أقلام حرة
علي الطائي: العربية الفصحى.. من لغة حياة إلى لغة مناسبات
العربيُّ الذي يفتح شاشة هاتفه صباحاً، ويقرأ الأخبار، ويشاهد البرامج، ويستمع إلى الأحاديث اليومية، قد يظنُّ أنه يعيش في قلب اللغة العربية، وأنه يغتسل كل يوم بمائها العذب. غير أن الحقيقة المُرَّة هي أن العربيَّ المعاصر يعيش في كثير من الأحيان بعيداً عن العربية الفصيحة كما يعيش السائح في مدينةٍ أثرية؛ يمرُّ بين جدرانها العظيمة، ويُعجب بجمالها، لكنه لا يسكنها ولا يعرف أسرارها.
لقد أصبحت العربية الفصيحة بالنسبة إلى كثير من أبنائها لغةً تُسمَع أكثر مما تُستعمَل، وتُحفَظ أكثر مما تُعاش. فهي حاضرة في المصحف الكريم، وفي الشعر القديم، وفي نشرات الأخبار، وفي الخطب الرسمية، لكنها غائبة عن الأسواق والمقاهي والمجالس والبيوت. ولعلَّ المفارقة العجيبة أن العربيَّ اليوم قد يفهم الإنجليزية التقنية أو المصطلحات الأجنبية الحديثة أكثر مما يفهم نصاً عربياً فصيحاً كُتب قبل قرنين أو ثلاثة.
وهذه ظاهرة تستحق التأمل؛ إذ ليس في العالم أمةٌ تكاد تكون غريبةً عن لغتها العليا كما هو حال العرب مع الفصحى. فالفرنسي حين يقرأ نصاً فرنسياً رصيناً يشعر أنه داخل بيته اللغوي، والألماني يفهم لغة أدبائه الكبار دون أن يحتاج إلى مترجم، أما العربي فقد يقف حائراً أمام صفحة من الجاحظ أو أبي حيّان التوحيدي أو ابن خلدون، وكأنه يقرأ لغةً أخرى.
وليس السبب في ذلك ضعف العربية، بل على العكس تماماً؛ فالعربية من أغنى لغات العالم وأوسعها وأدقها في التعبير. وإنما المشكلة أن المسافة بين لغة الحياة اليومية ولغة التراث اتسعت حتى أصبحت أشبه بوادٍ سحيق. فالطفل العربي يولد في بيئة تتحدث باللهجة المحلية، ثم يدخل المدرسة فيُفاجأ بلغة أخرى ذات قواعد وصيغ وأبنية مختلفة. وهكذا ينشأ وهو يشعر ـ من حيث لا يدري ـ أن الفصحى ليست لغته الطبيعية، بل لغة التعليم والامتحان والخطاب الرسمي.
ومع مرور الزمن ترسَّخ هذا الشعور. فصارت الفصحى عند بعض الناس مرتبطة بالتكلّف والرسميات، بينما ارتبطت العامية بالعفوية والدفء والقرب من النفس. حتى إن كثيراً من المتعلمين إذا أرادوا التحدث بالفصحى شعروا بشيء من الحرج، وكأنهم يرتدون ثوباً فاخراً في حي العراة!!
ومن غرائب هذا العصر أن العربي قد يحفظ مئات المفردات الأجنبية المرتبطة بالتقنية والاقتصاد والطب والإدارة، لكنه يتردد أمام كلمات عربية أصيلة كانت يوماً من لسان الناس. فكلمات مثل: السَّنَا، والوَهْج، والأريج، والضَّرام، والوَثَب، والنُّهى، أصبحت تبدو لكثيرين ألفاظاً غريبة، مع أنها من صميم العربية.
إن المشكلة ليست في اللغة، بل في علاقتنا بها. فالعربية الفصيحة لم تغادرنا، وإنما نحن الذين غادرناها. هي ما تزال حية في القرآن الكريم، وفي دواوين الشعر، وفي آلاف الكتب التي ملأت خزائن الحضارة الإسلامية. وما زالت قادرة على التعبير عن الذرة والمجرة، وعن الذكاء الاصطناعي كما عبّرت قديماً عن الصحراء والنجوم والخيل.
ولو تأملنا قليلاً لوجدنا أن الفصحى ليست مجرد وسيلة للتخاطب، بل هي وعاء حضاري هائل. فحين تضيق صلتنا بها لا نفقد ألفاظاً فحسب، بل نفقد طرائق في التفكير، وألواناً من التصوير، وأشكالاً من الجمال العقلي والبياني. إن الفرق بين من يملك ألف كلمة ومن يملك عشرة آلاف كلمة ليس فرقاً في المعجم فقط، بل فرق في القدرة على الفهم والتحليل والتعبير.
ومن هنا فإن اغتراب العربي عن الفصحى ليس قضية لغوية فحسب، بل قضية ثقافية وحضارية أيضاً. فالأمة التي تبتعد عن لغتها العليا تبتعد تدريجياً عن ذاكرتها الجماعية، وعن كنوزها الفكرية، وعن قدرتها على التواصل مع تراثها دون وسطاء.
ومع ذلك، فالصورة ليست قاتمة تماماً. فما زالت العربية تتمتع بميزة نادرة لا تكاد توجد في لغة أخرى؛ فهي اللغة التي يتلو بها مئات الملايين كتاباً واحداً منذ أكثر من أربعة عشر قرناً. وما زال الطفل في أقصى المغرب يقرأ القرآن نفسه الذي يقرؤه الطفل في أقصى المشرق. وما زالت الفصحى قادرة على جمع العرب، مهما اختلفت لهجاتهم وأوطانهم.
إن العربية الفصيحة ليست لغةً ميتة كما يزعم بعض الجاهلين، وليست لغةً متحفية تُعرض خلف الزجاج. إنها كالنهر العظيم؛ قد يبتعد الناس عن ضفافه، لكن ماءه ما زال جارياً. وحين يعودون إليه يكتشفون أنهم لم يعودوا إلى لغةٍ غريبة، بل إلى بيتهم الأول الذي طال عنه الغياب.
ولعلَّ المأساة الحقيقية ليست أن العربي لا يعرف الفصحى معرفةً كاملة، فهذا أمر طبيعي في كل اللغات، وإنما المأساة أن بعض العرب باتوا ينظرون إليها كما ينظر الأجنبي إلى لغةٍ يتعلمها. فإذا سمعوا كلاماً فصيحاً متيناً قالوا: "ما هذه اللغة الصعبة؟" مع أنها لغتهم التي حملت أشعار امرئ القيس، وخطب الإمام علي، ورسائل الجاحظ، ومقدمات ابن خلدون، وآيات القرآن الكريم.
وهكذا نجد أنفسنا أمام مفارقة فريدة في التاريخ: لغةٌ من أعظم لغات البشر، يتحدث أهلها باسمها، ويفتخرون بها، ويكتبون شعاراتها على الجدران، ثم يشعر كثير منهم بالغربة إذا سمعوها في صورتها الأصيلة. إنها غربة الابن عن بيت أبيه، لا غربة الغريب عن وطنٍ لم يعرفه قط. ولذلك فإن الطريق إلى العربية ليس اكتشاف أرضٍ جديدة، بل العودة إلى أرضٍ قديمة ما زالت تنتظر أبناءها.
***
د. علي الطائي
8-6-2026







