أقلام حرة
عبد السلام فاروق: الوجدان المصري بين يدي الأنبياء والأولياء
الإنسان المصري.. عجيب هذا الإنسان! تراه في المسجد ساجدًا باكيًا، لا يهمس إلا لله، ولا يرجو إلا من الله. وفي لحظة أخرى تجده يهتف: «يا حسين! يا ست! يا فاطمة!» فينسى من حوله أن التوحيد الخالص معناه ألا تدعو مع الله أحدًا. لكن… هل نسي المصريون توحيدهم؟ أم أن في أعماق النفس البشرية سرًّا لا يفقهه المتشددون؟
دعني أبدأ معك من البداية.
جاء الإسلام ليقرر كلمة واضحة محددة كالشمس: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. لا وساطة بين العبد وربه، ولا كهنوت، ولا قداسة لأحد دون الخالق. هذه هي العقيدة، صافية كالبلور، لا شوائب فيها. غير أن هذا الإنسان الذي خلقه الله جعله يحب الوسائط. يحب أن يتوسط له الشفعاء، وأن يدله المحبوبون على الطريق، وأن يشعر بأن في السماء من يسمع صوته ويحمل حاجته إلى العرش.
أليس المؤمنون كلهم يتوسلون إلى الله بحب نبيهم؟ أليسوا يقولون: «اللهم بحب نبيك اغفر لي»؟ هذا هو التوسل بعينه، غير أن بعضهم يجعل المحبوب وسيلة، وبعضهم يجعله هو المقصود. والأول هو الذي يفعله المصريون.
إذن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو لماذا يحب المصريون آل البيت إلى هذا الحد؟ لماذا يرون في الحسين ستارًا يلوذون به؟ لماذا تلجأ المرأة المصرية البسيطة إلى السيدة زينب قبل أن تلجأ إلى الله مباشرة؟
دعني أخبرك السر.
المصريون عرفوا الظلم وخبروه، وعاشوا الاضطهاد قرونًا طويلة. من الفراعنة إلى الرومان تعرضوا للقهر والظلم، وحتي الدولة الأموية ظلمت آل البيت، والعباسيون ظلموهم أيضًا. والمصريون، منذ أن دخلوا الإسلام، اتخذوا من آل البيت رمزًا للبراءة التي تقتل، والحق الذي يغتصب، والضعيف الذي يُداس.
لما قُتل الحسين في كربلاء بكى المصريون ألف عام. لم ينسوا، وما زالوا يبكون كل عام في العاشر من محرم، ليس لأنهم يريدون إحياء الخلاف القديم، ولكن لأنهم قوم لا يحتملون الظلم، وكأنهم يقولون للتاريخ نحن مع المظلومين، نحن مع الحسين، نحن مع الحق وإن كان مقتولًا!
هذه هي القضية، قضية إنسانية؛ قضية قلب ينزف مع كل مظلوم وينحاز إلى كل ضعيف. وليست قضية تشيع ولا سنية!
السيدة زينب.. أم العواجز
في مدينتي الصغيرة بالمنيا، كانت البقرة التي تدير الساقية تسقط أحيانًا في البئر، فتعلو الصرخة: «يا الله! يا محمد! يا حسين! يا علي! يا أم العواجز يا ست!»
لاحظ معي أنهم يبدأون بالله، ثم بالنبي، ثم بآل البيت. إنهم لا يشركون بالله شيئًا، لكنهم يذكرون أحباء الله؛ لعل محبتهم تكون شفيعًا لهم عند الله.
«يا أم العواجز»… هذه الكلمة وحدها تفسر كل شيء. "العواجز" هم الضعفاء، من لا سند لهم، أو من انقطعت بهم السبل. والمصريون يشعرون أن السيدة زينب هي أم كل عاجز، هي التي تفهم معنى الضعف، لأنها رأت أخاها الحسين مذبوحًا في كربلاء، ورأت العيال والأطفال يتامى، ورأت الظلم بعينيها.
إنها ليست إلهة ولا ندًّا لله، لكنها في الوجدان الشعبي امرأة عظيمة جمعت بين الألم والصبر، والفقد والعزة، والعجز والقوة. فكأن المصريين حين يستغيثون بها يقولون: «يا من عرفتِ معنى الضعف، اشفعي لنا عند من لا يرد سائلًا».
