عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام فكرية

العيد معروفي: ولادة الطب السريري عند ميشيل فوكو

أركيولوجية النظرة الطبية وتحولات المعرفة والسلطة

المدخل: حين يصبح الجسد موضوعًا للمعرفة

ليس تاريخ الطب، في المنظور الفلسفي، مجرد سجلٍّ للأمراض التي اكتشفها الإنسان، أو للأدوية التي ابتكرها، أو للوسائل التي استعان بها لمقاومة الألم والموت؛ إنه، في أحد أبعاده العميقة، تاريخ التحولات التي مست علاقة الإنسان بجسده، والطريقة التي تعلّم بها النظر إلى المرض، واللغة التي صاغ بها خبرته بالألم، والمؤسسات التي نظّمت ممارسة العلاج. فالمرض، وإن كان واقعة جسدية، لا يظهر داخل التاريخ الإنساني في صورة واحدة ثابتة؛ إذ تتغير طرائق تشخيصه، وتفسيره، وتصنيفه، وتحديد موقعه من الجسد والحياة والموت، تبعًا لتحولات المعرفة والمؤسسات والممارسات.

من هذه العتبة الإشكالية ينطلق الفيلسوف الفرنسي ميشال فوكو* في كتابه ولادة الطب السريري، الذي صدر بالفرنسية سنة 1963م تحت عنوان Naissance de la clinique: Une archéologie du regard médical. ففي هذا المؤلَّف لا يتعامل فوكو مع الطب الحديث باعتباره نتيجة طبيعية لتراكم الاكتشافات، ولا يختزل نشأته في قصة انتصار العقل العلمي على المعتقدات القديمة، وإنما يستقصي الشروط التاريخية التي جعلت ظهور شكل جديد من الخبرة الطبية ممكنًا. إن سؤاله لا يتعلق بما عرفه الطب فحسب، بل بكيفية تشكّل ما أصبح بالإمكان معرفته، وبالتحولات التي أعادت ترتيب العلاقة بين ما يُرى وما يُقال، وبين الجسد الذي يعاني والخطاب الذي يفسّر معاناته.

صدر الكتاب في ترجمة عربية أنجزها إياس حسن، عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ضمن سلسلة «ترجمان»، سنة 2018، في 336 صفحة، بمراجعة سعود المولى. ويحمل عنوانه الفرنسي الكامل دلالة أساسية ينبغي عدم إغفالها، هي «حفريات النظرة الطبية»؛ فالمقصود ليس سرد تاريخ مؤسسة العيادة وحدها، وإنما تفكيك الشروط التي جعلت النظرة الطبية الحديثة ممكنة، وأعادت تشكيل موضوعها ولغتها وموقعها داخل المجتمع ]1 [.

يطرح هذا المشروع فرضية مركزية: إن نشأة الطب السريري تمثل تحولاً في منظومة المعرفة الطبية، وليس مجرد تطور في أساليب العلاج. فقد تحول مفهوم المرض من كونه شبكة من العلامات والأعراض التي تُفسر وفقًا لمفاهيم طبية سابقة، إلى كائن يُبحث عنه داخل الجسم، ويرتبط بموقع محدد، ويُفسر من خلال الفحص والتشريح والمقارنة السريرية. وهكذا، لم يعد الجسم مجرد ناقل للمرض، بل أصبح فضاءً تتجلى فيه إمكانات المعرفة الطبية الحديثة.

وعلى هذا الأساس، يمكن صياغة المشكلة التي توجه هذه المقالة على النحو التالي: كيف يفسر فوكو نشأة الطب السريري على أنها تحول في ظروف إنتاج المعرفة الطبية، وماذا تكشف هذه النشأة عن العلاقة بين المنظور الطبي والجسد والسلطة؟

أولًا: من تاريخ الطب إلى حفريات المعرفة الطبية

يقول ميشال فوكو Michel Foucault:" عندما أنهيت دراستي في حدود سنوات 1950-1955، كانت إحدى المشكلات المطروحة هي تلك المتعلقة بالمكانة السياسية للعلم ووظائفه الأيديولوجية التي يمكن أن يحملها [...] وبالنسبة إليّ يعني ذلك أن أقول الآتي: إذا طرحنا على علم معين مثل علم الفيزياء النظرية أو الكيمياء العضوية مشكلة علاقاته بالبنى السياسية والاقتصادية للمجتمع، ألا يعني ذلك أننا نطرح مشكلة شديدة التعقيد؟ [...] وهل يمكننا أن نرى عندما يتعلق الأمر بعلم «مشكوك فيه» مثل الطب النفسي، أن نحدد بطريقة مؤكدة تشابك آثار السلطة والمعرفة؟ إن هذا هو السؤال الذي أردت طرحه في كتابي مولد العيادة Naissance de la clinique بالنسبة إلى الطب. إن الطب، بلا أدنى شك، يتمتع ببنية علمية أقوى بكثير من الطب النفسي، ولكنه مندمج بعمق أكثر في البنى الاجتماعية" [2]

يمكن اعتبار هذا النص بمثابة مقدمة منهجية للطريقة التي تناول بها فوكو موضوع المرض في علاقاته بالطب النفسي والطب الفيزيائي، ومع المؤسسات الطبية والاجتماعية والسياسية أو السلطة، باستخدام معجم فلسفي ينتمي أساسًا إلى علم النفس والطب وعلم الأحياء، من كتابه الأول، المرض العقلي والشخصية، في تشخيص المرض وتحليله. [3]

لم يحظَ هذا العمل باهتمامٍ يُذكر من الباحثين؛ بل قلّل البعض من أهميته، معتبرين إياه من أوائل محاولات الفيلسوف، متأثرًا بالنظرية الماركسية وانتمائه للحزب الشيوعي. ومما لا شك فيه أن هذا التفسير قد تعزز بتغيير المؤلف نفسه لعنوان الكتاب عام ١٩٦٢، ليصبح "المرض العقلي وعلم النفس"، وكذلك عناوين الجزء الثاني، ورفضه أي ترجمة إنجليزية. فقد أراد أن يُنظر إلى كتابه "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي Histoire de la folie à l'âge classique " (١٩٦٢) باعتباره نقطة الانطلاق الحقيقية لعمله الفلسفي، وهو رأيٌ يُشاركه فيه معظم المتخصصين الذين درسوا فلسفته. ومع ذلك، فإن أي شخص يُمعن النظر في هذا الكتاب الصغير، المهم لموضوعه، سيجد، في رأيي، أنه يُشكّل نقطة انطلاق ما سيُطلق عليه فوكو لاحقًا "المنهج الأثري Archaeological method.". [4]

وهذا يبرر حقيقة أن قراءة هذا الكتاب، سواء في طبعته الأولى أو الثانية، تتضمن استخدام مجموعة من المصطلحات التي شكلت خطابات فوكو حول المرض، وأهمها: المرض والصحة، والمرض العقلي والمرض العضوي، والطب النفسي والطب العضوي، والطبيعي والمرضي، والمرض والمجتمع، وتجربة المرض والهياكل الاجتماعية أو ما يسميه العلاقة الداخلية والخارجية للمرض، والمرض والمعيار، وتجربة المرض والتاريخ، والمرض والوجود، والمرض والحياة، والمرض والفلسفة.

