عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أكرم عثمان: حين يتحول الرفض إلى جريمة

لماذا يقتل بعض الخطاب خطيباتهم بعد فسخ الخطوبة؟

في السنوات الأخيرة، شهدت بعض المجتمعات العربية جرائم مروعة راحت ضحيتها فتيات على يد خطابهن عند التقدم لهن للزواج أو بعد فسخ الخطوبة أو رفض إتمام الزواج، وربما بعد الزواج بفترة قد تطول أو تقصر. وهي جرائم تهز الضمير الإنساني والأخلاقي، وتفرض على المجتمع والمؤسسات التربوية والنفسية والاجتماعية والقانونية وقفة جادة لفهم أسبابها الحقيقية ودوافعها الكامنة والمخفية أو المعلنة، والعمل على تفاديها والحد والوقاية منه والتعامل معها بإيجابية ومرونة عقلية.

وبالرغم من أن البعض قد يفسر هذه الجرائم بأنها نتاج "حب شديد" أو تعلق سلبي مبالغ فيه، فإن الحقيقة العلمية والنفسية تؤكد أن الحب الحقيقي لا يقود إلى التهديد وأذية الطرف الآخر أو الشروع بقتله وإنهاء حياته، ولا يبرر التهديد أو الابتزاز أو الانتقام. فالحب يقوم على الاحترام، والحرية، والقبول بكل النتائج التي تتمخض عن علاقات عاطفية أو ارتباط خطوبة أو زواج، بينما تقوم هذه الجرائم على السلطوية والنرجسية وحب التملك والسيطرة السلبية والعنف ورفض الاعتراف بحق الآخر في اتخاذ قراره.

التملك وليس الحب

الشخص الذي يهدد خطيبته أو يبتزها أو يلاحقها أو يعتدي عليها بعد فسخ الخطوبة لا يعاني من زيادة في الحب أو التقرب واللطافة والملاينة لشريكه، بل من خلل في طريقة التفكير وإدارة المشاعر والتصرف في المواقف الانفعالية والتوترات العاصفة والمزمنة. فهو يرى الطرف الآخر ملكاً له، وكأننا في عصور خلت يعتبره ملك يمين تحت تصرفه وسيطرته، ويعتبر رفضه إهانة شخصية أو انتقاصاً من رؤيته لنفسه وتشويه صورته وحضوره الشخصي والتقليل من مكانته الاجتماعية، فيلجأ إلى الانتقام بدل العمل على حل خلافاته ومشاكله أو تقبل الواقع.  التي الآلت له المواقف والأحداث.

إن عدم القدرة على تقبل الرفض يمثل أحد أهم العوامل النفسية المرتبطة بهذه الجرائم، خاصة عندما يقترن بضعف السيطرة على الغضب والانفعالات، وانخفاض المرونة النفسية، والتفكير الاندفاعي، وغياب مهارات حل المشكلات.

عوامل نفسية واجتماعية متداخلة

لا يمكن تفسير هذه الجرائم بسبب واحد، وإنما هي نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل، منها:

- تنشئة أسرية قائمة على العنف والتسلط وضعف الحوار.

- معتقدات اجتماعية خاطئة تمنح الرجل سلطة مطلقة على المرأة.

- اعتبار فسخ الخطوبة فشلًا أو إهانة تمس الكرامة الشخصية أو العائلية.

- ضعف مهارات إدارة الضغوط والانفعالات.

- الغيرة المرضية والخوف المبالغ فيه من فقدان الشريك.

- الضغوط الاقتصادية والبطالة والأزمات الاجتماعية التي تزيد من مستويات الإحباط واليأس لدى بعض الشباب.

هذه العوامل لا تبرر الجريمة بأي حال من الأحوال، لكنها تساعد على فهم الظروف التي قد تزيد من احتمالية وقوعها، بما يسهم في تطوير برامج الوقاية والتوعية.

فسخ الخطوبة ليس نهاية الحياة

الخطوبة مرحلة للتعارف واكتشاف مدى التوافق، وليست التزامًا نهائيًا بالزواج. ومن الطبيعي أن يكتشف أحد الطرفين أو كلاهما عدم الانسجام، فيختار الانفصال باحترام. وهذا القرار لا ينتقص من قيمة أي منهما، بل قد يجنبهما زواجًا غير ناجح ومستقبلًا مليئًا بالمشكلات.

إن تقبل مشاعر الحزن والغضب وخيبة الأمل أمر طبيعي، لكن الأهم هو كيفية التعامل معها. فالتعبير الصحي عن المشاعر، واللجوء إلى الأسرة أو الأصدقاء أو المختصين، والانشغال بتطوير الذات والعمل وتحقيق الأهداف، كلها وسائل تساعد على تجاوز الأزمة بطريقة إيجابية.

الوقاية مسؤولية مجتمعية

الوقاية من هذه الجرائم لا تقتصر على العقوبات القانونية، بل تبدأ من الأسرة والمدرسة والجامعة ووسائل الإعلام والمؤسسات الدينية والمجتمعية، من خلال نشر ثقافة الاحترام المتبادل، وقبول الرفض، وإدارة الانفعالات، وتعزيز قيم الحوار والمسؤولية.

كما أن من الضروري إدراج برامج تأهيل المقبلين على الزواج، بحيث تتناول مهارات التواصل، وحل النزاعات، وإدارة الغضب، والذكاء العاطفي، والاختيار الواعي لشريك الحياة، بما يسهم في بناء علاقات صحية قائمة على التفاهم والاحترام.

لا تتجاهلوا إشارات الخطر

هناك مؤشرات تستدعي التعامل معها بجدية، مثل التهديد بالقتل، أو الملاحقة المستمرة، أو الابتزاز، أو تدمير الممتلكات، أو العنف اللفظي والجسدي، أو محاولات فرض السيطرة والعزل عن الأسرة والأصدقاء. وعند ظهور مثل هذه السلوكيات، ينبغي عدم التقليل من خطورتها، بل طلب المساعدة من الأسرة والجهات المختصة وأجهزة إنفاذ القانون والمتخصصين في الصحة النفسية، حفاظًا على السلامة ومنعًا لتصاعد العنف.

رسالة أخيرة

إن قوة الإنسان لا تظهر في الانتقام، بل في قدرته على تقبل الواقع، واحترام قرار الآخر، وتحويل التجارب المؤلمة إلى فرص للنضج والنمو. فالعلاقات الإنسانية لا تُبنى بالإكراه، ولا تُحفظ بالتهديد، ولا تستمر بالعنف، وإنما تقوم على الاحترام والثقة والاختيار الحر.

وكلما ترسخت هذه القيم في مجتمعاتنا، أصبح الاختلاف أو الانفصال تجربة إنسانية يمكن تجاوزها بكرامة، بدل أن تتحول إلى مأساة تدفع ثمنها الأسر والمجتمع بأكمله.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

7/8/2026

في المثقف اليوم