عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

حميد علي القحطاني: أن تصير نقيض جرحك!

في المعنى الأخلاقي للمعاناة الإنسانية

ليست المعاناة حادثة عابرة في حياة الإنسان، بل لحظة تتكشف فيها حقيقة معدنه الأخلاقي. ففي الألم لا يواجه الإنسان ما يؤلمه فحسب، بل يواجه ما يمكن أن يصير إليه بسببه. هناك في منطقة الجرح يتحدد أحد أعمق الخيارات الوجودية: اما أن يتحول الألم الى قسوة، واما أن يرتقي الى رحمة.

ومن أكثر الأوهام رسوخا أن نتصور الرحمة ثمرة مباشرة للرحمة، وأن اللطف لا يولد الا في ظلال الرفق والاحتواء. غير أن التجربة الإنسانية تكشف مفارقة اعمق: كثيراً ما تتخلق انبل صور الرحمة في النفوس التي خبرت الألم، وتولد الرقة الحقيقية في القلوب التي عرفت الانكسار.

ذلك أن الألم في ذاته ليس قيمة أخلاقية، فلا هو فضيلة ولا هو رذيلة، بل قوة خام يكتسب معناها مما يصنعه الإنسان بها. فقد يتحول الجرح إلى مرارة تعيد إنتاج الأذى، وقد يتحول إلى بصيرة توسّع الفهم وتعمّق الاحساس بالآخرين. ومن هنا لا تكون المعاناة سبباً في السمو أو الانحدار بذاتها، بل تصبح ميدانا تتجلى فيه حرية الإنسان الأخلاقية.

فالفضيلة الحقة لا تظهر حين يكون الخير سهلا، بل حين يكون الشر مفهوما وممكنا، ثم يُرفض. الرحمة ليست عظيمة لأنها خُلُق حسن فحسب، بل لأنها قد تكون انتصاراً على دوافع القسوة. واللطف لا يبلغ قيمته العليا الا حين يصدر عن نفس عرفت ما يبرر النقيض.

عند هذه النقطة يصبح الخير فعلا من أفعال السيادة الداخلية، اذ لا يعود الإنسان مجرد متلقٍ سلبي لتجاربه، بل يغدو قادرا على أن يختار موقعه الأخلاقي منها. وهذه من أسمى خصائص الإنسان: أن لا يكون أسير ما حدث له، بل سيداً على المعنى الذي يمنحه لما حدث.

فالمعاناة تمنح الإنسان معرفة لا تُكتسب في أوقات العافية، معرفة الهشاشة الإنسانية. فمن ذاق الانكسار أدرك أن وراء مظاهر القوة ضعفاً خفيا، وأن وراء تصرفات البشر جراحاً لا تُرى. وحين تتعمق هذه المعرفة لا تعود الرحمة مجرد انفعال وجداني، بل تصبح فهماً ناضجا للطبيعة الإنسانية.

ومن أرفع ما يمكن أن يبلغه هذا الوعي أن يمنح الإنسان غيره ما افتقده هو، أن يهب الطمأنينة التي حُرم منها وأن يفيض بالرفق من الموضع ذاته الذي عرف فيه القسوة. هنا تتحول المعاناة من أثر يُثقِل الروح الى قوة تعيد تشكيلها، ويصبح العطاء تعبيرا عن حرية داخلية لا عن وفرة خارجية.

وهذا هو المعنى الأعمق للنبل الأخلاقي: أن يرفض الإنسان أن يكون امتداداً لجرحه. أن لا يجعل من ألمه مبررا للقسوة، ولا من حرمانه ذريعة للمنع، بل أن يختار - على الرغم من كل شيء - أن يكون مصدر خير.

في هذه اللحظة يبلغ الإنسان ذروة قوته الروحية، لأن القوة الحقيقية ليست في القدرة على الرد، بل في القدرة على التجاوز. ليست في أن يعكس ما تلقى، بل في أن يسمو عليه. فحين يختار الرحمة بعد الألم لا ينتصر على الآخرين، بل ينتصر على أكثر دوافع النفس بداهة وإلحاحا.

وهنا تبلغ المعاناة معناها الأخلاقي الأسمى: أن تصبح طريقا الى انسانية أعمق، لا ذريعة لانطفائها. فالإنسان لا يبلغ نُبله الأعلى حين يتجنب الجراح، بل حين يحوّلها إلى وعي، لا حين ينجو من الألم، بل حين يمنع الألم من أن يختزل روحه. وحين يحدث ذلك، يغدو الجرح بداية ارتقاء لا بداية انكسار، وتصبح الرحمة ثمرة وعي عميق لا مجرد رقة عابرة.

وهذا هو أرفع ما يمكن أن يحققه الانسان أخلاقياً: أن يصير نقيض جرحه.

***

حميد علي القحطاني