أقلام حرة

عبد السلام فاروق: رمضان.. الوجه الآخر للصورة

نعم.. أنا من أبناء الراديو. من ذلك الجيل الذي كان يفتح نافذته على الدنيا بصوت الإذاعة. كنت أضع أذني على الراديو القديم الخشبي، فأرى العالم كله في صندوق صغير لا صورة فيه. وكان الصندوق يحدثني فأصدقه، كان يهمس لي فأسمعه، كان ينقل لي نبض الكون فأحس به.

والآن.. يأتيني نبأ من هناك. من البرنامج العام. من أحمد الحديدي.

أتعرفون ما دهشتي؟ ليست في البرنامج نفسه، ولا في فكرته، لكن في الجرأة التي يتطلبها هذا المشروع. في زمن الصورة، حين أصبحت الكاميرا تراقبنا في كل مكان، وحين صار التلفزيون يصرخ في وجوهنا ليل نهار، تأتي إذاعة عريقة لتقول لنا ببساطة.. أغمضوا أعينكم.

هذه جرأة تحتاج إلى شجاعة. لأن الصورة قتلت الخيال. قتلت الملكة العجيبة التي كان يمتلكها أجدادنا، كانوا يسمعون صوت أم كلثوم فيتخيلونها بعيونهم، يرسمون لها ألف وجه ووجه. أما نحن فرأيناها على الشاشة فماتت صورتنا التي في الخيال.

هذا الدعاء الذي يقدمه أحمد الحديدي يوميا، وهو الإعلامي الذي نعرفه مثقفاً ومحاوراً، يتحول إلى مبتهل. لكنه لا ينشد، لا يتغنى، هو يتأمل.. يتأمل روائح النقشبندي وطوبار كما يتأمل الفنان لوحة زيتية نادرة. يقف عند عبارة "بسطت يدي" ولا يمر عليها مرور الكرام. يقول: انتبهوا.. لم يقل رفعت، لأن البسط غير الرفع. البسط فيه ضراعة واستجداء، والرفع فيه ثقة. وهذا هو الفرق بين من يقرأ القرآن ومن يعيش القرآن. بين من يستمع إلى الابتهال ومن يتذوق الابتهال.

لقد جئنا إلى الدنيا وتركنا خلفنا زاداً روحياً عظيماً. تركنا سيد النقشبندي الذي كان إذا قال "مولاي إني ببابك" شعرت أن الله أقرب إليك من حبل الوريد. وتركنا نصر الدين طوبار الذي كان يطير بك في آفاق السماء بصوته الأقرب إلى البكاء منه إلى الغناء. وتركنا محمد عمران الذي كان يجمع في صوته بين أصالة المقامات الشرقية وعمق التصوف المصري.

وهؤلاء كانوا مدرسة. مدرسة في الذوق، مدرسة في الإحساس، مدرسة في الفهم العميق للدين. لم يكونوا مجرد حفاظ للقرآن، كانوا عشاقاً للكلام الجميل. كانوا يعرفون سر النغم، ويعرفون متى يخفضون الصوت ليكون أخشع، ومتى يرفعونه ليكون أروع.

والسؤال الذي يحيرني أين ذهب هذا كله؟

أين ذهب ذلك الزمن الجميل الذي كان الراديو فيه معلماً للذوق العام؟ الذي كنا ننتظر فيه "ركن السهرة" و "في رحاب القرآن" كما ينتظر العاشق لقاء حبيبته؟

لقد هزمتنا الصورة. هزمتنا الشاشة الصغيرة التي لا تنام. صرنا نرى كل شيء، لكننا لا نتخيل شيئاً. صرنا نعرف وجوه المذيعين والمطربين، لكننا فقدنا قدرتنا على الرؤية بالقلب.

وهذه مأساة.

مأساة أن يأتي رمضان وقد تحول إلى شهر المسلسلات والإعلانات، بعد أن كان شهر الروح والخشوع. مأساة أن نبحث عن الله في القنوات الفضائية فلا نجده إلا نادراً، بينما كنا نجده في الراديو القديم كل يوم.

