عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

علاء جواد كاظم: دولة العقل ام دولة الهوى

بعيدا عن صخب التبريرات في واقعنا الحالي، لا تظهر الاشكالية الحالية ازمة شخوص، بل هي ازمة قياس ومسطرة تختار من يناسبها وتستبعد من ينفعها. وأن صناعة القادة لم ولن تكن وليدة الصدفة، بل هي بالغالب نتيجة انتقائية تعيد انتاج الخلل وتكرسه. فالسؤال لم يعد: لماذا لم ينجح بعض اصحاب القرار؟ بل أصبح: كيف وصلوا إلى دفة القيادة؟

هنا تنكشف ثنائية جوهرية في فهم التركيبة الاجتماعية او المزاجية الشعبية: سلطة الرشد امام سلطة الاهواء، وهذه ليست مجرد مقولات فلسفية تنظيرية او تصورات ذهنية، بل هي مجسات تحليلية تفسر واحدة من أكثر الافات او الازمات في اجهزة السلطة: وضع الشخص غير المناسب في المكان المناسب.

في دولة الموسسات والقانون، لا يُنظر إلى مركز القرار او الكرسي باعتباره مغنما او امتيازا وظيفيا، بل كونه وظيفة أخلاقية ومعرفية، ودفة القيادة هنا تسند إلى من يستحقها، لا إلى من يطلبها أو يقترب منها، وهذه الفكرة تمتد جذورها إلى فلسفة أرسطو وأفلاطون وكانط ومونتسكيو وجون لوك وغيرهم من الذين يرون أن العدالة تتحقق عندما يؤدي كل فرد ما هو مؤهل له، وكانط الذي جعل من العقل او الرشد الاخلاقي معيارًا أعلى للحكم والسلوك، والدولة هي تجسيد لذلك العقل المحض، لا للاهواء والمصالح.

وفق هذه الامثلة التفسيرية، تعمل الاجهزة الرقابية ودوائر القرار وكأنها مصدات وقائية تحمي نفسها من القصور الوظيفي؛ فالمواصفات او المقاييس واضحة، والرقابة والمراجعة قائمة، والخطأ قابل للتعديل او التصحيح. وبناء على هذا، إن تنصيب او تكليف شخص غير مؤهل في مكان مهم وحساس، فذلك خطأ عابر وفورا يصحح، لأن الرشد المهني يرفضه.

أما في دولة المزاجية، فالصورة تنقلب تمامًا، هنا لا يُسأل: من الأقدر؟ بل: من الأقرب؟ ولا تُقاس الكفاءة والمهنية بمقياس المعرفة والخبرة، بل بمعيار الارتباط والانتماء، وهنا تحول كرسي القرار من مسؤولية إلى غنيمة، ومن أداة خدمة إلى وسيلة نفوذ.

هذا التحول ليس جديدا، بل هو ما أشار إليه ابن خلدون في افكاره عن "العصبية" حين تصبح الروابط الضيقة هي الحاكم الحقيقي في توزيع السلطة، متجاوزة كل اعتبار عقلي أو مهني، ففي ظل هذا الاسلوب ينكشف التناقض المؤلم: المكان الصحيح لكن الانسان خطأ. وهنا يبدأ ما يمكن ان نسميه بمفهوم "الاغتراب الوظيفي" عندما تنفصل المسؤولية الحقيقية عن صاحبها، وتفقد الوظيفة معناها، ويتحول العمل الى مجرد اداء شكلي لا يعكس جوهر المسؤولية. 

والأهم من هذا كله، أن الاعتلال لا يبقى اداريا، بل يتحول مع مرور الوقت الى ثقافة سائدة، ويسير المجتمع على فكرة غير المؤهل في موقع السلطة، وتتراجع حساسيتهم تجاه المهنية والكفاءة، ويغدو الاستثناء معيار والمعيار استثناء، وهنا يصبح ما اهو اخطر من الفشل " تزييف الوعي الجمعي" .

أن الشعوب او النظم الاجتماعية لا تتحطم بسبب قلة الموار الطبيعية او البشرية، بل قد تنهار رغم وفرتها في حال غياب الرشد والعقل كمرجعية حاكمة، والازمة ليست قلة كفاءات، بل في انعدام الهيكل او الأساس الذي يكتشفها ويضعها في موقعها الصحيح.

وختاما، في دولة العقل يبحث الكرسي الى الشخص الكفء، اما في دولة الهوى يبحث الشخص الى الكرسي باي ثمن، وضمن هذين النموذجين، يرسم مستقبل الشعوب، اما أن تكون الدولة تجسيدا عن وعيها، او أن تتحول الى انعكاس لاهوائها.

***

علاء جواد كاظم