعل الانتماء وسيلة لبناء المشترك الإنساني.
إن التعددية لا تؤتي ثمارها إلا إذا تحولت إلى معتقد أخلاقي قائم على الإيمان بحق الآخر في الاختيار، بغض النظر عن التفسيرات المعرفية لأسباب التعدد، فبدون هذا الأساس الأخلاقي، يعجز النقد الخارجي والبحث الداخلي في الأديان عن إنتاج حلول إيجابية، بل ينزلقان إلى تشكيل “فرقة ناجية” جديدة بأسماء مختلفة[3].
ومن القيم القرآنية الواضحة على ذلك، هي التعارف، ومن هنا تبرز أهمية مفهوم التعارف الذي قرره القرآن الكريم في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا) [الحجرات: 13]، فالآية الكريمة تشير إلى سنة التنوع والتعدد من جهة، وتكشف عن الغاية الحضارية لهذا التنوع من جهة أخرى، إذ جعلت التعارف غاية ووظيفة إنسانية تنتج آثاراً تتجاوز حدود المعرفة المجردة، لتشمل بناء الثقة، وترسيخ الحقوق، وتحقيق السلم الاجتماعي والإنساني[4].
***
د. أسعد عبد الرزاق الأسدي
......................
[1]- ظ: علي محمد الصلابي، الهوية الوطنية ركن من أركان الدولة الحديثة المسلمة، مقال/موقع الجزيرة
[2]- ظ: أنتوني غدنز، علم الاجتماع، ص 313 ت: د.فايز الصياغ، مركز دراسات الوحدة العربية، ط1، 2005
[3]- ظ: عمار أبو رغيف، مقالات عراقية مقالات وبحوث الفكر والدين والفلسفة، ص ٥٧، ط ٢، دار المعارف، الحكمية، ٢٠١٩
[4]- ظ: الطباطبائي، الميزان، ج18، ص325- 350.








