عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

رابح بلحمدي: وباء الفوضى الذي يفتّت الأمم العبثية

في زمنٍ اختلطت فيه كل شيء، صار الوجه قناعًا، وصار القناع حقيقة.

العقل يمشي على عكاز الشك، والروح تُساق إلى أسواق الضجيج، حيث تُباع المعاني (الحقائق) بثمنٍ بخس، ويُشترى الفراغ بوصفه حرية.

العبثية اليوم ليست فكرةً عابرة في كتابٍ أصفر، ولا تأملًا حزينًا في ليل الفلاسفة، بل هي كائنٌ هلامي، يتكاثر في الظلال، يتسلل عبر الشاشات، وينام في تفاصيل اللغة.

تراه في الضحكة التي لا سبب لها، وفي الحزن الذي بلا جذور، وفي إنسانٍ يمشي طويلًا دون أن يعرف إلى أين.

إنها ريحٌ سوداء، لا تُسقط الجدران، بل تُفرغها من أسمنتها وحديدها وكذلك المعنى من الألفاظ الكبرى والكلمات الدالة على الحياة، حتى تقف المدن قائمةً كقبورٍ مفتوحة، يسكنها أحياءٌ فقدوا سرّ الحياة.

لم تعد العبثية تبحث عن معنى، بل صارت تصنع اللامعنى وتروّجه.

ترتدي وجوهًا كثيرة: وجه المثقف الذي يقدّس الشك حتى يكفر بالبديهيات، ووجه السياسي الذي يحوّل الوطن إلى رقعة شطرنج، ووجه الإعلامي الذي يبيع الضجيج على أنه وعي.

وفي العمق، يقف كائنٌ غامض، يشبه الإنسان، لكنه بلا جذور، بلا ذاكرة، بلا قبلة

إنه الإنسان المعلّق بين السماء والأرض، لا هو طائرٌ فيحلق، ولا هو حجرٌ فيستقر.

مقولات كالرصاص الصامت ليست أخطر ما في العبثية صراخها، بل همسها

تلك الجمل التي تتسلل إلى القلب كالدخان.

لا معنى لشيء......

فتتحول الحياة إلى انتظارٍ بلا موعد.....

كل شيء نسبي.....

فيصير الحق باطلاً، والباطل وجهة نظر....

الانتماء وهم......

فيغدو الإنسان غريبًا حتى عن اسمه.....

إنها ليست أفكارًا، بل شقوقٌ في جدار الروح، يتسرّب منها الليل.

حين تصير الأوطان زجاج مكسورة

انظر إلى الخرائط ليست خطوطًا وحدودًا، بل جراحٌ مفتوحة

مدنٌ كانت تغني، صارت تبكي....

أنهارٌ كانت تعكس السماء، صارت تعكس الدخان.....

أطفالٌ كانوا يرسمون الشمس، صاروا يرسمون الدبابات ......

في مشهدٍ سرياليٍّ فادح :

رجلٌ يحمل وطنه في حقيبة، امرأةٌ تخيط قريتها بدموعها، وطفلٌ يسأل: أين بيتي؟

ولا أحد يجيب .

هكذا تعمل العبثية :

لا تهدم الحجر فقط، بل تمحو السؤال .

العقل المستلب: حين يُنفى الإنسان من داخله

أخطر ما فعلته العبثية أنها لم تحتل الأرض، بل احتلت الرأس جعلت الإنسان يشك في بداهته، ويسخر من جذوره، ويخجل من انتمائه....

صار العقل كغرفةٍ بلا نوافذ، يدور فيها صاحبه حول نفسه، حتى يتعب، فيجلس على أرض الشك، ويعلن استسلامه للفراغ...

وهنا لا يعود الإنسان عبدًا لسلطةٍ خارجية، بل سجينًا لفوضاه الداخلية.....

قلت تعالوا لنحرّر العقل لكن ليس ليتيه، بل ليهتدي......

حرّروه من سلاسل العبثية، من عبادة الشك، من تقديس اللايقين، ليعود إلى فطرته الأولى، حيث النور لا يُجادَل، والحق لا يُساوَم.

لنحرر العقل ليرجع إلى الله تعالى،

فإن العقل إذا انفصل عن السماء، صار أداة هدم، وإذا اتصل بها، صار مصباح هداية.....

لنحرر العقل من العبثية، ليسير في درب الأنبياء، حيث الطريق واضح، وإن طال، وحيث المعنى عميق، وإن خفي، وحيث الإنسان لا يُقاس بما يملك، بل بما يعرف.....

لسنا أمام خيارٍ بسيط، بل أمام مفترق وجودي: إما أن نستمر في عبادة الفراغ، أو نعيد اكتشاف المعنى.....

البذرة ما زالت فينا في ذاكرة الأرض، في صوت الأذان، في دمعة الأم، في كتابٍ لم يُقرأ بعد

نحتاج فقط أن نحرث هذا الركام، أن نعيد للعقل وضوحه، وللقلب يقينه، وللروح وجهتها ليست العبثية قدرًا، بل غفلة

وليست نهاية، بل انحراف في الطريق....

وحين يعود الإنسان إلى نفسه... إلى ربه.. إلى معنى وجوده....…

تسقط الأقنعة، وتنطفئ الضوضاء، ويبدأ العالم من جديد لا كفوضى، بل كآية.

***

بقلم: بلحمدي رابح - الجزائر