أقلام حرة
صابر الحميدي: العملُ جزءٌ من حياتك.. وليس حياتك
العملُ طريقٌ نمشيه، وليس سماءً نسكنها. هو مركبٌ نعبر به النهر، وليس النهرَ كلَّه. نستيقظ لأجله ونتعب فيه، وننجز أحيانًا ونُخفق أحيانًا أخرى، لكننا لا نُختزل في وظيفةٍ نشغلها، ولا تُقاس أعمارُنا بعددِ الاجتماعات التي نحضرها، ولا تُوزن أرواحُنا بميزانِ الراتب الذي نتقاضاه.
العملُ ضرورةٌ من ضرورات الحياة، لكنه ليس هويةً كاملةً تُعرّفنا من كل الجهات. هو صفحةٌ في كتابك الكبير، فلا تسمح له أن يلتهم فصول الكتاب كلَّها.
كم من إنسانٍ ظنّ أن مكتبه هو العالم بأسره، فلما أغلق الباب مساءً وعاد إلى بيته، اكتشف فراغًا أكبر من الملفات التي رتّبها، وصمتًا أثقل من رسائل البريد الإلكتروني التي أجاب عنها.
هناك، في المسافة الفاصلة بين الدوام والبيت، يسألك قلبك سؤالًا صريحًا: من أنت بعيدًا عن لقبك الوظيفي؟ الحياة أوسع من سيرةٍ ذاتيةٍ نُحسن تنسيقها.
الحياة هي ضحكةُ طفلٍ تفتح نافذة الفرح، وطمأنينةُ أمٍّ تدعو لك في صمت، وصديقٌ ينتظرك بلا موعدٍ رسميٍّ ولا جدول أعمال، وكتابٌ يفتح لك نافذةً على ذاتك، وصلاةٌ تُعيد ترتيب الفوضى في صدرك وتمنحك سكينةً عميقة.
اعملْ بإتقانٍ وإخلاص، لكن لا تُسلّم روحك لدوّامة الإنجاز التي لا تهدأ. اجتهدْ واسعَ إلى التميّز، لكن اترك لنفسك فسحةً للتأمل،
ومقعدًا في آخر النهار تجلس عليه بلا صفةٍ وظيفية، سوى أنك إنسانٌ له قلبٌ وروح. فالعملُ يعطيك ما تعيش به من أسباب الرزق والاستقرار، أما المعنى الحقيقي للحياة، فهو الذي يمنحك ما تعيش لأجله من قيمٍ وأحلام.
تذكّر دائمًا أنك أكبر من مهنتك، وأعمق من منصبك، وأبقى من أيِّ مسمّى وظيفيٍّ يسبق اسمك أو يلحقه. العملُ جزءٌ من حياتك، أما حياتك فهي ذلك النور الداخلي الذي لا يجب أن ينطفئ حين تُطفأ أنوار المكتب في نهاية اليوم.
***
د. صابر الحميدي