تكمن فرادة مشروع فوكو في قطيعته مع التاريخ التقليدي للأفكار العلمية. فالمؤرخ الذي يتتبع تطور الطب قد يبدأ بأسماء الأطباء، وتواريخ الاكتشافات، وتراكم النظريات، وانتقال الممارسة من مرحلة إلى أخرى. إلا أن فوكو يطرح سؤالاً مختلفاً: ما الظروف التي جعلت خطاباً طبياً معيناً ممكناً في فترة تاريخية محددة، دون غيرها؟ وكيف يمكن تنظيم مجموعة من الملاحظات والمفاهيم والممارسات ضمن إطار معرفي يضفي عليها معنى وشرعية؟

إنه ينتقل من السؤال عن تطور المعرفة إلى مُساءلة شروط إمكانها التاريخية. وهذا الانتقال لا يعني إنكار الوقائع الطبية أو التقليل من قيمة الاكتشافات، بل يعني أن الوقائع نفسها لا تدخل مجال المعرفة من دون أطر للملاحظة والتصنيف والتفسير. فالعلم لا يعمل في فراغ تاريخي؛ إذ يتشكل داخل لغة ومؤسسات وأدوات وطرائق للتدريب، ويستمد جزءًا من فاعليته من القواعد التي تحدد ما يمكن اعتباره دليلًا، وما يمكن إدراجه ضمن المرض، وما يُستبعد بوصفه معرفة غير موثوقة.

لهذا السبب، لا يسأل فوكو كيف أصبح الأطباء أكثر مهارة في ملاحظة الأعراض فحسب، بل كيف تغيرت بنية الملاحظة ذاتها، بحيث باتت العلامة السريرية قابلة للربط بموضع تشريحي، وأصبح الجسد فضاءً تنتظم داخله الأعراض وفق علاقات جديدة بين المرئي والقابل للتفسير.

وتنبغي الإشارة هنا إلى أن مفهوم «الحفريات» لا يحيل إلى البحث عن أصل أول نقيٍّ للطب، كما لو أن المعرفة الحديثة كانت كامنة منذ البداية في الممارسات القديمة، تنتظر لحظة انكشافها. إنه يحيل إلى استكشاف القواعد التاريخية التي تنتظم ضمنها الخطابات والمفاهيم والممارسات، وإلى تحديد التحولات التي تجعل بعض أنماط المعرفة ممكنة، فيما تفقد أنماط أخرى قدرتها على تنظيم الخبرة.

من هذا المنظور، تصبح ولادة الطب السريري جزءًا من تاريخ أوسع لتحولات العقل الغربي في أواخر القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر. إنها لحظة تتغير فيها العلاقة بين الكائن الإنساني والمعرفة التي تنتج عنه، ويغدو فيها الجسد موضوعًا يمكن استنطاقه من خلال المعاينة والفحص والتشريح، ضمن قواعد مهنية ومؤسساتية محددة.

وتكمن أهمية هذا المنهج في أنه يحرر تاريخ الطب من التصور الخطي الذي يجعل كل مرحلة مجرد درجة ناقصة تقود بالضرورة إلى المرحلة التالية. فالتاريخ، عند فوكو، لا يتحرك دائمًا وفق منطق التقدم المتصل؛ بل يعرف انقطاعات وإزاحات وتبدلات في قواعد إنتاج المعرفة. ومن ثم، فإن ظهور الطب السريري لا يُقرأ بوصفه اكتمالًا طبيعيًا لما سبقه، وإنما بوصفه تحولًا أعاد تعريف موضوع الطب وطرائق اشتغاله. [5]

ثانيًا: ولادة النظرة الطبية وتحول الجسد إلى موضوع للمعرفة

يُمثل مفهوم «النظرة الطبية» [6] أحد المفاتيح الأساسية لفهم كتاب ولادة الطب السريري. غير أن هذه النظرة لا تعني مجرد القدرة البصرية للطبيب على ملاحظة أعراض المرض، ولا تقتصر على امتلاك عين مدرّبة تستطيع اكتشاف ما يعجز عنه غير المتخصص. إنها، في دلالتها الفوكوية، طريقة تاريخية في تنظيم المرئي، وتحديد ما يستحق الملاحظة، وربط العلامات الظاهرة بما يمكن استنتاجه عن البنية الداخلية للجسد.

فليس كل ما يُرى يُفهم بالضرورة، وليس كل ما يُلاحظ يتحول تلقائيًا إلى معرفة. إن النظرة الطبية لا تكتفي باستقبال معطيات الجسد، بل تعمل ضمن شبكة من المفاهيم والإجراءات التي تمنح هذه المعطيات معناها. وقد يرى الطبيب عرضًا جسديًا، لكن دلالته تتحدد بحسب النظام المعرفي الذي يربطه بأعراض أخرى، ويضعه ضمن سياق تشخيصي، ويمنحه قيمة بوصفه علامة على مرض بعينه.

بهذا المعنى، لا توجد نظرة طبية خالصة من التاريخ، وكأن العين تمتلك قدرة محايدة على النفاذ إلى الحقيقة. إن ما يراه الطبيب يتداخل مع ما تعلّمه أن يبحث عنه، ومع اللغة التي يستخدمها لوصف ما يراه، ومع الأدوات التي تتيح له فحص الجسد، ومع القواعد التي تحدد كيفية الانتقال من الملاحظة إلى التشخيص.

لكن هذا لا يعني أن المرض اختراع لغوي، أو أن الجسد لا وجود له خارج الخطاب الطبي. فالمسألة أدق من ذلك: المرض بوصفه معاناة جسدية لا يُختزل في اللغة، غير أن تحوله إلى موضوع معرفي محدد، له اسم وتصنيف وموقع وآلية تفسير، يمر عبر تاريخ من الممارسات العلمية والمؤسساتية.

إن التحول الذي يدرسه فوكو يكشف، تبعًا لذلك، عن انتقال في العلاقة بين الجسد والمعرفة. فالجسد لم يعد مجرد سطح تظهر عليه الأعراض، بل صار بنية يمكن استكشافها وربط علاماتها بعمليات داخلية. ومع هذا التحول، أخذت الممارسة الطبية تعيد تنظيم العلاقة بين ما يظهر على سطح الجسد وما يُفترض وجوده في أعماقه.

