أقلام حرة
عبد الحسين الطائي: جدلية تحوّلات العمل في العصر الرقمي
الأول من أيّار يوم العمال العالمي
يُعدّ يوم العمال العالمي مناسبةً رمزيةً عميقة الدلالات، تتجاوز حدود الاحتفاء التاريخي بهذه المناسبة، لتغدو حالة جديدة للتأمل النقدي في سياق تحوّلات العمل وشروطه في العصر الرقمي، فهو في جوهره تعبير عن تاريخ طويل من النضال الاجتماعي والاقتصادي للطبقة العاملة، التي أثمر نضالها في ثمانينيات القرن التاسع عشر، بتحديد ساعات العمل وتحسين شروطه. يعود أصل المناسبة إلى أحداث تاريخية في أيّار 1886 في مدينة شيكاغو، وقعت حادثة انفجار قنبلة أثناء مظاهرة عمالية مما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى من الشرطة والمتظاهرين.
تسببت هذه الحادثة بإعلان الأممية الثانية (منظمة اشتراكية دولية) أن يكون الأول من أيّار يوماً عالمياً لتكريم العمال تخليداً لتلك الأحداث. وبذلك ظلّ الأول من أيّار عالقاً في ذاكرة التاريخ كمرآة يعكس موازين القوة بين رأس مال السوق والعمل التقليدي، ومؤشّراً على طبيعة التزام العمال بالعقد الاجتماعي خلال المراحل التاريخية المختلفة، غير أنّ القرن الحادي والعشرين، بما يحمله من تطورات تقنية هائلة متسارعة، أعاد طرح العديد من الأسئلة الجدلية التي تتعلق بالأعمال المهنية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية في إطار جديد يتناغم مع التحولات السريعة التي تتداخل فيها مفاهيم العمل على كافة الأصعدة.
أدّت التقنيات الحديثة، من الذكاء الاصطناعي إلى المنصّات الرقمية، إلى إعادة تشكيل بنية الطبقة العاملة، ليس فقط من حيث طبيعة الأعمال، بل من حيث تعريف دور العامل ذاته، الذي لم يعد دوره محصوراً في ميدان العمل المكاني، المصنع أو الحقل، بل بات حاضراً في مجالات جديدة مرتبطة بطبيعة عمل الاقتصاد الحر، والعمل عن بُعد، والأعمال الأخرى القائمة على الطلب. هذه التحولات الكبيرة حملت معها اشكالات جديدة من الصعوبات التي يتعرّض لها العديد من العاملين في المنصّات الرقمية، فالعامل لم يعد يتمتع بضمانات التوظيف التقليدية، كالأمان الوظيفي والتأمينات الاجتماعية وغياب التمثيل النقابي، بل أصبح عرضة لتقلبات السوق وخوارزميات المنصات التي تتلاعب بمصيره المهني. إن انتشار أنماط العمل غير المستقرة تستدعي قراءة نقدية متأنية لطبيعة المتغيرات والتحولات في مختلف ميادين العمل.
كانت الرؤية الماركسية الكلاسيكية، كما صاغها كارل ماركس، بأن الطبقة العاملة (البروليتاريا) هي القوة الأساسية التي تُنتج القيمة في المجتمع الرأسمالي، لكنها تُستغل لأن أصحاب وسائل الإنتاج (الرأسماليين) يستحوذون على فائض القيمة. ولكن في العصر الرقمي، اتخذت أشكالاً جديدة ومعقّدة، حيث يُعاد تفسير الطبقة العاملة التي مازال وجودها ضمن مُسمى "البروليتاريا الرقمية"، والصراع الطبقي مازال قائماً وأُعيد تشكيله لأن الوعي الطبقي ضروري للتغيير، لكن وجود العامل لم يعد كما كان في المصنع، بل أصبح عمله ينطلق من منصات أخرى وبمسيات معاصرة.