في طفولتنا، كنا إذا أضعنا شيئًا وفتشنا عنه فلم نجده، قلنا: «يا فاطمة يا أختي، نوريني وعلى مكان حاجتي دليني». أليست هذه دعوة لغير الله؟ قد يقول المتشدد: نعم، هذا شرك.
لكن دعني أسألك هل يعقل أن تكون البنت الصغيرة التي تخاطب فاطمة كأنها أختها الكبرى، وهي تعلم أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ماتت منذ ألف وأربعمائة سنة، هل يعقل أن تكون مشركة بالله؟ إنها تعلم أن الله وحده هو الذي يقدر على أن يهديها إلى ضالتها، لكنها بحبها البسيط الطفولي تحب أن تقول اسم فاطمة، كأنها تتبرك به، وكأنها تستجمع قواها الروحية بذكر من تحب. إنها تقول: «يا فاطمة…» ثم تنتظر أن يلهمها الله. لم تطلب من فاطمة أن تفعل شيئًا، لكنها طلبت منها أن تضيء لها الطريق، أي أن تكون سببًا في إلهام الله لها. هذا هو التوسل، وهذا هو التبرك.
مريم العذراء في وجدان المصريين
ليس المسلمون وحدهم من يفعلون هذا. فالمسيحيون المصريون يلجؤون إلى السيدة مريم العذراء، يتوسلون بها، ويستغيثون بها في الشدائد. وكثير من المسلمين يفعلون نفس الشيء، خاصة في كنائسها الشهيرة مثل كنيسة العذراء بالزيتون.
لماذا؟
لأن السيدة مريم العذراء في الوجدان المصري هي رمز للأمومة الحانية التي تحمي طفلها في أصعب الظروف. هي التي حمت ابنها النبي عيسى عليه السلام من كيد أعدائه، وهي التي ساندته بحنان لا مثيل له.
وهنا يلتقي الوجدان المصري مع ذاكرته الفرعونية القديمة. فمصر القديمة كانت تقدس «إيزيس»، الإلهة الأم التي أنجبت ابنها «حورس» بطريقة روحية (وليست جسدية)، وحمته حتى كبر وانتقم لأبيه من إله الشر «ست».
لاحظ التشابه.. إيزيس تنجب حورس، وتحميه، وتجعله رمزًا للوراثة الشرعية للعرش. ومريم تنجب المسيح، وتحفظه، وتجعله نبيًا عظيمًا.
هذا التشابه ليس مصادفة. إنه استمرار للوجدان المصري القديم الذي لا يموت. فالمصريون، مسلمين ومسيحيين، وجدوا في السيدة مريم العذراء امتدادًا لما كانوا يعتقدونه في إيزيس. ليس بمعنى أنهم يخلطون بين الأديان، لكن بمعنى أن العقل الجمعي المصري يختار الرموز التي تعبر عن أعمق حاجاته النفسية: الأم الحامية، المرأة القوية، الرمز الذي يمنح الأمل.
المصريون والتاريخ
لماذا كل هذا التعاطف مع آل البيت؟ ولماذا لا نجد هذا التعاطف نفسه مع سائر الصحابة؟
المصريون لهم ذاكرة تاريخية طويلة. يتذكرون أن الدولة الأموية التي حكمت من دمشق قتلت الحسين، ونكلت بآل بيته، وجعلت الخلافة ملكًا وراثيًا.
ف«الطلقاء» هم الذين أسلموا بعد فتح مكة، وكانوا من أشد أعداء الإسلام. ثم أصبحوا حكامًا، وقلبوا الخلافة إلى ملك عضوض.
آل البيت كانوا الضحية. وكان المصريون الذين دخلوا الإسلام محبين للنبي وآله، مع الضحية. ليس تشيعًا، إنما تأثرًا بمأساة إنسانية كبيرة. وهذا هو مفتاح فهم الظاهرة، أن المصريين لم يتعلقوا بآل البيت لأنهم يعتقدون فيهم الألوهية أو العصمة المطلقة، بل لأنهم رأوا فيهم المظلومين فانحازوا إليهم.