وتظهر أهمية هذه المسألة حين ننتبه إلى أن النظرة الطبية لا تكتسب فاعليتها من قدرتها على الرؤية وحدها، بل من قدرتها على إنتاج علاقات بين العلامات. فالحمّى والألم وتغير لون الجلد واضطراب التنفس ليست مجرد وقائع متجاورة؛ إنها تصبح عناصر في شبكة تشخيصية حين تُقرأ وفق قواعد تسمح بربط بعضها ببعض، واستنتاج ما لا يظهر مباشرة للعين.

هكذا لا يكون الطبيب مجرد شاهد على الجسد، بل فاعلًا معرفيًا يشتغل داخل نظام محدد من الملاحظة والاستدلال. ويصبح تاريخ الطب، من هذه الزاوية، تاريخًا للتحولات التي مست شروط الرؤية والتفسير، لا تاريخًا للأجهزة والأدوات فحسب.

ولعل أهمية هذا التحليل تكمن في أنه يجعل النظرة الطبية موضوعًا للتفكير الفلسفي، بعد أن كانت تبدو ممارسة مهنية بديهية. فبدل أن نسأل فقط كيف يرى الطبيب المرض، ينبغي أن نسأل أيضًا: ما الذي يجعل شيئًا ما مرئيًا بوصفه مرضًا؟ وما الذي يمنح علامة جسدية بعينها قيمة تشخيصية؟ وكيف تتغير الإجابات عن هذه الأسئلة حين تتغير قواعد المعرفة ومؤسساتها؟

ثالثًا: من الأعراض إلى موضع المرض: الجسد بوصفه فضاءً تشريحيًا

من التحولات الأساسية التي يدرسها فوكو إعادة تنظيم العلاقة بين المرض والجسد. ففي أنماط من المعرفة الطبية السابقة، كان تفسير المرض يعتمد على تصورات عامة عن اختلال التوازن أو اضطراب الوظائف، وكانت الأعراض تُقرأ ضمن منظومات تفسيرية لا تتطابق بالضرورة مع الموضع التشريحي المحدد للمرض.

أما مع تشكل الطب السريري الحديث، فقد اكتسبت العلاقة بين الأعراض والبنية التشريحية أهمية متزايدة. وأصبح بالإمكان البحث عن موضع المرض داخل الجسد، وربط العلامات التي تظهر أثناء حياة المريض بما يكشفه التشريح بعد الوفاة.

لا يتعلق الأمر هنا بمجرد اكتشاف أن الجسد يتكون من أعضاء وأنسجة، فهذه المعرفة سبقت تشكل الطب السريري الحديث بقرون. إن المسألة تكمن في تغير الوظيفة المعرفية التي أُسندت إلى البنية التشريحية، وفي الطريقة التي أصبحت بها العلاقة بين المرض والموضع الجسدي جزءًا من تنظيم المعرفة الطبية.

يقول مُطاع صفدي:" ولذلك حين نبحث عن شغل الفكرة أو الدلالة ينبغي الالتفات بأبنيتها واحدا أبنيتها المتعددة. فالكلمات ليست معطوبة على الأشياء، ولكنها هي أيضا كذلك. وأهم كلمة: في: تدب على الأرض هي هذا الإنسان، عنوا: هذا الجسد. وإن دراسات الممارسات التي تقع على هذا الجسد، والذي يتبعها كذلك على أجساد أخرى، إنما هو موضوع الفلسفة في هذا العصر. ودون أن نعلن رؤية عن هذا المنطلق، فقد شرع مباشرة بتطبيقه. وكان شروعه ذاك إيذانا بمولد جسد مختلف، يكاد لا يكون جسدنا. لأننا لا نعرف من قبل تاريخا للجسد، واقتصادا سياسيا للجسد"[7] يكتب فوكو هذا التاريخ، وكذلك علومه المادية والإنسانية، انطلاقًا من سردية الجسد ومفاصله، بجوانبه الداخلية والخارجية، مراقبًا علاقاتٍ تُعدّ تحولاتٍ لا يمكن فهمها خارج حالتها المادية المُستحدثة. إن اكتشاف تاريخ الجسد وتجلياته بعد نقطة انطلاق الحداثة الحقيقية - أي ما بعد الحداثة - يعني أنه بمجرد فك شفرة الجسد وإدراك خصوصيته، يُرسم خطٌ واضحٌ بين الأيديولوجيا والفكر. يهتم الجسد، بهذا المعنى، بتأسيس تشريحٍ مكانيٍّ لأنشطته، موازٍ لتشريح أعضائه البيولوجية. [8] والتشريحان حيويان وحيّان. وفلسفة الحداثة البعدية هي النوط بها كتابة تاريخ التشريح الواحد لكل من مستوى حيوية الجسد المباشرة، ومستوى حيوية نشاطها من، فضائها الاجتماعي والاقتصادي السياسي، ليس عبر الدولة والمؤسسات السياسية والاقتصادية فحسب. لكن الأهم هو اكتشاف الجسد الآخر المتنازع إلى المنوال، إلى وحدة الصح العقلي، وانضباط الصاع العادة، وأخيرا إلى رمادية السجن. ذلك أن المؤسسات الفاضلة، تخابئا حتى يمكن الاستدلال على كلام الكيان العقلاني القائم يمكن استنطاق مضاداته.

يُمثل الجسد البشري الموقع الفريد الذي تتلاقى فيه جميع العلوم والممارسات الخاصة به وتتشابك. إن تتبع تاريخه يُتيح لنا فهم مادية الجسد ضمن علم آثار البنية المترابطة والثنائية للمعرفة والسلطة، من خلال تجلياتها المعقدة والمتتابعة. فمن الجسد الذي يُنظر إليه كقوة إنتاجية، أو حتى مجرد أداة للعمل المادي، إلى الجسد المُسيّس الخاضع للسيطرة الاقتصادية والاجتماعية، يبرز الجسد المُعذّب والمريض والمُغترب والمسجون على هامش هذه البنية. باختصار، جميع هذه الأجساد كائنات متناقضة. إن دراسة العلوم والمعارف المتعلقة بالجسد العامل، إلى جانب دراسة هذه الأنواع الأخرى من الأجساد، تكشف الإطار القانوني للجسد الخاضع للسيطرة والتطور التاريخي لمعانيه وأساليبه وممارسات السيطرة عليه. [9]