والشركات التقنية الكبرى تستخرج (قيمة) من بيانات المستخدمين، بما يشبه نوعاً جديداً من فائض القيمة، مقرونة بمفاهيم جديدة (كالبيانات كوسيلة إنتاج، والخوارزميات كأداة سيطرة) بدلاً من (الآلات والمصانع)، أي هنا القيمة لم تعد تُنتج بالعمل الجسدي، بل عبر الذكاء، اللغة، والعلاقات الاجتماعية، مما جعلت مساحة الاستغلال أوسع انتشاراً لكن أقل وضوحاً. فالشركات الرقمية لا تبيع الخدمات فقط، بل تستخرج البيانات وتحولها إلى أرباح، وامتلاك هذه الوسائل من الشركات التكنولوجية الكبرى يعني استمرار نفس علاقات القوة التي وصفها ماركس، لكن بأدوات حديثة.
التحدي الأبرز الذي يواجه الطبقة العاملة في العصر الرقمي يكمن في الفجوة المتزايدة بين سرعة التطور التكنولوجي وبطء الأطر التشريعية والمؤسساتية التي تنصف الطبقة العاملة في الكثير من بلدان العالم. فالقوانين التي تنظّم العمل أكثرها أسيرة الأساليب التقليدية التي تحتاج إلى إعادة النظر في مضامينها بما يتلاءم مع تطورات العصر، بحيث تكون قادرة على استيعاب تعقيدات العمل الرقمي. كما تبرز الحاجة إلى سياسات عامة تضمن العدالة الرقمية، وتوفير الحماية الاجتماعية للعاملين في الاقتصاد غير التقليدي، مع ضمان الشفافية في الخوارزميات التي تتحكّم في توزيع العمل وتقييم الأداء في كل مجالات العمل، لأن التقدم التكنولوجي يجب أن يُوجَّه بما يخدم تطلعات الإنسان العامل ويصون حقوقه في عالم تتسارع فيه المتغيرات بوتيرة غير مسبوقة.
بدء الاحتفال بشكل رسمي بعيد العمال العالمي في العراق بعد قيام ثورة 14 تموز 1958، حيث تم إدخال الأول من أيّار ضمن العطل الرسمية للدولة، بعدما كان العمال يحيون المناسبة قبل ذلك بشكل غير رسمي أو سري بسبب الظروف السياسية في العهد الملكي. إنّ استذكار هذه المناسبة، في ظل المشهد المعقّد، يدعو إلى تجديد الالتزام بقيم العدالة الاجتماعية، بأدوات تتناغم وتتلاءم مع روح العصر الرقمي. فالتحديات لم تعد فقط من أجل تقليل ساعات العمل ورفع الأجور، بل من أجل ضمان إنسانية العمل في عالم تهيمن عليه الخوارزميات، وتتفاوت فيه الكفاءة وقيم العدالة والحقوق.
الطبقة العاملة في العراق المعاصر تواجه إطار معقّد يجمع بين التحولات الاقتصادية البنيوية، والصراعات السياسية والأمنية منذ عام 2003. عدم الاستقرار السياسي له تأثيره السلبي المباشر على بيئة الاستثمار، وفرص العمل المستدامة أدى إلى استمرار ضعف دور الطبقة العاملة. إعتماد العراق على الاقتصاد الريعي أضعف تنويع القطاعات الإنتاجية التي جعلت الطبقة العاملة تعاني من محدودية فرص العمل المستقر، لأن الجزء الأكبر من العمالة يتركز في ميدان القطاع العام وفي أنشطة غير رسمية منخفضة الإنتاجية، وظائف لا تتناسب مع مهاراتهم، وحرمتهم من الحماية القانونية والتأمينات الاجتماعية، رغم وجود تشريعات تنظم العمل، ولكن تطبيقها يواجه تحديات كبيرة بسبب ضعف المؤسسات الرقابية، والحركة النقابية ما زالت تعاني من قيود كثيرة تحدّ من قدرتها على تمثيل العمال والدفاع عن حقوقهم القانونية.
قانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015 من القوانين المهمة نظرياً التي نظّمت حقوق العمال، في تحديد ساعات العمل والإجازات وتنظيم عقود العمل ومنع الفصل التعسفي، وضمان بعض أشكال الحماية الاجتماعية. هذه التشريعات قريبة من المعايير الدولية، خاصة تلك التي تروج لها منظمة العمل الدولية في مجال حماية الطبقة العاملة، لكن من حيث التطبيق الواقعي فهي لم تُنصفها بشكل كافٍ بسبب ضعف القضاء العمالي والرقابة والتفتيش، واتساع الاقتصاد غير الرسمي بالإضافة إلى التدخلات السياسية التي تعرقل تطبيق القانون، وبذلك فإن ضعف تنفيذها يعود لعوامل كثيرة أهمها غياب بيئة مؤسسية داعمة.
ولدينا إشكالية مجتمعية أكثر تعقيداً تتعلق بالفئات الأكثر تضرراً، النساء العاملات والشباب، بالإضافة إلى معضلة عمالة الأطفال المنحدرين من الأُسر ذات الدخل المنخفض أو المتضررة من النزاعات، أو من جراء تفكك الأُسر وفقدان مصادر الدخل، وضعف الحماية الاجتماعية. جلَّ عمل هؤلاء الأطفال مرتبط بعدة مخاطر، يعيشون في بيئات خطرة، كثيراً ما يتعرضون إلى العنف أو الاستغلال والحرمان من فرص التعليم. ظاهرة مقلقة ذات أبعاد اجتماعية انسانية اقتصادية وقانونية، لا يمكن فهمها بمعزل عن بنية الاقتصاد، ومستويات الفقر المرتفعة، وآثار الصراعات السياسية والاجتماعية.
تشير تقديرات صادرة عن منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة العمل الدولية إلى أن نسبة غير قليلة من الأطفال في العراق منخرطون في أنشطة اقتصادية ضمن القطاع غير الرسمي، لا سيما العمل في مجال الورش الحرفية كالميكانيك والنجارة، أو جمع النفايات وتدويرها، وفي مسح زجاج السيارات، وفي المناطق الزراعية الريفية. علماً أن العراق طرف في اتفاقيات دولية مهمة مثل: اتفاقيات منظمة العمل الدولية المتعلقة بعمل الأطفال، اتفاقية حقوق الطفل، وقانون العمل العراقي رقم 37 لسنة 2015، يحظر تشغيل الأطفال دون السن القانوني، وينظم عمل الأحداث بشروط صارمة كما ينص قانون رعاية الأحداث العراقي على حماية الأطفال من الاستغلال، ولكن المشكلة الأساسية تكمن في صعوبة التنفيذ.
أما تأثير تصاعد العمالة الأجنبية، بشقّيها الشرعي وغير الشرعي، بوصفها ظاهرة مركّبة تتقاطع فيها البنى الاقتصادية مع الترتيبات السياسية والتحولات الاجتماعية، نتج عنها فائض في العمالة المحلية (بطالة مرتفعة بين الشباب من الجنسين)، مقابل طلب فعلي على عمالة منخفضة التكلفة أو ذات مهارات محدودة، هذا الأمر دفع أصحاب العمل إلى تفضيل العمالة الأجنبية، ليس فقط لرخصها، بل لمرونتها ولضعف قدرتها على المطالبة بحقوقها. هذه الحالة تستدعي التأمل وإعادة التفكير في السياسات العامة، ليس لكونها مشكلة سوق عمل، بل كونها خللاً كبيراً في توجهات الدولة والاقتصاد والمجتمع.
التكنولوجيا خلقت مجالات عمل جديدة (تحليل البيانات، تطوير البرمجيات، إدارة الأنظمة الرقمية)، هذه الأعمال تتطلب مهارات مختلفة لا يمتلكها الكثير من الطبقة العاملة التقليدية. التكنولوجيا لم تلغِ الطبقة العاملة وإنما نمط عملها قد اختلف وتحتاج إلى مهارات عالية تقاوم فيها التحديات وتكون قادرة على التكيف من خلال التعليم، التدريب، والسياسات التي تحميها في ظل تطور مجالات العمل في العالم الرقمي.
المجد لكل نضالات الطبقة العاملة في يومها العالمي.
***
د. عبد الحسين الطائي
أكاديمي عراقي مقيم في بريطانيا







