الكتابة الساخرة ليست مجرد قدرة على إضحاك القارئ، كما أن الطرفة الناجحة ليست غاية بحد بذاتها، وإنما تكمن قيمتها الحقيقية، عندما تتحول إلى وسيلة ذكية، لقول ما قد تعجز اللغة المباشرة عن قوله.
ومن هنا ببرز أسلوب الكاتب الإعلامي محمد الجبوري الذي استطاع أن يجعل من الظرافة مدخلاً إلى النقد، ومن النكتة جسراً يصل بين الفكرة والقارئ، في أسلوب مرح، يجمع خفة الروح، وعمق الدلالة.
فهو يمتلك قدرة واضحة، ومهارة عالية، على التقاط المفارقة من تفاصيل الحياة اليومية، وإعادة تقديمها في قالب ساخر، يثير الابتسامة، دون أن يتوقف عند حدودها، إذ سرعان ما يقود القارئ إلى التأمل في المعنى الكامن وراءها. وهذه إحدى خصائص الكتابة الساخرة المتمكنة للاعلامي الساخر محمد الجبوري، حيث لا تكتفي بأن تضحك المتلقي، بل تدفعه إلى أن يراجع المشهد الذي يضحك منه، وربما يكتشف فيه شيئاً من واقع الحياة، وتناقضاتها.
وفي هذا النوع من الكتابة امتاز الكاتب الاعلامي الساخر محمد الجبوري حسا مرهفا باللغة، والموقف معاً، لأن السخرية إذا فقدت توازنها تحولت إلى تهكم عابر، في حين اذا ما نجح الأديب الساخر في أن يمتلك أدواتها، ويتمكن من توظيفها ببراعة، فإنها تصبح فناً محببا، له دلالاته ومراميه.
ومن السمات اللافتة في أسلوبه أيضاً، توظيفه للمصطلحات الفنية والموسيقية المعاصرة، وإدخالها في تشكيلة كتاباته بصورة تبدو طريفة من جهة، وذكية من جهة أخرى. فهو لا يستعير المصطلح لمجرد الغرابة أو الاستعراض، وإنما يوظفه في بناء المفارقة، فيمنح النص إيقاعاً خاصاً، يجعل لغة السخرية عنده أكثر حيوية، واعمق قدرة على ملامسة روح العصر.
ولعل أجمل ما في أسلوبه الساخر، أنه يخفف من وطأة النقد، دون أن يفرغه من مضمونه. فالمتلقي، او الشخص المقصود بالنكتة، قد يبدأ مبتسماً أمام عبارة ساخرة، أو تشبيه طريف، ليجد نفسه بعد لحظات، أمام فكرة تستحق التوقف والتأمل. وهذه حقاً، هي السخرية الراقية، التي لا تجرح، ولا تبتذل، ولا تعتمد الإساءة، وإنما تستخدم الذكاء، واللمحة الخاطفة، والمفارقة الجميلة.
ومن هنا يمكن النظر إلى أسلوب الاعلامي محمد الجبوري الساخر، باعتباره تجربة ناجحة، تلتقي فيها السمة الإعلامية، مع السرد الأدبي، والظرافة، مع النقد، والمصطلح المعاصر، مع البلاغة. فهو يستثمر خبرته في التواصل مع المتلقي، ليقدم كتابة لا تثقل على القارئ، وتوصل له الفكرة، في نفس الوقت.
وهكذا يستحق الإعلامي محمد الجبوري أن يُقرأ، لا بوصفه صاحب نكتة ظريفة، فحسب، وإنما بوصفه أديباً ساخراً متمكنا، يوظف الظرافة في خدمة الفكرة، ويستخدم المفارقة طريقاً إلى النقد، ويمنح المصطلح الفني والموسيقي، حياة جديدة داخل النص.
***
نايف عبوش