إن جسد (داميان) المعذب، سيظل هو ذاته دليل الجسد الآخر الانضباطي، حتى عندما ينتقل من مرحلة التعذيب المادي المباشر، والمفروض جماهيريا إلى نوع التعذيب الآخر الناعم، الموجه إلى الروح ← هذا الجسد، ويجري إخفاؤه وراء أسوار السجن المراقب جيدا، فإن الجسد/ الفالت (عكس الانضباطي) سيظل تاريخ مؤسسته الدليل والشاهد على مؤسسات الجسد الآخر: الانضباطي. ومن التعذيب في ساحة المدينة ووسط الجماهير-الملاذة كل الدناسة الحرفية الصاخبة والخفية. ومن التعذيب بفسخ اليدين والرجلين، وتقطيع اللحم والعظم [جسد داميان]. بكل الأدوات الممكنة، الأركيولوجية والمستحدثة، إلى هذا التعذيب الآخر المستجد الذي تتعاون عليه المجتمعات الانضباطية المغلقة، الموصوف بالتعذيب الناعم والمادي. [10]

والصامت والفن بدقة، والموزع بعدالة ومعرفة سواء في جغرافية الجسد الخارجية [أو جغرافيته الداخلية ← الروح]، إن الجسد الانضباطي الذي حلّ محلّ الجسد المُعّذب كما وصفه داميان خلال الإصلاحات الدستورية والقانونية التي أعقبت اضطرابات الثورة الفرنسية (عصر عودة الملكية)، إلى دخول المجتمع بأسره في شبكة من الانضباط المُعلن تشمل جميع مؤسساته وأنشطته. يُعبِّر فوكو عن هذه الشبكة، من منظور أثري، باعتبارها المستوى الميكروفيزيائي لانتشار الانضباط في جميع الأنشطة. وهكذا، يُشير الانضباط إلى السيطرة على النشاط ومراقبته، بدءًا من الفرد وصولًا إلى المجتمع، وفقًا لبنية سياسية تستند أساسًا إلى مبدأ توزيع السلطة، ومراكز القيادة، وأدوات التنفيذ، وهياكل علاقات القوة بين الأفراد والجماعات. [11]

لقد أسهمت الممارسة التشريحية في تعزيز إمكان المقارنة بين الأعراض السريرية والتغيرات العضوية. فإذا كان المريض يشكو ألمًا أو يعاني اضطرابًا في وظيفة معينة، أمكن البحث عن علامات مادية تقابل هذه الأعراض، ثم بناء علاقات تفسيرية بين ما لوحظ في أثناء الحياة وما كُشف عنه بعد الوفاة.

ومن هنا تتضح أهمية التلاقي بين الطب السريري والتشريح المرضي. فالمعاينة السريرية تمنح الطبيب معطيات عن الحالة الحية، بينما يكشف التشريح عن تغيرات داخلية قد تفسر بعض تلك المعطيات. ومن خلال الربط بين المجالين، يتكون نمط من المعرفة يسمح بتحديد مواضع المرض، وإعادة تفسير الأعراض على ضوء البنية العضوية.

غير أن هذا التحول لا ينبغي فهمه باعتباره انتقالًا بسيطًا من الخطأ إلى الصواب، أو من التخمين إلى الحقيقة المطلقة. إن فوكو يلفت الانتباه إلى أن ظهور علاقة جديدة بين العلامة والموضع والمرض يعني تغيرًا في تنظيم الخبرة الطبية ذاتها. فالجسد الذي أصبح قابلًا للفحص والتشريح لم يعد يُقرأ بالطريقة نفسها التي كان يُقرأ بها في نظام معرفي سابق.

وهنا تتكشف إحدى المفارقات الفلسفية العميقة: إن المعرفة التي تجعل المرض أكثر قابلية للتحديد والتفسير هي نفسها التي تعيد تنظيم الجسد باعتباره موضوعًا للفحص. فكلما اتسعت قدرة الطب على تحديد موضع المرض، تعززت إمكانات التدخل في الجسد، وأصبحت تفاصيله أكثر انكشافًا أمام الخبرة المتخصصة.

ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا التحول في إرادة السيطرة وحدها؛ فالتشريح والفحص والملاحظة أسهمت بالفعل في تطوير المعرفة الطبية، وفتحت إمكانات جديدة لتشخيص الأمراض وعلاجها. إن النقد الفوكوي لا يقتضي إنكار هذه المكاسب، بل يتيح فهم الشروط التي ظهرت ضمنها، والكيفية التي أصبحت بها المعرفة الطبية جزءًا من تنظيم اجتماعي ومؤسساتي أوسع.

رابعًا: المرض والموت وإعادة ترتيب حدود المعرفة

يحتل الموت موقعًا مركزيًا في تحليل فوكو، لأنه يمثل الحد الذي تنكشف عنده بعض البنى الداخلية للجسد، وتُعاد من خلاله قراءة العلامات التي ظهرت أثناء الحياة. ففي العلاقة بين المعاينة السريرية والتشريح، لا يظهر الموت مجرد نهاية للحياة، بل يغدو أيضًا لحظة معرفية يمكن أن تسهم في تفسير المرض.

وتنبع أهمية هذا التحول من أن الجسد الحي لا يكشف عن جميع عملياته الداخلية بصورة مباشرة. فقد يعجز الفحص السريري عن تحديد طبيعة بعض الاضطرابات، أو يظل تفسير الأعراض احتماليًا، إلى أن يكشف التشريح عن تغيرات عضوية تساعد على إعادة بناء المسار المرضي.

وهكذا تتشكل علاقة جديدة بين الحياة والموت داخل المعرفة الطبية. فالموت، الذي يبدو في الخبرة الإنسانية حدًّا نهائيًا للوجود، يتحول في الممارسة التشريحية إلى مجال للكشف عن البنية العضوية للمرض. ولا يعني ذلك أن الموت يفقد دلالته الوجودية أو الإنسانية، بل إن الطب يمنحه، ضمن شروط ممارسته العلمية، وظيفة معرفية محددة.

إن هذا التداخل بين الحياة والموت يكشف عن أحد التحولات التي يدرسها فوكو في تاريخ النظرة الطبية: فالمرض لم يعد يُفهم من خلال ما يقوله المريض أو ما يظهر على سطح جسده فقط، بل من خلال إمكان ربط هذه العلامات ببنية عضوية يمكن استكشافها.

ومع ذلك، فإن هذه العلاقة لا تخلو من حدود. فالمعرفة التي تُستخلص من التشريح لا تختزل التجربة التي عاشها المريض، كما أن اكتشاف تغير عضوي لا يساوي دائمًا تفسير جميع أبعاد المرض. فالألم، على سبيل المثال، ليس مجرد إشارة إلى خلل يمكن تحديد موضعه؛ إنه أيضًا تجربة معيشة تتصل بوعي الإنسان بجسده، وبخوفه، وبانتظاره، وبعلاقته بالآخرين.

وهنا يمكن استنتاج أن قوة النظرة الطبية الحديثة تكمن في قدرتها على تحويل بعض مظاهر المرض إلى موضوعات قابلة للفحص والتفسير، بينما يكمن حدها المحتمل في الميل إلى التعامل مع ما يمكن قياسه أو تحديده بوصفه الصورة الكاملة للمعاناة.

