ربما يذكّرني ذلك بقصة الشجرة والثمرة؛ فما علاقة الشجرة بالثمرة؟.. إنه ذات المعنى الذي حذّرنا منه الإمام علي بن أبي طالب -عليه السلام- حين وصف حال المسلمين بعد رحيل رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-: “أخذوا بالشجرة وضيّعوا الثمرة”. فمسألتنا الفكرية والثقافية هي: أين يكمن الالتزام؟
قد تكون (زينب) في عمر الزمن قصيرة، لكنها تأخذ بُعدًا غائرًا في أعماق الفكر، وتتغلغل ثائرةً في وجداني وروحي. فمن تكون (زينب) تلك التي رسم التاريخ ملامحها، وخطّت اسمها أنامل من نور لا تمحى؟
ماذا عرفنا عنها؟ وماذا أخذنا منها؟ وماذا فهمنا فيها؟
أليست هي: أنا وأنت، على امتداد البشرية؟
أليست انعكاسًا لمرآة فهمنا ووعينا لأنفسنا، ولطريقة فهم الآخرين لنا؟
ألم تكن علامة استفهام كبيرة في جبين التاريخ، ما زال يلفّها الكثير من الغموض والجهل والخرافة؟
كثيرًا ما استوقفتني تلك الصورة الإعلانية البراقة، التي تهيب بمن ينظر إليها حشمةً وعظمةً تحت عنوان (العباءة الزينبية)!
أو تلك الصورة النمطية المخيفة التي تحذّر أي فتاة من الابتعاد عنها!
والأعجب هو انجذاب بعض الخطباء والخطيبات إلى هذه الصورة النمطية في كل مناسبة يكون العروج فيها إلى زينب -عليها السلام-.
فهل اختصرنا عظمة زينب في عباءتها؟
بل قد يكون السؤال الصحيح: هل اختصرنا العفة بعباءة، إن كان الهدف هو العفة؟
كيف يمكن لمستمع أو قارئ أن ينظر إلى المرأة، حين تنقلب الصورة في وعيه، فيتأملها بوصفها وعاءً للجنس، وأن عفتها وحشمتها تختصران في قطعة قماش اسمها (عباءة)؟
إن عقلي الصغير لا يستطيع أن يستوعب ما يقوله بعض أرباب المنبر حين يطرحون قضية زينب -عليها السلام-.
فزينب هي الثكلى التي فقدت كل ذويها، والتي واجهت أعظم المآسي، فتلتحم في الذاكرة صورتها بالصبر والوعي والموقف.
لكن وسط صخب تلك الدموع، يسرق فكري سؤال عابر:
هل يعقل أن ينكسر كل هذا العمق أمام قضية تُختصر في: هل خرجت فلانة من دون حجاب؟
لننتبه قبل أن نضيّع في طريقنا المعالم.
لنعد قراءة الأحداث، ولنمعن النظر باتجاه البوصلة، ولنكن أكثر وعيًا باتجاهاتها؛ فلا نسمح لموروثنا الفكري وحالتنا الوجدانية أن تنعكسا عليها فتغيّرا اتجاهها، فنضلّ الطريق.
إن هذا النمط الشكلي قد يبرمج تفكيرنا بسطحية مقنّعة اخترعناها من دون وعي، لنجد أنفسنا في نهاية المطاف:
نترك زينب، ونتمسك بعباءة زينب.
فَيَصدُق علينا قول الإمام علي -عليه السلام-:
“أخذوا بالشجرة وضيّعوا الثمرة”.
***
منى الصالح
محرم







