عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أكرم عثمان: حين تجرح القلوب.. كيف يولد الصبر من رحم النكبات؟

ليست النكبات مجرد أحداث عابرة في حياة الإنسان، بل هي لحظات فاصلة تكشف عمق النفس وقوتها وصلابتها أو هشاشتها وضعفها، وتظهر حقيقة الإيمان، وتختبر قدرة القلب على الصمود ومواصلة المشوار. ففي خضم الأزمات وأتونها، حين تتراكم الضغوط والتوترات وتشتد وطأة الحياة وقسوتها ألماً وإيلاماً، تتكاثر الجروح النفسية وتتعاظم الأنات البشرية، ويثقل الصدر بالآهات، ويجد الإنسان نفسه أمام سؤال وجودي صعب: هل ينهار تحت ثقل الألم وضعف النفس والروح، أم ينهض بقوة الإيمان وصلابته؟

إن الناس في مواجهة النكبات ليسوا سواء؛ فمنهم من تتكاثر عليه الهموم حتى تثقل كاهله ويرهقه الحزن، فيرى نفسه ضعيفاً متهالكاً أمام العاصفة، كعصفور في مهب الريح العاتية، تتنازعه المخاوف والهموم ويثقله القلق، فيستسلم لمشاعر العجز والانكسار والإنحدار النفسي. هذا الصنف يفسر الألم على أنه نهاية، ويرى في الأزمة ظلاماً دامساً ممتداً بلا أفق أو نهاية، فتتسلل إليه الضعف والهوان والكآبة، ويغيب عنه معنى الحكمة من الابتلاء والاختبار الذي وضع فيه.

وفي المقابل، هناك من يصوغ من الألم قوة، ومن المعاناة يقيناً، فيقف أمام النكبة بثبات المؤمن، لا لأنه لا يتألم، بل لأنه يعرف كيف يوجه ألمه ويحوله إلى أمل مشرق ودروس يتعلم منها. هذا الإنسان يستمد طاقته من إيمانه بالله، ويجد في الذكر سلوى، وفي القرآن عزاء، فيردد قول الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ سورة الرعد: 28. فيشعر أن قلبه، رغم الجراح، ما زال متماسكاً وقادراً على السكينة والهدوء والطمأنينة. ويستحضر وعد الله الذي لا يخلفله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾  سورة الشرح: 5–6. فيوقن أن العسر ليس نهاية الطريق، بل هو بداية لفرج قريب مزدوج، وأن الألم يحمل في طياته أبواباً من التيسير والخير والمنة لا يراها إلا من أحسن الظن بالله. يقيناً وعلماً راسخاً، وقد عبر النبي ﷺ عن هذا المعنى العميق بقوله: "لن يغلب عسرٌ يُسرين" رواه البيهقي. وهو توجيه نبوي يرسخ في النفس والروح أن الفرج ليس احتمالاً ضعيفاً، بل حقيقة موعودة وبشرى من المولى سبحانه وتعالى للمؤمنين، وأن التيسير مضاعف أمام كل عسر يمر به الإنسان.

إن الابتلاء في جوهره ليس عقوبة بقدر ما هو تمحيص واختبار وابتلاء يكشف فيه المعادن النفسية من القلوب الصدئة، يميز الله به بين من يستسلم ومن يثبت، بين من ينهار ويتلاشى ظله ووجوده ومن ينهض ويكمل سيره وحركة حياته ومهمته. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ — سورة العنكبوت: 2. فالنكبات ليست نهاية الحكاية، بل هي جزء من بناء الإنسان وتمحيصه، وصناعة وعيه، وتقوية عزيمته وإرادته. إنها المدرسة التي يتعلم فيها الصبر الحقيقي، والإيمان الصادق، والثقة التي لا تتزعزع أو تضعف.

وفي عمق التجربة الإنسانية، يكتشف الإنسان أن الجروح ليست كلها ضعفاً، بل قد تكون بداية لقوة جديدة، وأن الألم ليس دائماً خسارة أو دمار، بل قد يكون طريقاً للنضج والارتقاء والسمو والعلياء. فكم من إنسان خرج من محنته أكثر حكمة وأجلد صبراً وقوة، وأكثر قرباً وصلة مع الله، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة ونكباتها وأزماتها.

إن الخروج من النكبات لا يكون بإنكار الألم، بل بفهمه واستيعابه ومعرفه كنهه ومآله، ولا يكون بالهروب من الواقع، بل بمواجهته بثقة ويقين وقلب راسخ لا يتضعضع. فحين يتسلح الإنسان بالإيمان والحكمة والصبر، ويتكئ على ربه، ويستحضر وعده، تتحول المحنة إلى منحة، والألم إلى أمل والضعف إلى قوة، والقلق إلى سكينة وراحة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس: كم كانت النكبة قاسية؟  بل: كيف خرجت منها؟ فإما أن تخرج منها مكسوراً تتلاشى روحك عن بدنك ونفسك عن عقلك ووجدانك، أو أن تخرج منها أقوى… وأجدر أن تتقلد القيادة والرياسة وسياسة الحياة ودروبها ومنعطفاتها وتلك هي الحكاية التي يكتبها إيمانك، لا ظروفك.

***

د. أكرم عثمان

28-3-2026

في المثقف اليوم