لكن ينبغي التمييز بين هذا الاستنتاج النقدي وبين موقف فوكو نفسه؛ فهو لا يقدم في الكتاب نظرية أخلاقية مكتملة عن تجربة المريض، بقدر ما يحلل التحولات التاريخية التي أعادت تشكيل المعرفة الطبية. ومن ثم، فإن توسيع تحليله نحو التجربة المعيشة يظل امتدادًا فلسفيًا ممكنًا، لا ينبغي نسبته إليه باعتباره قولًا مباشرًا.

خامسًا: المستشفى والعيادة وتحول المؤسسة الطبية

لا يمكن فهم ولادة الطب السريري بمعزل عن التحولات التي مست المؤسسة الطبية. فالعيادة والمستشفى ليسا مجرد مكانين محايدين يجري فيهما العلاج؛ إنهما فضاءان تنتظم داخلهما الممارسة الطبية، وتتحدد فيهما العلاقات بين الطبيب والمريض، وبين الملاحظة والتشخيص، وبين الخبرة الفردية والمعرفة القابلة للتداول والتعليم.

وقد أسهم تطور المؤسسات الاستشفائية في جمع المرضى ضمن فضاء يمكن فيه ملاحظة الحالات ومقارنتها، وتسجيل الأعراض، وتدريب الأطباء، وتبادل الخبرات. وبذلك اكتسبت المعرفة الطبية بعدًا جماعيًا ومؤسساتيًا، ولم تعد مقتصرة على خبرة الطبيب المنفرد أو على ما ينقله المريض عن معاناته.

إن وجود عدد من المرضى في مؤسسة واحدة أتاح إمكان المقارنة بين الحالات، ورصد أوجه التشابه والاختلاف، ومراجعة التشخيصات، وربط العلامات الفردية بأنماط مرضية أوسع. كما أسهمت الممارسة التعليمية في نقل الخبرة من جيل إلى آخر، وفي تحويل الملاحظة إلى ممارسة منظمة تخضع للتدريب والتقويم.

لكن المؤسسة الاستشفائية لا تنظم المعرفة وحدها؛ إنها تنظم الأجساد أيضًا. فالمريض يدخل فضاءً تحكمه مواعيد وإجراءات وتقسيمات وظيفية، ويصبح خاضعًا لسلسلة من الفحوص والتصنيفات والتدخلات التي تحدد موقعه داخل النظام الطبي.

وهنا يكتسب تحليل فوكو دلالته الاجتماعية والسياسية. فالمستشفى لا يمارس سلطة سياسية بالمعنى المباشر الذي تمارسه الدولة، لكنه يشارك في تنظيم الحياة الاجتماعية من خلال قواعد الملاحظة والتشخيص والعلاج. كما أن الطبيب لا يستمد سلطته من معرفته الفردية فحسب، بل من موقعه داخل مؤسسة تمنح أقواله قيمة مهنية، وتجعل قراراته ذات آثار عملية في حياة المرضى.

ومع ذلك، لا ينبغي إسقاط المفاهيم التي طورها فوكو في أعماله اللاحقة، خصوصًا مفهوم الانضباط، على كتاب ولادة الطب السريري بصورة آلية. فالمؤلَّف ينشغل أساسًا بتحولات المعرفة الطبية والنظرة السريرية، وإن كانت تحليلاته تفتح الطريق أمام مساءلة الصلات بين المعرفة والمؤسسات والسلطة.

والأدق أن نقول إن المؤسسة الطبية تصبح، في هذا السياق، شرطًا من شروط إنتاج المعرفة الحديثة، لأنها توفر فضاءً للملاحظة المنظمة والتوثيق والمقارنة والتعليم. وفي الوقت نفسه، تجعل الجسد موضوعًا لممارسات مهنية متخصصة، وتعيد ترتيب العلاقة بين المريض والطبيب.

من هنا، فإن السؤال الفلسفي لا يتمثل في إدانة المستشفى أو التشكيك في ضرورة وجوده، بل في فهم الكيفية التي تتحول بها المؤسسة إلى إطار ينظم ما يمكن معرفته عن الجسد، وما يمكن فعله به، ومن يملك صلاحية تفسير حالته واتخاذ القرار بشأنها.

سادسًا: المعرفة والسلطة في المجال الطبي

يُقرأ كتاب ولادة الطب السريري غالبًا في ضوء أطروحة فوكو المعروفة بشأن العلاقة بين المعرفة والسلطة. غير أن هذه العلاقة تحتاج إلى ضبط مفهومي، حتى لا يتحول التحليل إلى شعار عام يختزل كل معرفة في ممارسة للهيمنة.

فالسلطة، في التصور الفوكوي، لا تقتصر على القمع المباشر أو إصدار الأوامر؛ إنها تظهر أيضًا في تنظيم الممارسات، وتحديد المعايير، وتوزيع المواقع، ومنح بعض الخطابات شرعية أكبر من غيرها. والمعرفة، من جهتها، ليست مجرد مجموعة من المعلومات المحايدة المنفصلة عن شروط إنتاجها، بل تتشكل ضمن مؤسسات وممارسات تحدد كيفية جمع الأدلة وتفسيرها واعتمادها.

في المجال الطبي، تتجلى هذه العلاقة في المكانة التي يكتسبها الطبيب بوصفه صاحب معرفة متخصصة، وفي قدرة المؤسسة الطبية على تصنيف الحالات، وتحديد ما يعد طبيعيًا أو مرضيًا، وتنظيم مسارات العلاج. فالتشخيص لا يقتصر على وصف الحالة؛ إذ قد تترتب عليه قرارات بشأن العلاج، والإقامة في المستشفى، والحاجة إلى تدخلات إضافية، وطبيعة العلاقة بين المريض ومحيطه.

لكن لا يعني ذلك أن الطبيب يمارس سلطة اعتباطية، أو أن المعرفة الطبية مجرد غطاء لإرادة السيطرة. فالخبرة الطبية تستند إلى إجراءات علمية، ويمكن إخضاعها للنقد والمراجعة، كما أن العلاج يقدم منافع حقيقية للمرضى. إن ما يلفت إليه فوكو هو أن الفاعلية العلمية لا تلغي البعد المؤسسي والاجتماعي للمعرفة.

وبذلك يمكن التمييز بين مستويين متداخلين: مستوى معرفي يتعلق بكيفية إنتاج الحقيقة الطبية، ومستوى مؤسساتي يتعلق بكيفية تنظيم استعمال هذه الحقيقة وآثارها. ولا يستلزم تحليل المستوى الثاني إنكار صلاحية الأول، كما لا يقتضي الاعتراف بالقيمة العلمية للطب تجاهل علاقات السلطة التي تحيط بممارسته.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة العيادة الحديثة بوصفها فضاءً تلتقي فيه المعرفة بالقرار. فالمريض لا يعرض جسده فحسب، بل يدخل في علاقة مع خطاب يمتلك أدوات التسمية والتصنيف والتفسير. وقد تكون هذه العلاقة ضرورية للعلاج، لكنها تظل قابلة للمساءلة من حيث حدود تدخل الطبيب، وموقع المريض في اتخاذ القرار، ومدى احترام خصوصيته وحقه في فهم حالته.

