كيف يمكن توضيح التجربة الإنسانية؟ هذا السؤال جرت معالجته من خلال حقلين منفصلين، اتخذ كل واحد منهما مسارا مختلفا للوصول الى هناك. كل من الفلسفة وعلم النفس يهتمان بالانسانية – بالناس وما يدفعهم للمعاناة، للتغيير، للتصرف، للتفكير. الفلسفة تصل الى هناك من خلال التأمل الذاتي، اما علم النفس يصل من خلال التجربة الميدانية. في هذا الاطار، الفلسفة وهي الشقيق الأكبر بينما علم النفس الشقيق الأصغر، يحاولان الإجابة على أسئلة طرحها الأخ الأقدم لأول مرة. كلا الحقلين يسعيان لفهم الأفكار والذات والعالم الذي يعيشان فيه بدءاً من ديكارت الى فرويد، كلاهما يطرحان أسئلة حول طبيعة الذات. فمثلا، الاخلاق جرى استكشافها بواسطة فلاسفة منذ سقراط وارسطو، لكن التطور الأخلاقي للأطفال جرى التحقق منه تجريبيا بواسطة عالِم النفس السويسري بياجيه piaget. وبكلمة أخرى، نستطيع القول ان الفلسفة توفر ركائزا لماهية الانسان، بينما علم النفس يوفر الأحجار او الصخور التي تُبنى عليها. لذا سننظر في ماذا نعني ان يكون الشخص انسانا وكيف اكتشفنا هذا من خلال هاذين الاتجاهين.
علم النفس الفلسفي المبكرر
"إعرف نفسك" التي قالها سقراط وقيلت له أيضا، هي تقريبا قيادة نفسية قبل قرون من ان يصبح علم النفس علما. في القرن الخامس قبل الميلاد، كان سقراط يتجول في أثينا بين المواطنين (الذين أغلبهم من الارستقراطيين)، محاولا جمع الحقيقة من خلال المحادثة والنقاش، وطرح الأسئلة عليهم. هذه "الطريقة السقراطية" في السؤال حاولت كشف التناقضات في عقائد الناس. تلميذ سقراط – افلاطون – في حوارات مثل مينو و يوثيفرو جعل سقراط يقول: "انا لا استطيع تعليم أي شخص أي شيء. انا استطيع فقط جعله يفكر".
افلاطون، في حواره الجمهورية، طور نظرية ثلاثية للروح. هو قسّم النفس الى عقل، وروح، وشهية. هذا كان انجازا تاريخيا سبق نظرية الشخصية الحديثة. لو قارناها مع نظرية فرويد في الايغو والانا الأعلى والهو، سنرى ان التقسيم مشابها.
في حوار مينو، افلاطون جعل سقراط يؤكد "نحن لم نُصنع خيّرين بواسطة الطبيعة، وانما بواسطة التدريب". الفكرة الأساسية هنا هي في الطبيعة مقابل التربية، وتأثيرات البيئة على السلوك. يمكن مقارنتها بنظرية التعلم في علم النفس.
في تلك الاثناء، كان ارسطو وهو تلميذ افلاطون اول من نظر في النفس من وجهة نظر بايولوجية وادراكية، الامر الذي جعله أحد الأصوات المؤسسة لعلم النفس البايولوجي. وقبل وقت طويل من بدء نظرية الادراك في إعطاء أفكار مشتقة تجريبيا حول الكيفية التي يفكر بها الناس، كتب ارسطو،"لا وجود لشيء بدون صورة" (De Anima، الكتاب الثالث، فصل 7). هو يقول ان التمثيلات الذهنية تعتمد على الحواس – البصر بالذات، بمعنى انك لا تستطيع التفكير حول أي شيء مالم تكون تعاملت سلفا مع ذلك الشيء من خلال حواسك.
الرواقيون في اليونان وروما القديمة قالوا ان السبب في وجود الانسان هو العقل الإلهي (لوغوس). هم قالوا أيضا اننا لدينا خيار إعادة تفسير معاناتنا عبر تطبيق قوة عقلية تعيد السلام النفسي والوضوح . ما يجعل الناس متضررين ليس بيئتهم وانما القصص التي يخلقونها لأنفسهم حولها. يذكر الرواقي سينيكا كيف ان الناس أحيانا يعمّقون تعاستهم بشكل غير ضروري: "نحن نعاني من التصور اكثر مما نعاني من الواقع"(سينيكا، رسائل أخلاقية الى ليسيوس، رسالة 13،"حول مخاوف لا أساس لها").
بلغة بسيطة، الرواقيون يقولون نحن نستطيع ان نتحكم في استجاباتنا العاطفية للحصول على هدوء الذهن. وكما يقول ماركوس اروليوس، "انت لديك السلطة على ذهنك وليس على الأحداث الخارجية"(التأملات). نحن لا نستطيع السيطرة على بيئتنا وهو ما يسبب لنا عدم السعادة، لكن عقلانيتنا تكمن في الكيفية التي نستجيب بها للتغيرات التي تحدث حولنا. الرواقيون اعتقدوا ان أحسن طريقة لتكون انسانا هي ان تشعر، تفكر، تخضع للاختبارات، تؤدي واجبك، وتكون قادرا على التفكير بهدوء حتى عندما تتعرض للتحديات من حولك ومن أي نوع.
