أقلام حرة
فاطمة الدفعي: ما هو الحيوان؟ رحلة من لهو الدنيا إلى حيوية الآخرة
ما هو الفرق بين الإنسان والحيوان؟ قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [سورة الأنعام: 38].
الفرق بين الدواب والإنسان هو أن الله عز وجل ميز الإنسان بالعقل الحر ليختار طريقه بنفسه في الحياة الدنيا، أما الحيوان فهو مسير، وهذا لا يعني أنهُ بلا عقل، فالله سبحانه قد خلق كل حيوان بغرائز الحياة التي تناسبه وتناسب نوعه.
كل الحيوانات لها نظام حياة يشبه نظام حياة الإنسان، الفرق أن الإنسان يعيش الحياة بعقل وتفكير، والحيوان يعيشها وفق غرائزه الفطرية، وهذه حقيقة قرآنية: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم) لها طريقة تزاوج وتكوين أسر، ولها طريقة تواصل خاصة مع بعضها.
دلالة "الحيوان" في النص القرآني
ولكن السؤال الأهم: ما هو الحيوان؟ ما معنى كلمة حيوان؟ هذه الكلمة ذُكرت في القرآن الكريم مرة واحدة في سورة العنكبوت، قال الحق سبحانه: {وَمَا هَـٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [سورة العنكبوت: 64]. وقد فسر الشعراوي -رحمه الله- هذه الآية وقال: (الحيوان هو منتهى الحياة، أي الحياة التي لا موت بعدها، ولا أغراض تشغل عنها. وقوله تعالى {لَهِيَ الْحَيَوَانُ} أي هي الحياة الحقيقية، لأن كل شيء فيها حيّ. في الدنيا، نحن نرى الجماد ميتاً، والنبات فيه حياة نمو فقط، والحيوان فيه حياة حسّ وحركة. أما في الآخرة، فالمادة نفسها ستنطق وتتكلم؛ الجلود تشهد، والأيدي تتكلم، والأرض تُحدث أخبارها. فإذا كان الجماد في الآخرة ينطق ويسمع، فقد صارت الدار كلها "حيواناً"، أي داراً تنبض بالحياة في كل ذرة من ذراتها، لا موت فيها ولا سكون، بل هي حياة ذاتية بكلمة "كُن" من قيوم السموات والأرض.)
أسرار اللغة: وزن (فَعَلان) والحركة المستمرة
من الناحية اللغوية والتسمية، كلمة "حيوان" في اللغة العربية هي مصدر مشتق من مادة (ح ي ي)، وإذا تأملنا سر كلمة (حيوان)، نجدها على وزن (فَعَلان)، وهو وزن في لغتنا العربية لا يُطلق إلا على ما اشتدّت حركته وفار نبضه؛ كالغليان والجولان. وكأن الله يخبرنا أن حياة الآخرة ليست سكوناً أبدياً، بل هي فوران من الحيوية والنشاط الذي لا يهدأ، حيث كل ذرة في الكون تنبض وتتحرك بأمر باريها.
ومن ملامح الدقة اللغوية، أن لفظة (إنسان) في بعض وجوهها الصرفية تلتقي مع (حيوان) في ذات الوزن الذي يوحي بالحركة والاضطراب؛ وكأن الإنسان في رحلته الدنيوية 'حركة نسيان' وقلق دائم، لا يهدأ صخبه ولا يستقر نبضه إلا حين ينتقل إلى الآخرة ليكون 'حركة حياة' مطلقة وصادقة.
وسُمي الإنسان إنساناً لأنهُ عهد إليه فنسي، قال تعالى:
{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}
فالنسيان طبيعة متأصلة في البشر، سواء نسيان العهد أو نسيان النعم، وهو ما يجعل الإنسان دائماً في حاجة إلى "الذكر" و"التذكير".. ينسى نعم الله عليه، ولا يتفكر في ما حوله من نظام بديع وخلق عظيم، ويظل يلهو ويلعب في الحياة الدنيا حتى يموت وهو لا يفكر في حقيقة الحياة وحقيقة الموت. هو دابة إن كان عالة على غيره، وليس من حياته فائدة.يصبح كدابة تأكل وتشرب لأنه نسيّ أنه مستخلف على الأرض، وأن الروح التي فيه أمانة تحتاج للبقاء بقرب خالقها سبحانه.
فالإنسان إن ظل في غفلته يرتكس ليصبح (دابة) تحكمها المادة، لأن كماله الإنساني لا يتحقق إلا حين يدرك أن وجوده الحقيقي مرتهن بكونه (حيواناً) بمعناه الأخروي؛ أي كائناً يفيض بالحياة المطلقة التي تتجاوز حدود الجسد والغريزة.
وأسم إنسان مشتق من "الأُنْس" (أَنَسَ)، لأن الإنسان يأنس بغيره ويؤنس به، والأنس البشري في الدنيا ليس سكوناً، بل هو حركة بحث دائمة عن سكن وطمأنينة وسط ضجيج اللهو. فبينما يتقلب الإنسان في وغفلته، يظل يتحرك شوقاً لما يألفه ويطمئن إليه.
الحياة المحضة.. مواجهة الحقائق
الحياة الحقيقية هي في دار الآخرة فقط فهي الحيوان، لأن الحياة هناك "محضة" وصادقة، لا زيف فيها ولا مواراة. هناك تنطق الجوارح وتُكتشف الحقائق، فتصبح حياة حقيقية لأنها عارية من الخداع، نابضة بالصدق في كل تفاصيلها. إذاً فنحن كلنا حيوانات لكننا لا نعرف ما معنى حيوان؛ نحن لا نزال في الحياة الدنيا نلهو ونلعب، ولن نعرف معنى الحيوان إلا في الدار الآخرة، فما الحياة الدنيا إلا حياة زائفة، لكننا نهتم بها أكثر من اهتمامنا بالآخرة التي فيها الحيوات الحقيقية، وفيها حيوان وحيوية لكل ما كان ميتاً فينا وحولنا.
وفي نهاية المطاف، نحنُ لسنا مجرد أسماء عابرة في سجلات الوجود، ولا أجساد تستهلك أيامها في صراع الغرائز، أو أنصاف نبحث عن من يكملنا، لسنا هنا لنبحث عن الأنس والإيناس فقط. نحن هنا (أناسٌ) تتقاذفنا رياح اللهو، نلبس أقنعة الدنيا ونظنها وجوهنا الحقيقية، لكننا في الجوهر مشروع لـ (حياة) لم تبدأ بعد. الآخرة هي 'الحيوان' لأنها الدار التي ستكف فيها الأشياء عن الصمت، وتتحرر فيها الروح من قيود المادة، وتصبح كل نبضة فيها صدقاً محضاً. فاحذر أن تعيش في الدنيا بقلب (دابة)، فتفوتك في الآخرة حقيقة (الحيوان).
***
بقلم الحرية: فاطمة الدفعي