وهنا تبرز مسألة أخلاقية لا تقل أهمية عن المسألة المعرفية: هل تكفي قدرة الطب على معرفة الجسد لتبرير كل أشكال التدخل فيه؟ إن الجواب يقتضي التمييز بين ما يستطيع الطب فعله من الناحية التقنية، وما يجوز له فعله من الناحية الأخلاقية. فالمعرفة تمنح إمكانات للفعل، لكنها لا تنتج وحدها المعايير التي ينبغي أن توجه هذا الفعل.

ولئن لم يضع فوكو في هذا الكتاب نظرية معيارية مكتملة للأخلاق الطبية، فإن تحليله يتيح فتح المجال أمام أسئلة تتعلق بكرامة المريض، وحقه في المشاركة في القرار، وحدود السلطة المهنية، والعلاقة بين المصلحة العلاجية والاستقلال الفردي.

سابعًا: المريض بين الجسد المعاين والتجربة المعيشة

من أبرز المسائل التي يمكن استنباطها نقديًا من تحليل فوكو أن المعرفة الطبية، حين تنظم الجسد بوصفه موضوعًا للفحص، قد تميل إلى إعلاء العلامات القابلة للملاحظة والتصنيف على حساب بعض أبعاد التجربة المعيشة. فالمريض يأتي إلى الطبيب حاملًا ألمًا وخوفًا وانتظارًا، لكن هذه الخبرة لا تدخل إلى المجال السريري إلا من خلال أشكال محددة من التعبير والوصف والفحص.

لا يعني ذلك أن الطب يتجاهل المريض بالضرورة، بل إن الممارسة السريرية تفرض ترجمة المعاناة إلى لغة قابلة للتشخيص. فالألم الذي يصفه المريض يحتاج إلى تفسير، والعلامة التي يلاحظها الطبيب تحتاج إلى تصنيف، والحالة التي تعرض أمام المؤسسة الطبية تحتاج إلى توثيق. ومن خلال هذه العمليات، تتحول تجربة فردية إلى موضوع يمكن أن تتعامل معه المعرفة المتخصصة.

غير أن هذه الترجمة قد تصبح مشكلة حين يُختزل المريض في ملف طبي، أو تُختزل معاناته في مجموعة من المؤشرات، أو يُعامل صوته باعتباره أقل قيمة من نتائج الفحوص. فالإنسان ليس جسدًا بيولوجيًا فحسب، وإن كان جسده يمثل شرطًا أساسيًا لوجوده؛ إنه أيضًا ذات تعيش المرض وتمنحه معنى، وتعيد ترتيب حياتها وعلاقاتها في ضوئه.

ويمكن هنا الاستفادة من التمييز الفلسفي بين الجسد بوصفه موضوعًا للمعرفة والجسد بوصفه تجربة معيشة. فالأول هو الجسد الذي يُفحص ويُقاس ويُصنَّف، أما الثاني فهو الجسد الذي نحيا من خلاله، ونختبر الألم والتعب والضعف والقدرة والحركة. ولا ينبغي إقامة تعارض مطلق بينهما؛ فالمعرفة الطبية تحتاج إلى فحص الجسد، لكن فهم المريض يحتاج أيضًا إلى الإصغاء إلى تجربته.

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الطب المعاصر، حيث تتزايد إمكانات التصوير والتحليل المخبري والقياس الرقمي. فكلما ازدادت قدرة الطب على إنتاج البيانات، ازدادت الحاجة إلى التفكير في العلاقة بين البيانات والشخص الذي تمثله. إن الملف الطبي قد يكون دقيقًا في وصف المؤشرات الحيوية، لكنه لا يستنفد بالضرورة ما يعنيه المرض في حياة صاحبه.

وبهذا المعنى، يمكن توسيع الدلالة الفلسفية لكتاب فوكو دون اختزال أطروحته في نقد للطب. فالتحليل التاريخي للنظرة الطبية يدعونا إلى التساؤل عن حدود المعرفة الموضوعية حين تتعامل مع الإنسان، وعن إمكان الجمع بين الدقة العلمية والإنصات إلى المريض، وبين تشخيص المرض واحترام خصوصية التجربة الإنسانية.

إن الرهان ليس استبدال المعرفة الطبية بالانطباعات الذاتية، بل بناء علاقة أكثر توازنًا بين الفحص العلمي والخبرة المعيشة. فالطب الذي ينصت إلى المريض لا يتخلى عن علميته، بل يوسع أفق الممارسة العلاجية لتشمل الإنسان في أبعاده الجسدية والنفسية والاجتماعية.

ثامنًا: من ولادة الطب السريري إلى نقد العقل الطبي المعاصر

تتجاوز أهمية كتاب ولادة الطب السريري حدود القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر، لأن أسئلته تظل قابلة للاستحضار في سياقات طبية معاصرة، وإن كانت تلك السياقات تختلف عن الشروط التاريخية التي حللها فوكو.

فالتقدم التقني الذي عرفه الطب الحديث وسّع بصورة كبيرة إمكانات التشخيص والتدخل. ولم يعد الجسد مرئيًا من خلال المعاينة المباشرة وحدها، بل أصبح بالإمكان استكشافه بواسطة التصوير الطبي والتحاليل المخبرية والاختبارات الجينية وأنظمة معالجة البيانات. وقد أتاحت هذه الأدوات اكتشاف أمراض في مراحل مبكرة، وتطوير علاجات أكثر دقة، وتحسين فرص النجاة من حالات كانت تُعد في الماضي شديدة الخطورة.

لكن هذا التوسع في إمكانات الرؤية يثير أسئلة فلسفية جديدة: هل كل ما يمكن قياسه ينبغي أن يصبح موضوعًا للتدخل؟ وهل يؤدي تراكم البيانات إلى فهم أفضل للإنسان بالضرورة؟ وما الحدود الأخلاقية التي ينبغي أن تحكم استخدام المعلومات الصحية، ولا سيما حين تصبح هذه المعلومات قابلة للتخزين والتبادل والتحليل الآلي؟

لا يقدم فوكو أجوبة مباشرة عن جميع هذه الأسئلة، إذ لم تكن التقنيات المعاصرة موضوع كتابه. غير أن منهجه يتيح فحص الشروط التي تنتظم ضمنها الممارسة الطبية، والسؤال عن كيفية تحول البيانات إلى معرفة، والمعرفة إلى قرار، والقرار إلى تدخل في حياة الأفراد.