هذا يقود مباشرة الى العلاج السلوكي المعرفي، او CBT، والذي يرى ان الناس يضخّمون مشاكلهم من خلال التفكير غير السليم المختل وظيفيا، لكن يمكن إعادة تدريب هذا التفكير ليعمل بشكل جيد. انه أيضا يتضمن ربط الأفكار النفسية حول الذاكرة الترميمية والتصور، لأن الناس يفسرون ما يحدث لهم استنادا على تجاربهم السابقة.
الدراسة التجريبية للذهن
لنعد الان الى القرن التاسع عشر حين اصبح علم النفس علما. في عام 1879 أوجد الفيلسوف وليم وندت williem wundt(1832-1920) اول مختبر للتجارب في حقل علم النفس. وفجأة تمت الإجابة على الأسئلة المطروحة من جانب الفلاسفة بطرق تجريبية، والسلوك جرى تسجيله كبيانات.
ان كلمة "psychology" هي ذاتها تعود الى اليونان حيث تحدّث عنها سقراط وافلاطون: النفس تعني الذهن او الروح، واللوغس تعني العقل او التوضيح، وبهذا فان "ology" تعني دراسة: لذا "علم النفس" حرفيا تعني "دراسة الذهن". لنقارن هذا بالفلسفة التي تعني حب الحكمة. من خلال علم النفس، تتم دراسة التجربة الإنسانية الان بطرق قابلة للاختبار حيث يمكن مقارنة البيانات. هذا نوع من الكشف لأنه فجأة تظهر هناك أجوبة، فمثلا، التحليلات الإحصائية للبيانات تساعدنا في قياس الاختلاف بين الناس وبهذا نستطيع تقرير الطبيعي او غير الطبيعي في سمة معينة. بهذه الطريقة، يعطينا علم النفس موضوعية اكبر في التحليل. انه أيضا يعطي للاستنتاجات السايكولوجية مصداقية فكرية بواسطة الدليل.
عند تعريف التجربة الإنسانية في علم النفس نحن نستعمل مختلف الاتجاهات مثل اتجاه التعليم الاجتماعي، الاتجاه البايولوجي، الاتجاه الادراكي، الاتجاه الاجتماعي، او الاتجاه السلوكي، فتتوفر مجموعة متنوعة من النماذج الفكرية للنظر الى السلوك البشري وكيف تُمارس الحياة، ولماذا مورست بتلك الطريقة. علماء الاعصاب رسموا خارطة الدماغ ونظروا في علم تشريح الاعصاب والكيمياء العصبية لفهم التجربة الإنسانية بيولوجيا. باستعمال هذا الاتجاه البيولوجي نستطيع ان نرى ان الكلام مرتبط بالفعالية في الفص الصدغي من الدماغ، وبالذات منطقتي بروكا و فيزنيكي اللتان تتحكمان بإنتاج اللغة والفهم.
ولو نظرنا في السلوكية behaviourism: نجد عالِم النفس الامريكي B.F. Skinner ، وتجربته في التعلم الشرطي على الجرذان والتي سمحت لنا بدراسة كيف يمكن ان يتقرر السلوك بالمكافآت والعقوبات (المعلومات جرى تبنّيها واستخدامها من جانب مؤسسات للحصول على السلوك الإنساني المرغوب). او في العالِم السلوكي بافلوف في تجربته الشرطية الكلاسيكية التي درست ردود فعل الكلب وكيف تتأثر بالاشارات، معطيا لنا فكرة حول ردود أفعال الناس. في تلك الاثناء، علماء النفس الادراكي نظروا في العمليات الفكرية، مثلا، كيف يؤثر التحيز والاستعداد السايكولوجي المبكر والذاكرة على الطريقة التي يعيش بها الناس. كذلك، التكنلوجيا مثل التصوير بالرنين المغناطيسي الوظيفي FMRI يمكن ان يساعدنا لرؤية الفعالية في الدماغ والذي يساعدنا في تشخيص الاضطراب العصبي مثل الزهايمر.
استنتاجات فلسفية
من كل هذا، نحن ربما نقول ان الفلسفة هي قياس نوعي للتجربة الإنسانية، بينما علم النفس هو قياس كمي. ان أصل الفلسفة هو في الفكر وحده، في الرغبة بإيجاد أجوبة من خلال التفكير، كما لوحظ في افلاطون ونظرياته حول الروح او سقراط من خلال اسئلته لتحفيز الناس للتفكير بطريقة نقدية تستنطق عقائدهم وربما تحدد اطارهم حول الحياة والأخلاق. بالمقابل، أساس علم النفس هو التجارب والبيانات، بأمل ايجاد أجوبة من خلال وسائل اكثر موضوعية. انه ليس مثاليا كما هي الفلسفة لأنه لا ينظر للامور كما ينبغي ان تكون بل كما هي في الواقع.
عند النظر الى دراسة التجربة الإنسانية، نجد أمامنا علم النفس والفلسفة كمادتين للاختيار. هما كلاهما يحققان في الهوية، التحفيز، والرغبة في فهم ما الذي يجعل الانسان انسانا. الفرق هو، احدهما يقوم بذلك عبر التوضيح العقلاني، والأخر من خلال العلم.
***
حاتم حميد محسن