أحمد الحديدي في هذا الدعاء الرمضاني يفعل شيئاً عجيباً. إنه يعيد تركيب الصورة المفقودة. بالكلمة. لا بالصورة المرئية، بالصورة المسموعة. يهمس كأنه صديق عمره . وهذا هو الإعلام الذي نريده. إعلام الروح لا إعلام الجسد. إعلام القلب لا إعلام الصراخ.

لقد مللنا الصراخ. مللنا الفضائيات التي تتحول إلى ساحات مصارعة. مللنا البرامج التي لا تخرج عن نمط واحد ضيف يهاجم وآخر يدافع، ومذيع يصرخ ليرفع نسب المشاهدة. وفي هذا الجو المشحون، يأتي دعاء هادئ مدته دقيقة أو أقل، لا يعتمد إلا على صوت مبتهل عذب رقراق سلسبيل.

إذاعة البرنامج العام بهذه التجربة تثبت شيئاً مهماً، أنها لا تزال حية، لا تزال تعرف جمهورها، لا تزال تقدم محتوى يليق بتاريخها العريق. هي تقول لنا العمر ليس عيباً، العمر خبرة. خبرة تمتد لعشرات السنين، خبرة جعلتها تعرف أن المستمع المصري لا يزال يحتفظ بقلب مفتوح للجمال، وروح عطشى للطمأنينة.

وما أجمل أن يكون رمضان هو شهر هذه العودة. شهر الزاد الروحاني. شهر نخرج فيه من دوامة الحياة اليومية، من صخب العمل والمواصلات، لنتفرغ قليلاً لأنفسنا.

لأن الإنسان كائن لا يعيش بالخبز وحده. يعيش أيضاً بالجمال، بالروح، بالإحساس بأن هناك من يسمعه ويراه ويعلم ما في قلبه.

وأذكر في ليلة من الليالي، كنت عائداً متعباً، الطريق طويل والزحام يخنق الأنفاس. فتحت الراديو على البرنامج العام، فإذا بالحديدي يقدم دعاء رمضاني . وكأن الرسالة كانت موجهة إلي وحدي. كأن الكون كله توقف ليخبرني لا تقلق.. هناك من يسمعك.

وهذه هي المعجزة الحقيقية للإعلام. ليس في نقل الخبر، ولا في صنع الحدث، بل في القدرة على لمس القلوب. على أن تصل الكلمة إلى روح المستمع كما تصل القطرة إلى العطشان.

الحديدي في هذا الدعاء يقدم جرعة روحانية، يقدم تأملاً عميقاً، يقدم نموذجاً للإعلامي الموسوعي الذي يستطيع أن ينتقل من الحوار  إلى التحليل، ثم إلى التأمل الروحي، بكل سلاسة واقتدار. وهذا هو الإعلامي الحقيقي. ليس من يقرأ النصوص، لكن من يعيش ما يقدمه. ليس من يمر على الكلمات مرور الكرام، بل من يقف عندها ويتأملها ويشرحها للناس.

وما أحوجنا إلى هذا النوع من الإعلام في زمن اختلطت فيه الأوراق، وتنافست الفضائيات في إثارة الغرائز، ونسينا أن للإنسان روحاً تحتاج إلى غذاء كما يحتاج الجسد إلى طعام.

تحية للبرنامج العام. تحية لأحمد الحديدي. تحية لكل من يؤمن بأن الإعلام رسالة لا تجارة. وبأن الكلمة الطيبة يمكن أن تغير حياة إنسان. وأتمنى من كل قلبي أن يستمر هذا الدعاء ، ليس في رمضان فقط، بل طوال العام. وأن تحذو إذاعات أخرى حذوه، فتقدم محتوى راقياً يليق بذوق المستمع العربي.

لأن المستمع العربي، رغم كل شيء، لا يزال يتوق إلى الجمال. لا يزال يبحث عن صوت يذكره بأن الحياة ليست كلها معارك وصراعات. الحياة فيها أيضاً مساحة للتأمل، مساحة للصلاة، مساحة للابتهال.

رمضان كريم.. وكل عام وأنتم بخير.

***

د. عبد السلام فاروق

 

في المثقف اليوم