ويمكن أن نضيف إلى ذلك أن الطب الرقمي يعيد تشكيل مفهوم النظرة الطبية نفسه. فالعين التي تفحص الجسد لم تعد بالضرورة عين الطبيب وحده؛ إذ تشاركها أجهزة التصوير، والخوارزميات، وقواعد البيانات، وأنظمة دعم القرار السريري. وقد تتوزع عملية التشخيص بين الطبيب والمؤسسة والآلة، بما يطرح أسئلة تتعلق بمسؤولية القرار، وشفافية الأدوات، وحدود الثقة في النتائج التقنية.

وهنا تصبح الحاجة إلى القراءة الفلسفية أكثر إلحاحًا، لا لأن الطب فقد قيمته العلمية، بل لأن اتساع قدرته على التدخل يستلزم اتساع التفكير في شروط استخدامها. فكل تقدم تقني يفتح إمكانات علاجية جديدة، لكنه يفرض أيضًا مراجعة مستمرة للعلاقة بين المعرفة والخصوصية والمسؤولية والاستقلال الفردي.

ومن ثم، لا تكمن راهنية فوكو في تقديم وصفة جاهزة لإصلاح الطب المعاصر، بل في تعليمه كيفية مساءلة البديهيات التي تحكم الممارسة العلمية. إنه يدعونا إلى ألا نكتفي بالسؤال عما يستطيع الطب معرفته، بل أن نسأل أيضًا كيف ينتج هذه المعرفة، وما المؤسسات التي تمنحها شرعيتها، وما الآثار التي تترتب عليها حين تتحول إلى ممارسة يومية.

حدود القراءة الفوكوية وإمكانات نقدها

على الرغم من الأهمية الفلسفية لكتاب ولادة الطب السريري، فإن مقاربته تظل قابلة للنقد والمراجعة. فمن الممكن التساؤل عما إذا كان التركيز على التحولات في الخطاب والنظرة والمؤسسة يمنح البعد المعرفي للطب حقه الكامل، أم أنه قد يدفع أحيانًا إلى التقليل من أهمية الاكتشافات العلمية والتجارب العملية التي أسهمت في تطوير الممارسة الطبية.

فالطب الحديث لم يتشكل عبر التحولات الخطابية والمؤسساتية وحدها، وإنما استفاد كذلك من تطور أدوات الفحص، وتراكم المعارف التشريحية والفيزيولوجية، وتحسن طرائق التجربة، وتطور الكيمياء والبيولوجيا. ومن ثم، فإن تفسير نشأته يقتضي الجمع بين دراسة شروط إنتاج المعرفة وتحليل الإنجازات العلمية الفعلية، دون اختزال أحد المستويين في الآخر.

كما يمكن التساؤل عن مدى قدرة مفهوم «النظرة الطبية» على تفسير جميع أبعاد الممارسة العلاجية. فالطب لا يقوم على المشاهدة وحدها؛ إذ يتضمن الاستماع إلى المريض، والاستدلال الاحتمالي، واتخاذ القرار في ظل عدم اليقين، وتقدير المخاطر والمنافع، وبناء علاقة علاجية تتطلب التواصل والثقة. وقد لا تظهر هذه الأبعاد كلها بالوضوح نفسه داخل التحليل الذي يركز على تنظيم المرئي.

وثمة مسألة أخرى تتعلق بالعلاقة بين المعرفة والسلطة. فإذا كانت كل معرفة طبية تُدرس في سياقها المؤسسي والاجتماعي، فلا ينبغي أن يؤدي ذلك إلى التعامل مع الحقيقة العلمية باعتبارها مجرد أثر لعلاقات القوة. فالقول إن المعرفة تتشكل تاريخيًا لا يساوي القول إن صلاحيتها العلمية غير موجودة، كما أن الكشف عن المصالح التي قد تتداخل مع إنتاجها لا يغني عن اختبار أدلتها ومراجعة نتائجها.

ومن المهم، في هذا السياق، التمييز بين النقد الفلسفي للطب وبين النزعة التي تشكك في الطب من حيث هو علم وممارسة علاجية. ففوكو لا يدعونا إلى التخلي عن المستشفى أو رفض التشخيص أو إنكار فوائد المعاينة السريرية؛ إنما يدعونا إلى فهم تاريخية الأشكال التي اتخذتها هذه الممارسات، وإلى إدراك أن المعرفة العلمية لا تنفصل عن المؤسسات التي تنتجها وتنظمها.

وعليه، فإن القيمة الأعمق للمقاربة الفوكوية لا تكمن في تقديم تاريخ بديل للطب فحسب، بل في فتح مجال نقدي يسمح بدراسة شروطه المعرفية والاجتماعية والأخلاقية. ويكون هذا النقد أكثر إنتاجية حين يجمع بين احترام الدليل العلمي ومساءلة الممارسات المؤسسية، وبين الاعتراف بقدرة الطب على العلاج والانتباه إلى الحدود التي ينبغي ألا يتجاوزها.

إن قراءة فوكو لا ينبغي أن تتحول إلى عقيدة تفسيرية مغلقة، بل إلى أداة تساعدنا على طرح أسئلة جديدة حول الممارسة الطبية، وتتيح لنا التمييز بين ما هو علمي في التشخيص والعلاج، وما هو مؤسساتي في تنظيم الممارسة، وما هو أخلاقي في العلاقة بين الطبيب والمريض.

الخاتمة: الطب بوصفه معرفة وتاريخًا ومسؤولية

يكشف كتاب ولادة الطب السريري أن نشأة الطب الحديث لا يمكن فهمها بوصفها قصة تقدم تقني متصل فحسب؛ إنها أيضًا تاريخ لتحول شروط الرؤية والمعرفة، ولإعادة تنظيم العلاقة بين الجسد والمرض والخطاب والمؤسسة. فمن خلال مفهوم «النظرة الطبية»، يوضح فوكو أن الجسد لا يدخل مجال المعرفة بوصفه معطًى شفافًا ومكتمل الدلالة، بل يصبح موضوعًا للفحص والتفسير داخل نظام تاريخي محدد من المفاهيم والممارسات.

وقد أسهمت التحولات التي شهدتها المعاينة السريرية والتشريح المرضي والمؤسسات الاستشفائية في إعادة ترتيب العلاقة بين الأعراض ومواضع المرض، وبين الخبرة الفردية والمعرفة المهنية، وبين ما يعيشه المريض وما يستطيع الطبيب ملاحظته وتفسيره. وبذلك لم تتغير وسائل العلاج وحدها، بل تغيرت كذلك الشروط التي جعلت الجسد قابلًا للمعرفة الطبية الحديثة.