المذهب المصري..
المصريون، أو الغالبية العظمى منهم، سنة. يصلون صلاة السنة، ويصومون رمضان، ويؤدون المناسك على مذهب الإمام الشافعي أو أبي حنيفة. لكنهم مع ذلك يحبون آل البيت حبًّا شديدًا، ويكرمونهم، ويتوسلون بهم.
هل هذا تناقض؟
لا، ليس تناقضًا. إنها الطبعة المصرية من الإسلام. إسلام يحتفظ بأصول العقيدة، لكنه يضيف إليها روح المحبة والتصوف والتبرك بالأولياء.
هذا المزيج الذي يراه المتشددون بدعًا وشركًا، هو في الحقيقة تعبير عن عبقرية المصريين في التوفيق بين العقيدة والوجدان، والدين والتراث، والتوحيد وحب آل البيت.
لماذا إذن يحتاج الإنسان إلى وسائط؟
من منظور علم النفس، الإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع أن يعيش بلا وسائط. حتى في علاقته بالله، يحتاج إلى من يشعره بالقرب، وإلى من يفهم همومه، وإلى من يكون جسرًا بينه وبين العرش.
هذه الحاجة، في رأيي، ليست ضعفًا في الإيمان، إنها جزء طبيعي من التركيبة البشرية. الدين الرسمي يقول: الله قريب، يجيب دعوة الداع إذا دعاني. لكن النفس البشرية تقول: أريد من أراه، أريد من ألمسه، أريد من يفهم لغتي.
القديسون والأولياء والصالحون في جميع الثقافات والأديان يقومون بهذا الدور. هم نماذج بشرية وصلت إلى درجة من القرب من الله، فأصبحت في اعتقاد الناس قادرة على الشفاعة والتوسط.
الشيخ وصلاة العيد؟
قبل أيام، أثار خطيب صلاة العيد جدلًا حين توسل بآل البيت في دعائه. قال المتشددون: هذا شرك. وقال آخرون: هذا من محبة آل البيت.
من جانبي، أرى أن الشيخ لم يخطئ. لأنه لم يدع آل البيت من دون الله، لكنه توسل بحبهم، وذكرهم في دعائه، وطلب من الله بحرمتهم ومكانتهم.
هذا هو الإسلام الوسطي الذي عرفناه في مصر منذ ألف عام. إسلام لا ينكر محبة آل البيت، ولا يمنع التوسل بهم، ولا يرى في ذلك خروجًا عن التوحيد.
بين الروح والجسد في العبادة
الدين في جوهره روح. والروح لا تقبل القيود الجامدة، ولا تكتفي بالشعائر الجافة. الإنسان المصري بحسه الجمالي، وإحساسه العميق بالتاريخ، وتعلقه برموزه، يجعل من عبادته مزيجًا بين العقيدة والوجدان، والفقه والحب، والنص والروح.
محبة آل البيت ليست بدعة، بل هي ميراث حضاري. والتوسل بهم ليس شركًا، بل هو تعبير عن عمق العلاقة بين الإنسان ورموزه الروحية.
لن يغير المتشددون من طبيعة المصريين شيئًا. فالذاكرة الحضارية أقوى من أي فتوى، والمحبة في القلب لا تُقتلع بقول قاله أحد. سيظل المصريون، مسلمين ومسيحيين، يحبون آل البيت، ويتوسلون بالعذراء، ويلجؤون إلى القديسين، ليس لأنهم يشركون بالله، بل لأنهم يعرفون أن الله هو الملاذ الأول والأخير، وأن هؤلاء هم أحباؤه، وأن محبتهم تقربهم منه. وهكذا يمشي المصريون في طريقهم إلى الله، حاملين معهم تراثهم الفرعوني، وإيمانهم السماوي، ومحبتهم التي لا تنضب لآل بيت نبيهم.
وكل ما يقال من تشدد أو تكفير أو تبديع… يمر كالغيم، وتبقى مصر، وتبقى محبة آل البيت في قلب المصري، وتبقى هذه الروح الفريدة التي تميز إسلام هذا البلد عن غيره.
***
د. عبد السلام فاروق