غير أن هذه القراءة لا تستدعي اختزال الطب في السلطة، ولا إنكار المكاسب العلمية التي حققها. إنها تضعنا أمام ضرورة التمييز بين القيمة العلمية للمعرفة الطبية، والشروط التاريخية التي تنظم إنتاجها، والآثار الاجتماعية والأخلاقية المترتبة على ممارستها. فالعلمية لا تعني انعدام التاريخ، كما أن التاريخية لا تعني انعدام الحقيقة.

إن الدرس الفلسفي الذي نستخلصه من فوكو هو أن المعرفة الطبية، كلما ازدادت قدرة على الكشف والتشخيص والتدخل، أصبحت مطالبة بتعميق وعيها بشروط اشتغالها وحدود سلطتها. فالجسد الذي يراه الطبيب ليس مجرد موضوع صامت للفحص، بل جسد إنسان يختبر المرض ويعيش آثاره، ويملك حقًا في المعرفة والمشاركة والكرامة.

ولعل هذا هو الأفق الذي يمنح كتاب ولادة الطب السريري راهنيته: إنه لا يسألنا فقط كيف وُلد الطب الحديث، بل يدفعنا إلى التفكير في نوع العلاقة التي ينبغي أن تقوم بين المعرفة الطبية والإنسان. فالطب، في نهاية المطاف، لا يكتسب معناه الكامل من قدرته على رؤية الجسد وحده، وإنما من قدرته على تحويل المعرفة إلى علاج مسؤول، دون أن يفقد الإنسان داخل تفاصيل جسده القابلة للفحص.

وبهذا المعنى، لا تكون حفريات النظرة الطبية مجرد تمرين في تاريخ الأفكار، بل دعوة إلى مساءلة العلاقة بين العلم والإنسان، وبين المعرفة والمسؤولية، وبين ما تستطيع المؤسسة الطبية أن تراه وما ينبغي لها أن تصغي إليه. فحين يصبح الجسد موضوعًا للمعرفة، تظل كرامة الإنسان هي الأفق الأخلاقي الذي ينبغي أن يوجّه استعمال هذه المعرفة.

***

بقلــم: الدكتور معروفي العيد

..........................

الهوامش والمراجع:

*ميشال فوكو (بالفرنسية: Michel Foucault) (1926م -1984م) فيلسوف فرنسي، يعتبر من أهم فلاسفة النصف الأخير من القرن العشرين، تأثر بالبنيويين ودرس وحلل تاريخ الجنون في كتابه «تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي»، وعالج مواضيع مثل الإجرام والعقوبات والممارسات الاجتماعية في السجون. ابتكر مصطلح «أركيولوجية المعرفة». أرّخ للجنس أيضاً من «حب الغلمان عند اليونان» وصولاً إلى معالجاته الجدلية المعاصرة كما في «تاريخ الجنسانية».

[1] ميشال فوكو، ولادة الطب السريري، ترجمة إياس حسن، مراجعة سعود المولى، الدوحة/بيروت : المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، سلسلة «ترجمان»، الطبعة الأولى، 2018، 336 صفحة. يُنظر في (المقدمة).

كما تناول في كتاب "المراقبة والمعقابة" السجن وعلاقته بنموّ الجسد المنضبط والوديع كنتيجة للعقاب المرتبط بالنظرية النفعية للألم، وكما في "تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي" الذي ربط نشوء المصحّة بتطوّر حقل الطب النفسي وتقنيات السلطة، يأتي هذا الكتاب مكمّلاً لمشروعه وعاقداً الصلة بين نشأة مؤسسة الرعاية الصحية وتطور ما يُسميه الفحص أو النظرة الفاحصة، مما يُتيح للطبيب فهم ما يحدث داخل الجسم والتوصل إلى تشخيص دقيق. ومن هذه النقطة، يُنقل المريض من بيئته الطبيعية -أي المنزل والأسرة -إلى المستشفى، الذي يُصبح مكانًا للرقابة المُكثفة واكتساب المعرفة، وهو ما يُذكّرنا بحديثه عن السجون.

[2] Michel Foucault, «Entretien avec Michel Foucault», in : Dits et écrits 1954-1988, vol. 3 (Paris : Gallimard, 1994), pp. 140–141.

نقل من مقال: زواوي باغورة، المرض بوصفه تجربةُ وخطابًا: بحث في سياسة المرض عند ميشال فوكو ودورها في الفلسفة الاجتماعية المعاصرة، مجلة تبين ــــــــــ (الدوحة) قطر، العدد 35/9 شتاء2021، ص ص14-15.

[3] المرجع ذاته، ص 15.

[4] المرجع ذاته، الصفحة ذاتها.

[5] لم يكن الفكر الطبي وممارسته في القرنين 17 و18 يتمتعان بالوحدة، أو على الأقل، بالانسجام الذي عرفنا به في عصرنا الراهن. فعالم الشفاء، وفق مبادئ تنتظم بهذا الشكل أو ذاك، إلى ميدان الطب، ولم تكن النظرية الطبية والتحليل الفيزيولوجي وملاحظة الأعراض تقوم دائماً بدور المراقبة الدقيقة. وقد سبق أن رأينا كم كان الحجز والاستشفاء منفصلين عن عالم الطب، ولكن في الطب ذاته لم يكن هناك تواصل حقيقي بين النظرية والعلاج.

ولقد حافظ عالم الاستشفاء، بمعنى ما، على صلابته واستقراره، وكان أكثر ارتباطاً بمعتقداته، إلا أنه كان أقل صرامة في تطوره، وأقل حرية في استشراف تجديد جذري. والآفاق التي أتاحت الاستطلاعات الفيزيولوجية اكتشافها مع هارفي Harvey وديكارت وويليس، لم تتحدث، في تقنيات العلاج، بابتكارات من نفس المستوى. ميشال فوكو، تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي، ترجمة: سعيد بنكراد، بيروت: المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، 2006، ص، 315.

[6] Michel Foucault, Naissance de la clinique : Une archéologie du regard médical, Paris : Presses Universitaires de France, 1963. ويُستحسن الرجوع إلى الطبعة الفرنسية عند إجراء مقارنة نصية دقيقة بين المفاهيم الأصلية والترجمة العربية.

[7]  ميشال فوكو، المراقبة والمعاقبة : ولادة السّجن، ترجمة علي مقلد، بيروت : مركز الإنماء القومي، ط1 1990، ص، 34. يفيد هذا الكتاب في دراسة العلاقة بين الجسد والمؤسسة والانضباط، مع الانتباه إلى اختلاف موضوعه ومفاهيمه عن موضوع ولادة الطب السريري.

المصدر ذاته، الصفحة ذاتها. [8]

المصدر ذاته، الصفحة ذاتها. [9]

المصدر ذاته، ص ص، 34-35. [10]

المصدر ذاته، ص، 35.[11]

في المثقف اليوم